يقال عادة اختر الرفيق قبل الطريق. فماذا لو كان هذا الرفيق بتاء التأنيث، وكان ذلك الطريق يقود إلى مدينة فاس؟ لن تحتاج، والحال هذا، إلى ساعة تستنطق عقاربها الصماء، في كل مرة، وتتمنى عبثا أن تمد ذيلها وتلسع عجلات القطار كي تزداد سرعته، فيصل قبل الموعد المحدد في تذكرة السفر.
طريق فاس ببساطة هو طريق اللهفة. على امتداد الطريق إليها تردد قول الشاعر “يا مرحبا بك في قلبي”. كم تود أن تراها بعينيْ من لم يسبق له أن زارها من قبل، وكم يهفو قلبك إليها، وكم تتمنى لو أن المدينة تحمل، بطريقة ما، نفسها، وتخرج للقائك كما هي تماما. فما وهبتها إياه يد الطبيعة فيه الكفاية وزيادة. كم ستكون رائعة بقدمين حافيتين، وبشعر منفلت يراقص الرياح، وبلباس منزلي شفاف، وبدون أصباغ وملونات وإكسسوارات. يا إلهي، كم تكره ذلك في المدن كما في النساء!
في الواقع، كثيرة هي الوسائل التي يمكن أن تجعل الطريق إلى فاس قصيرا. أغاني الملحون أحد تلك الوسائل. لكن أفضلها وأمتعها، في حالتك على الأقل، هي الكتب. لكن أي كتاب يمكنك أن تختار، وأي سبيل إلى المفاضلة بينها، وكل واحد منها يتغنى بحب المدينة، ويحدد مواطن الجمال فيها التي لا تنتهي، بطريقته الخاصة، وبلغته الخاصة، وبأسلوبه الخاص. تقول لنفسك: لا تشغل بالك كثيرا بهذا الأمر. خذ آخر كتاب وصل إلى يديك. صدفة جميلة أن يكون الكتاب المعني يتحدث عن فاس، وكاتبته فاسية الولادة والنشأة، هي بنت “الطالعة الكبيرة”. إنها فاطمة المرنيسي.
تحملك المرنيسي مخبأ بين دفتي كتابها إلى أماكن فاس الظليلة، إلى أماكنها المحظورة، إلى أماكنها الممنوعة على “الأجانب”، فتجد نفسك وسط الحريم. بيد المرنيسي الخفية يُرفع الحجاب فتراهن بعينيك، وتستمع بروعة لباسهن، وتسمع أصواتهن الخفيضة، وتطلع على أفكارهن، وأحلامهن، وشغفهن، وهواجسهن، وخيباتهن أيضا. ترى وتسمع، بل وتعيش معهن كذلك، شغب طفولتهن، وتفتّح أنوثتهن، وحكمة شيخوختهن.
تظن أن فاس شاخت في غيابك القصير. بيد أنك تتأكد بمجرد ما أن تطأها قدماك من أنها تشيخ في العمر فقط، إذ يزداد عدد سنواتها كبرا، لكن جسدها لا يشيخ، وروحها لا تشيخ أيضا. هي لا تنسى وصية شاعرها، وتستحضر على الدوام قوله: “تحدي الشيب والكبرا”. ولا يمكن لمثلها أن تخسر التحدي.
وإذا حدث أن رأيتها تقف على عكاكيز، أو احدودب ظهرها، أو تمشي بتثاقل، أو علت ملامحها تجاعيد خفيفة، أو رأيت سيلوليت وترهلات ودوالي تغزو هذا المكان من جسدها أو ذاك، فاعلم أن الأمر عابر. يكفيها أن تذهب إلى عين من عيونها أو حامة من حاماتها: عين الله، وسيدي حرازم، ومولاي يعقوب، وتغتسل هناك لتتجدد خلاياها من تلقاء ذاتها، وتستعيد صحتها وجمالها. فهناك يكمن إكسير شبابها الدائم.
