أهدي هذا النص إلى كل رفاقي ورفيقاتي الذين واللواتي كانوا معي في السجن المدني بوجدة مابين 1984 و1987،وهناك من أمضى مددا طويلة ،وهناك من رحل
عندما سمعت بخبر رحيل الشاعر احمد فؤاد نجم الثائر حتى الموت،داهمتني رغبة جارفة لأكتب عن هذا الحدث المؤلم،لكني سرعان ما أحجمت عندما ترسخت في ذهني قناعة مفادها أن المآت من الأقلام من مختلف الأجيال والمرجعيات والمشارب الفكرية والحساسيات الفنية ستنبري للكتابة عن تجربة فريدة من نوعها نحتها نجم رفقة الشيخ إمام الاستثنائي وعن مساره الفني والإنساني والاجتماعي ،وظلت غصة أن لأكتب أي شيء عن شاعر انتصر للفقراء والأحرار والثوار ،معربدة بدواخلي ،وكأنني مرتكب كبيرة في حال عدم الوفاء له.
وبعد تأمل واسترجاع لشريط من الذكريات ،خطر على بالي ،أن اقتحم من جديد السجن المدني بوجدة ،حيث أمضيت بمعية عشرات الطلاب والأساتذة والذين لا انتماء لهم من أبناء الشعب ،ثلاث سنوات في ضيافة من نوع خاص كان الحكم خلالها سخيا في تعذيبنا وإلحاق الأذى بنا ،وكان في منتهى الحرص على أن نبقى أحياء وقت الإضرابات عن الطعام ،حتى يذيقنا كل أصناف القهر والتطويع والارضاخ والترويض .
كانت أشعار نجم وهي أساس ومدماك أغاني الشيخ هي مؤنسنا ورفيقنا في الليالي الباردة والأماكن الموحشة . لم يكن في ملكيتنا مذياع أو جرائد ،فقط بعض الكتب المسموح بتداولها في السجن ،وعندما كان الباب يغلق بتلك الطريقة الموغلة في العنف والرعب والتخويف ،كنا ناوي إلى ذ واتنا لنستخرج من أعماقها وسائل مقاومتنا ،وكنا نلجأ إلى ذاكراتنا لنحصن أنفسنا بجدار من الأمل،وكانت مناسبات إحياء رحيل العديد من شهداء الحركة التقدمية ،اللحظة الملائمة لترديد أغاني وأشعار الثنائي أمام ونجم إلى جانب مرسيل خليفة وفرقة الميادين وأحمد قعبور وخالد الهبر وسعيد المغربي ومجموعة الشعلة وأغاني أخرى لكثير من الأصوات الملتزمة ..
أتذكر جيدا أيوب إسماعيل قائد مجموعتنا في الغرفة رقم 6 الذي كان يتولى العزف وضبط الإيقاع بفمه ،حيث وظفه بشكل جيد لتقديم أداء مطرب وجذاب ،كان هناك بن الطاهر نورالدين ومحمد ناصر والفيلالي إسماعيل وعيسى عبد الصمد والبقوحي نبيل وإسلامي عبد الحفيظ ووئام عبد الرزاق ومحمد اليزيدي وكنت أنا واحدا من أفراد المجموعة – اعتذر لمن لم استطع استحضار اسمه- ، كنا تقريبا كل مساء ننخرط في جو الغناء رغم استفزازات الكابران وحارس الغرفة وهما غالبا ما يكونان من معتقلي الحق العام -على الأقل في تجربتنا- وذلك حتى يتمكن هذا الثنائي ومعتقلون آخرون اعتقلوا بتهم السرقة والضرب والجرح والقتل والاغتصاب الخ ،من معاكسة ومعارضة اختياراتنا وبرامج سهراتنا، تحت طائلة احترام ساعات النوم .ومع ذلك كنا نتفاوض مع الكابران وننسج معه خيوط الهدنة ،وإن كان الحارس الليلي الذي كان يسهر على نومنا ويحرس أحلامنا حتى لاتفر عبر النوافذ الفولاذية يحذرنا من حين لآخر من مغبة التمادي في الغناء خاصة وأن الأغاني التي كنا نرددها كانت مثيرة لحنق الحراس ، باستثناء حارسين أو ثلاثة ،وكيف لا واصوتنا كانت أصداؤها تهز وتزلزل ممرات السجن وتتناثر شظايا في كل الأرجاء .أتذكر قوة صوتي وأنا في عقدي الثاني ،كيف كنت انصهر مع باقي أصوات المجموعة .كان فيها العذب السلس وكان فيها المتدحرج والمكابر .كان فما أيوب إسماعيل وبنطاهر و بعض أواني الأكل هي كل آلاتنا الموسيقية.
