أورير يبرز العمق الإنساني في منظومة القوانين العرفية لدى "إيمازيغن"

أورير يبرز العمق الإنساني في منظومة القوانين العرفية لدى "إيمازيغن"
صورة: و.م.ع
الأحد 20 أبريل 2025 - 03:00

سلّطت ورقة بحثية منشورة في العدد الأخير من “المجلة الدولية للدراسات الأمازيغية”، التي تصدر عن “المركز الديمقراطي العربي”، الضوء على مظاهر العدالة والمساواة في القوانين العرفية الأمازيغية أو “إيزرفان”، مؤكدة أن هذه الأعراف تضمن استمرارية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، وتُرسّخ قيم التضامن والتسامح داخل المجتمع من خلال تفضيل الحلول التصالحية للنزاعات، كالدية أو النفي، إضافة إلى فرض غرامات مالية لتعزيز السلم المجتمعي كبديل عن العقوبات الجسدية.

وأوضحت الورقة البحثية ذاتها، التي كتبها أحمد أورير من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن “الأعراف الأمازيغية ظهرت منذ القديم كضرورة تنظيمية للمصالح وتدبير العلاقات بين الأفراد والجماعات”، مشيرة إلى أنه “بالرغم من تراجع هذه الأعراف لصالح القوانين الحديثة، إلا أنها ما زالت تُلهم الكثير من السياسات الاجتماعية والقانونية بالمملكة المغربية”.

وكمثال على هذه القوانين العرفية التي تُؤطّر حياة “إيمازيغن”، ذكرت الوثيقة “حق المرأة في طلب الطلاق” الذي أقره “أزرف”، وتم تضمينه لاحقا في مدونة الأحوال الشخصية لسنة 2004، إضافة إلى مسألة تقاسم الأموال المشتركة بعد الطلاق، التي أوصت بها لجنة مراجعة مدونة الأسرة، والتي كانت معروفة منذ القدم في معظم قبائل سوس وبلاد جزولة.

وشدد المصدر ذاته على أن “الأمازيغ كانوا من أوائل من ألغوا عقوبة الإعدام واستبدلوها بغرامات مالية أو النفي كأقصى عقوبة”، وهو ما يتماشى مع التوجه الأخير للمغرب، الذي صوّت على قرار الإيقاف العالمي لتنفيذ هذه العقوبة أمام اللجنة الثالثة للأمم المتحدة، على الرغم من إيقاف تطبيقها في البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وسجّل أن الأعراف لعبت دورا مهمّا في تنظيم المجتمع المغربي وإدارة شؤونه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قبل دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، مشيرا إلى دمج هذه الأعراف مع الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بعد استقلال المملكة عن المستعمر الفرنسي في عام 1956.

وذكرت الوثيقة عينها أن “كتاب القوانين العرفية الأمازيغية” للمحامي والفاعل الأمازيغي أحمد أرحموش أشار إلى “ظهير شريف في شأن ما يتعلق بأمور القبائل ‘البربرية’ بالإيالة الشريفة، يأمر فيه السلطان باحترام ومراعاة النظام العرفي الجاري به العمل في القبائل الأمازيغية”، مبرزة أن “موقف السلطان مولاي الحسن الأول تجاه قبائل آيت باعمران شكّل نموذجا لموقف المخزن من الأعراف، إذ ينص ظهير تعيين القاضي أحمد بن إبراهيم السملالي على ترك الاختيار لقبائل المنطقة في الاحتكام إلى القضاء الشرعي أو القضاء العرفي”.

وبخصوص موقف العلماء من “إيزرفان”، أوضحت الورقة البحثية أن “هذا الموقف كان متباينا، لارتباطه بالسياق التاريخي والثقافي آنذاك؛ فمنهم من انتقد ورفض بعض الأعراف التي تتعارض مع القواعد الإسلامية، كعدم تطبيق الحدود… وهناك فئة أخرى لا ترى مانعا من الرجوع إليها، لا سيما تلك التي لا تتعارض مع الشرع الإسلامي، كالتعاون الجماعي ‘تيويزة’ أو تنظيم الموارد الطبيعية”.

وشدّدت على أن القوانين العرفية الأمازيغية تقوم على مبدأ الفصل بين السلط، وذلك من أجل الحفاظ على النظام والعدل داخل القبائل، رغم أن هذا الفصل لا يتطابق تماما مع المفهوم الحديث لمبدأ فصل السلط، مشيرة إلى وجود مؤسسة “جماعة” أو “أكراو”، التي من مهامها إصدار القوانين والأعراف، وهناك أيضا مؤسسة “أمغار” الذي يعمل على ضمان الالتزام بهذه القوانين وحل النزاعات وتنظيم الموارد المشتركة كالأراضي والمياه، إضافة إلى مؤسسة “إنفلاس” التي تُعد بمثابة سلطة قضائية.