الحضارة مدرسةٌ بُنيت في فاس. من يمرّ بالمدينة لا بد له من أن يكون متحضرا، ومن الغريب حقا ألا يكون من يقيم فيها كذلك. يقول صاحب “الأنيس والقرطاس” أن “من دخلها أو سكنها واستوطنها صلح حاله بها”. تمرّ من وسط المدينة فتتعجب، في البداية على الأقل، كيف أن الأسدين الذين يربضان في حديقتها الممتدة، لا يزالان جالسين في مكانيهما دون حراك، لا تزال النظرة الوديعة في عيونهما حاضرة كما كانت على الدوام، ويعلو الأطفال ظهريهما دون وجل، ويتسلقون عنقهما وينزلون في سلام. كيف لمن علمته فاس الحضارة أن يصير مفترسا؟
وُجدَت الأبواب لتغلق لكن أبواب فاس الكثيرة، الكبيرة والصغيرة معا، بأقواسها ونقوشها الرائعة، مفتوحة على الدوام، في الليل كما في النهار، وفي جميع فصول السنة. بعض الأبواب القديمة خُلعت تماما، وبعضها الآخر صار مفتوحا على مصراعيه. حتى أن إمكانية إغلاق ما بقي من الأبواب قائما تبدو اليوم منعدمة. لا بد لك من أن تلاحظ أن دفتي باب بوجلود، وهو أحد أبرز المداخل إلى فاس البالي، قد انغرستا في الأرض انغراسا، ولم يعد من الممكن إغلاقهما.
في مدخل الملاح تترك المقبرة اليهودية على الجهة اليسرى. وفي الداخل تستقبلك بنايات عمرانية بشرفات جميلة، ودروب ضيقة، تحكي تاريخا عريقا، يمتد إلى الدولة المرينية. وإذا كانت كنيستا المدينة قد بُنيتا في جانبها الحديث، فإن حي الملاح يضم عدة بِيع لعل من أشهرها بيعة بن دنان، وبيعة الفاسيين. تعرف أنك تمر من حي عاش فيه اليهود مدة طويلة. كان ذلك بجوار أحياء المسلمين. فقد عاشا معا وتعايشا، وكان بينهما أمن وسلام.
من شرفة ما في منزل ما بالحي تكاد تسمع زهرة الفاسية (وإن كان هناك من يقول إنها من مواليد مدينة صفرو) بلباسها اليهودي المُميّز، وبحلي من فضة بيضاء، تترنم بصوتها الجميل بإحدى الأغنيات: “حبيب ديالي فين هو” أو “هاك أماما”. كانت الأغاني يومها ملكا للجميع، يهودا ومسلمين دون تمييز. إذ غنوها جميعهم، ورقصوا في أفراحهم على إيقاعاتها. ولا أظنني أكشف سرا إذا قلت إنني أكتب هذا وفي الوقت نفسه أستمتع وأتمايل طربا على أغنيتها “هاك أماما”، بلكنتها المغربية اليهودية الجميلة، التي لم تخضع لمؤثرات صوتية، ولم ينقص قِدم التسجيل من روعتها.
يستوقفك كل شيء بفاس الجديد، الذي تُعرض فيه الأشياء التقليدية إلى جوار الأشياء العصرية، والأشياء المحلية إلى جانب الأشياء المستوردة. وفي طريقك إلى جنان سبيل لا تحتاج بالتأكيد إلى “طوموبيل”. تذهب إلى هناك بحثا عن “الوردة البيضاء”، حتى وأنت لا تعرف من تكون بالضبط، هل هي حبيبة حمادي التونسي، أم حبيبة عبد الوهاب الدكالي، أم أنها حبيبتهما معا. تبحث عن العاشقين بين الأشجار. فلا يمكن لهؤلاء أن يختفوا عن العالم هنا إلا وراء الأشجار، أو بين أغصانها، مثل طيور تخشى الصيادين. سرعان ما تكتشف أن هناك عشاقا كُثر مرّوا من هنا. ولعل التونسي والدكالي وحبيبتهما كانوا من هؤلاء. آثارهم شاهدة عليهم. قصصهم منقوشة على الأغصان بأحرف من دم وأمل. تبدو كتمائم سحرية كُتبت لتحمي عشقهم من الضياع.