ومن ريبرتوار الشيخ ونجم كنا نختار بشكل شبه دائم تلك الأغاني التي تتمحور حول الثورة والسجن وحركات التحرر والقضية الفلسطينية والقمع وسلب الحرية وتطويق الشعوب باختيارات تذلها وتحتقرها .
غنينا “دور ياكلام على كيفك دور -خلي بلدنا تعوم في النور
وناح النواح والنواحة على بقرة حاحا النطاحة وإذا الشمس غرقت في بحر الغمام -وسقطت سايغون وشيد قصورك عا المزارع من كدنا وعمل أيدينا ، وصباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر وغيفارا مات آخر خبر في الراديو هات وفاليري جيسكار دستان الساخرة إلخ …وكنا نجد متعة في كل هذه الأغاني والتي تحولت إلى ذخيرة حية لقحنا بها أنفسنا حتى لايقهرنا فساد المكان وعبثية الزمان .
لم يكن ارتباطنا بتجربة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم مجرد تعبير عن رغبة في الإنصات لأنغام الأغاني التي أتحفوا بها أجيالا بكاملها ،وإنما كان هذا الارتباط شكلا من أشكال المقاومة وتأكيد لذاتنا كمعتقلي رأي لم يرتكبوا جريمة ولا سلكوا منهج عنف ،رغم كل المحاولات التي بذلتها إدارة السجن المدني بوجدة لتجريدنا من هذه الصفة والتعاطي معنا على أساس أننا من أصحاب الحق العام .
لقد رافقنا أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام على امتداد سنوات ،وسكنوا معنا في الزنازن التي مازالت تحجز جزءا من عمرنا ولهما رصيد غني في ذلك ،ولم يبخلا علينا في الرفع من معنوياتنا وإبقائنا على طبيعتنا البشرية والحفاظ على حواسنا وخصائصنا الآدمية .
أتذكر أن رفاقا لنا في تلك التجربة وتحديدا من كان معي في الغرفة 6 ،كانوا أميل إلى بناء الأداة الفكرية والإيديولوجية من اجل التناظر والحجاج كما كان الشأن مع أحمد جزولي الذي كان بمثابة المرجع الأعلى للطلبة القاعديين في السجن وخارج السجن ،كان يشاركنا سمرنا لكن النقاش الايدولوجي كان يستهويه على غرار الحسني والرحاوي وبن الطاهر البشير ومحمد الطبلة وشقيقي مصطفى وواهنين لحسن وغيرهم ،وكان هؤلاء يقيمون في غرفة أخرى .عكس اوبنعقا عبد الله الذي كان حكيم رفاق الشهداء وذاكرتهم وفي الوقت نفسه كان يحب الغناء .
من المؤكد أن شذرات كثيرة من تلك الليالي التي كنا نتدفأ فيها بشعر أحمد فؤاد نجم وصوت الشيخ إمام ، ظلت منفلتة واستعصى علي الإمساك بها ،فالتجارب المؤلمة في مكان قاتل وفي سياق زمني مدمر تكون كثيفة ومتشعبة ومزمنة ومتوترة .
تنويه: للإشارة كان هناك العشرات من رفاقنا وخاصة في الغرفتين 5و7 بدورهم يفعلون نفس الشيء .
أحمد فؤاد نجم و الشيخ إمام، كانا مثل ما قال الحلاج، روحان حلتا جسدا
تكاملا، الأول بزجله، والثاني بصوته وايقاعاته
فليرقدا في سلام أبدي
كل من مر من بعد او قرب من الحركة التلامذية او الطلابية ءالا وربطته علاقة خاصة بالمرحومين الشيخ ءامام ونجم.
لقد سمحت الفرصة حينماءالتحقت بباريس بداية 90 ءان حضرت لاءمسية ءحيإياها الشيخ ءامام بمعهد العالم العربي فطيلة الا مسية لم ءاصدق ءان أردد الأغاني التي حفضتها مع صاحبها كان حلما من ءاحلام المناضل الاوطمي…
تحية ءالى كل الرفاق الأحياء الذي قاسمناهم نلك الفترة الشبابية ورحمة الله على الذين فارقوا هذه الحياة …
توضيح: من فضلكم إستادي بنشريف هل كُنْتُمْ رفقت رفيقي عزوز الشريبي المنحدر من تازة ولكم جزيل الشكر.