وبَيّنت الورقة البحثية أن الأعراف الأمازيغية انتصرت لمبدأ الصلح وتعويض الضحايا وأهاليهم بدل الانتقام، من خلال عدم اعتماد العقوبات البدنية، ما يعكس البُعد الإنساني في ثقافة “إيمازيغن”، التي تروم تحقيق العدالة بطرق تحافظ على الحياة وترسّخ السلم الاجتماعي، مؤكدة أن “هذه الأعراف ليست مجرد قوانين، بل هي منظومة ثقافية تعكس روح الانسجام بين الإنسان والطبيعة، كما تعتبر مكونا أساسيّا من مكونات الهوية الأمازيغية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • حلاقاش مصطفى
    الأحد 20 أبريل 2025 - 08:25

    صحيح ااى عاية 1988 كان امغار اوشيخ القبيلة يفصل بين الناس في النزاعات ويفوزع بقع للسكان الذين هم في حاجة تليها وهذا الامر باقليم الحوز

  • متتبع
    الأحد 20 أبريل 2025 - 10:20

    الناس ثلاثة اصناف
    صنف تواق للخير والعدل والانصاف وكرم الاخلاق وهو افضل البرية
    وصنف محتال ظالم اكال لاموال الناس بالباطل ونفس شريرة وهو شر البرية.
    و الثالث متوقف تابع لا متبوع وهي الاغلبية
    والانسان مفتقر ذاتا الى الغير
    ولاستمرار الحياة لابد من تسخير بعضنا البعض.وقصد التعايش لزم العدل ورفع الظلم وإعطاء كل ذي حق حقه ولهذا ما خلا تجمع سكني منذ بروز الخليقة على وجه الأرض.اكان بقمم الجبال او على السهل المنبسط او على سفينة وسط البحار ايا كان عرقه نسبه وحسبه
    وفصيلته الجينية.
    “لا فضل لعربي على عجمي ولا ابيض على اسود الا بالتقوى”.
    وما تبقى الا وهم وسراب وضيق افق رؤيا.

  • الحسين أحدو
    الأحد 20 أبريل 2025 - 13:02

    من المعروف أن الشعب الأمازيغي كان يتمتع بحضارة غنية، ولغة خاصة، ومنظومة قانونية متطورة، إلى جانب تاريخ طويل، وعادات وتقاليد راسخة، وذلك قبل الغزو العربي لبلاد الأمازيغ سنة 647م بقيادة المجرم عقبة بن نافع. وقد تصدّى الأمازيغ لهذا الزحف بشراسة، مدافعين عن هويتهم وثقافتهم، ورافضين محاولات فرض الدين الإسلامي بالقوة.
    تمكّن الأمازيغ في مراحل عديدة من صدّ الغزو العربي، خاصة في بداياته، حيث لعبت المقاومة بقيادة شخصيات بارزة مثل الملكة ديهيا (الكاهنة) دورًا محوريًا في الدفاع عن الأرض والشعب، ونجحوا في وقف التوسع العربي لسنوات.
    لكن العرب عادوا لاحقًا بمحاولة غزو أكثر تنظيمًا، فواجههم الأمازيغ مجددًا بالمقاومة، غيّر العرب لم يعتمدوا على السيوف لفرض فرض الإسلام بالقوة، بل استعملوا تكتيك أجازوا فيه للأمازيغ الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم، حتى وإن كانت تتعارض مع تعاليم إسلامهم. وما زال بعض الفقهاء إلى اليوم ينتقدون تلك العادات ويعتبرونها غير متوافقة مع الشريعة.
    بالإضافة إلى ذلك، اعتمد العرب على وسائل أخرى كالمصاهرة، والترغيب، ومنح المناصب، مما سهّل لهم التوغل في المنطقة بشكل تدريجي.

  • صمام الأمان!!!
    الأحد 20 أبريل 2025 - 13:58

    بصفتي مواطن مغربي أمازيغي متشبع بثقافة اجدادي الأمازيغ وبتقاليدهم الأصيلة اعطي شهادة حق مفادها أن مجتمعنا الأمازيغي مجتمع متماسك وصلب بفضل الأعراف والقواعد (ازرفان) التي ورثناها من اجدادنا… فقرانا ودواويرنا ما زالت تعمل بهذه القواعد وتنظم بها حياتها في جو يسوده السلام والطمأنينة والتضامن. واعطي مثالا حيا لذلك نظام تدبير وتوزيع مياه السقي. هذا النظام ما زلنا نشتغل به الى اليوم .

  • yoyou
    الإثنين 21 أبريل 2025 - 11:50

    كم هو جميل هذا العرف الأمازيغي والفلسفة المتبعة في تنظيم الحياة عند الأمازيغ”إيمازيغن”.

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 2

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30 1

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 16

المنصوري تصل إلى موسكو