كثيرون هم الذين يلتقطون صورا للفضاء الأخضر الجميل، وإن كان سحره، في غالب الظن، ينفلت من كاميراتهم، وهم لا يدرون شيئا عن الأمر. تنبهت الخلايا المرآتية في دماغ ليلى فكادت أن تحدو حدوهم، لكنها أحجمت عن ذلك من تلقاء ذاتها، دون تدخل أو إيحاء مني (أقسم على ذلك!). وعيا منهم بأن الجمال يهاب الضوء الساطع المسلط عليه، حمل مجموعة من الزوار ريشاتهم وألوانهم وأوراقهم البيضاء بدلا من هواتفهم وكاميراتهم، وعكفوا على رسم الأشجار، والممرات الخضراء، والقناطر الصغيرة، والناعورة التي لا تمل من دورانها، والناس. إنهم، بلا ريب، يدرون أن الجمال لا يليق التعبير عنه إلا بالجمال.
يبدو أن ساحة بوجلود المجاورة تستعد للبعث من جديد مثل طائر العنقاء. وهي تخضع اليوم للترميم. إنها بحاجة إلى أن تزدهر مثلما كانت في وقت مضى. لقد كانت قِبلة للفاسيين يستمتعون فيها، ويرفهون عن أنفسهم، قبل أن تصير خاوية على عروشها، وفضاء شاسعا فارغا مثل جسد بدون روح.
وللتعويض عن ذلك صار سكان المدينة وزوارها يقصدون أفضية خضراء تولّدت في المدينة مثل “حديقة ميدان الفروسية” و”حديقة الطيور” (تروبيكانا بارك).
في فاس البالي، الذي يظهر من علٍ كمتاهة، يفاجئك بائع “حلوى النوغا” بحلاوة روحه. ولأنك فضولي تسأله أين يتم إعداد هذه الحلوى، وكيف يتم ذلك. يمازحك بأنها مستوردة من الصين. وأمام الاستغراب الذي يعلو محياك، يضحك ملء فيه، ويشرع بكرم أصيل، وفي مرح وسرور، في وصف الطريقة التقليدية لصنع تلك الحلوى اللذيذة أولا بأول، ولا يترك أي تفصيل إلا ذكره. وفي “سوق السبّاط” يفتخر البائع بأن الشربيل صناعة لا يستطيع إتقانها إلا الصانع التقليدي الفاسي، ويضيف مؤكدا على أن الصينيين حاولوا تقليد الشربيل والبلغة الفاسيين، لكنهم فشلوا في ذلك. كم هو جميل افتخار الناس بمدينتهم من خلال ما تنتجه أيادي حرفييها وعموم سكانها.
طبيعي جدا أن يفخر سكان فاس بمدينتهم. يكفي أن بالمدينة ظهرت أول جامعة التي هي القرويين. والجميل في الأمر أن ذلك كان على يد امرأة هي فاطمة الفهرية. والأجمل منه أنه في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي التحق بالجامعة المذكورة أول فوج للبنات. ومن ذلك الفوج تخرجت خمس نساء، وكان ذلك في أواسط الخمسينيات، أي قبل الاستقلال، وقبل تأسيس المؤسسات الجامعية “الحديثة” الذي بدأ بُعيد الاستقلال.
تترك فاس وتعود إلى مدينة تفرّط منذ وقت ليس بقصير في كنزها الثمين، في زهورها، ولا أحد يعرف هل هي تدري ذلك أم أنها لا تدري. وتصر فاس على أن تبقى محفوظة في ذاكرة الجسد والوجدان. تأسرك فاس لأن كل شيء فيها بـ”القاعدة” حتى جلساتها. لم يستطع الشيخ مويجو أن ينسى “الجلسة في فاس” فكيف لك أن تنساها أنت؟ كانت جلسة في ليلة مقمرة، والنجوم موزعة بفوضوية جميلة على امتداد السماء، والجو ما هو بالبارد ولا هو بالحار، والضوء خافت، والماء يتدفق برفق داخل المسبح المحاذي، والصمت يرين على المكان بأكمله، وينفث أنفاسه الرقيقة في كل شيء فيخضع له كل شيء طوعا. باختصار، كانت جلسة، مثل جلسة الشيخ مويجو، لا شيء يجعلها قابلة للنسيان.
لقد اختصرها بابلو نيرودا في كلمات :
يموت ببطء
من لايسافر..
من لا يقرأ..
من لا يسمع الموسيقى..
من لا يجيد الاهتداء بعينيه.