يا سيد عبد الصمد ها أنت ترى أن المادة الخام موجودة بما تحمله من معانات الصبا, و آلام السجن ,و صداقات الرفاق ونكتهم ,و حب للحرية والتغني بها,و التطلع للعيش الكريم, و مهادنة كبرانات الزنازن ووو. لكن أين الإنتاج ؟ ما فائدة التعلم و الثقافة إن كانت لا تساعد في لوحة فنية – و هذ مقالتك من بينها- تخرج كتابا يتناوب الكلبة على قراءته ؟ صحيح أن العمل يأخذ كثيرا من أوقاتنا, لكن ما له مادة خام و لا يفيد بها مجتمعه لا يمكن أن نسميه إلا – و أعدرني- شحيحا أو بخيلا.
لو كان غربي وقع له نصف ما نسجته في مقالك لأنتج عشرة كتب. يستفيد و يفيد.
و هذا كلا م موجه لرفاقك كذلك.
خلاصة القول شكرا على مقالك هذا. و الشدائد تقوي الرجال.
سيدي عبد الصمد رجعت بي إلى أيام خلت ، حين كنت طفلة نضجت قبل الأوان وحين كان قريبي صديق الطفولة يسمعني أشعار نجم ، وأغاني الشيخ الكفيف رحمهما الله .وحين شاركت السكن مع إحدى الفتيات – هي صديقتي الآن – وكانت تقول لي عندما تجدني أستمع بشغف إلى صوت الشيخ ما الذي يروقك في هذا وكنت في كل مرة أحكي لها عن الشاعر نجم وعن الشيخ إمام وكيف أصبح إبداع أحدهما يذوب في إبداع الآخر.وكنت أقرأ لها أشعارا كثيرة من أشعار نجم .
صحيح أنني فقدت هذا الاهتمام مع مرور الأيام ،ولكني ظللت أستمع إليهما بحنين كبير كلما سمحت الظروف. وعندما سمعت بخبر رحيل فؤاد نجم قلت في نفسي : لا يموت من ترك بصمته .
مقال رائع لا يعبر عن ذات صاحبه فحسب بل عن تجربة مريرة لجيل كامل من ابناء هذا الوطن الذي افنينا في حبه سنوات من العمر و الجهد, فتحية لك الاستاذ بنشريف و تحية لكل الرفاق الذين ذكرتهم في مقالك و رحم الله الشيخ امام و احمد فؤاذ نجم الخالدين لانهما سيبقيان في قلوبنا و ذاكراتنا على الدوام .تحية لكل شرفاء هذا الوطن و الخزي و العار لكل المنافقين الذين يساومون من اجل بلوغ غايات شخصية و مصالح غير مشروعة .
من الناس من ماتوا و لم تمت مكارمهم
و كم من الناس عاشوا و هم بين الناس أموات
كان المقال سيكون أجمل لو عنون ب"كانت أشعار نجم وأغاني الشيخ مؤنسنا في السنوات الباردة"يا ما قاسينا مع ذلك الوجه من النضام .ها نحن على قي الحياة بعد موت الخنازر(2)…………………ا+ح
لقد رافقنا أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام على امتداد سنوات، وسكنا معنا في الزنازن التي مازالت تحجز جزءا من عمرنا ولهما رصيد غني في ذلك، ولم يبخلا علينا في الرفع من معنوياتنا وإبقائنا على طبيعتنا البشرية والحفاظ على حواسنا وخصائصنا الآدمية. … أما من ناضل ولم يعتقل فلم يقصر المرحومان في الرفع من طاقة صموده ومواصلته درب التضحية والوقوف قولا وفعلا الى جانب معتقلي الرأي في مختلف سجون الحكم المغربي المتحكم. سردك لجزء من حياتك وأنت قابع بالسجن أيها الأخ العزيز وسام أثلجت به روحي نجم وامام في الوقت الدي كنت تحن فيه الى قهوة أمك وخبزها وتكبر فيك الطفولة… حبسك مع كل هؤلاء المناضلين النشامى فخر للأمهات واعتزاز لكل الناس الدين يناهضون الاستبداد ويعشقون الحرية وكل القيم الانسانية الأصيلة…
أي نعم أخي عبد الصهداقد كنا نحتمي بالكلمة الصادقة ونتدفأ باللحن الجميل في زمن الرصاص الناعم أسميه ناعما لان لحمة التضامن كانت تجمعنا ولكن انظر الان اين اصبح بعض فرسان الجملة الثورية.هم فين واحنا فين هم صاروا في أعلى عليين وبقي المناضلون في أسفل سافلين مع أحبة إمام ونجم المحرومين.