لا عزاء لك أيها الشعب الذي يسير في الوحل

لا عزاء لك أيها الشعب الذي يسير في الوحل
الإثنين 3 فبراير 2014 - 23:50

ما الذي يمكنه أن يجعل من “الوحل” تيمة من تيمات الإجماع الوطني، ومفهوما من مفاهيم الزهد في البرستيج ورمزا لتواضع الحكام؟ تحتاج فقط إلى إعلام يصنع من اللا حدث حدثا يستحق الانبهار بشكل هيستيري، تحتاج إلى جوقة من المطبلين المستعدين دائما إلى إقناع أنفسهم بأن صورة عابرة قد لا ينتبه لها أحد في وطن حقيقي ما، تستحق أن تكتب عنها قصائد شعر وأن تتصدر المشهد على حساب صورة امرأة مسنة تكافح من أجل استرداد منزلها.

تحتاج دروس تقوية مكثفة لتستوعب كيف تحول مشهد عادي وطبيعي من صور تلفزيونية لزيارة يقوم بها رئيس دولة لمدينة ما داخل بلاده إلى شيء يستحق الثناء والإشادة بشكل يستثير كل مشاعر الانتماء الوطني المفرط، عليك أن تصفق وتفتح فمك إعجابا وأنت تشاهد رئيس دولتك يمشي في الوحل، عليك أن تنحني أمام جلل الصورة الأعجوبة، نعم عليك أن تفعل لأن ما حصل ثورة حقيقية في بلد يعيش وهم استثنائه وحده، لأن الرؤساء والزعماء لا يمكن أن يفعلوها أبدا، عليك أن تقف احتراما لهذا التواضع الذي ليس له مثيل في أي مكان في العالم، وإياك أن تحاول التقليل من عظمة الصورة، فأنت حينئذ تغالط نفسك وأنت تطرح كل تلك الأسئلة الغبية عن كون الوحل واقعا لا يمكن تفادي السير عليه ولو حتى كان السائر رئيس دولة، لا تحاول أبدا فالصورة أوضح من الوضوح نفسه. ألا ترى كيف يتخطى رئيس الدولة كل الوحل الذي في الأرض ليصافح مواطنيه؟، فكيف لا يمكن أن يشكل ذلك حدثا يستحق الإشادة به؟.

كأن الوحل صنع ليمشي عليه الفقراء ومن هم دون علية القوم فقط، وإن سار عليه هؤلاء الأخيرون فإن ذلك أمر لافت يستحق أن تدبج حوله المؤلفات والأساطير، الوحل غريب عن من هم فوق، الوحل صديق فقط لمن هم أسفل، أن يسيروا هم في الوحل اليوم وغدا هو أمر عادي وطبيعي بل منطقي، الأمر المدهش الذي يستحق الإعجاب هو أن يتواضع وينزل من لم يتعودوا السير في الأرض الملوثة إلى مستوى السير على الوحل، هذا هو الدرس الذي يستحق أن يدرس. لربما تستحق هذه الصورة أن تكون صورة غلاف للكتاب المدرسي لمادة يكون عنوانها “التربية على المواطنة” أو لكتاب يكتبه جهابذة التحليل السياسي في البلاد عن الحكم الرشيد وعن السلطة المواطنة التي تتواضع لتهبط إلى أدنى المستويات قادمة من برجها العاجي، السير في الوحل يستحق وساما يعلق على صدور الذين داسوا على كبرياء مواقعهم الرفيعة وقبلوا تشارك الوحل معنا، أما بالنسبة لنا فإن السير عليه هو واجبنا اليومي والوطني فقط لا غير، حتى شرف الإشادة والتقدير لسنا متساويين أمامه للأسف.

لا بأس، أنت أيها الشعب الذي تمشي في الوحل كل ساعة لا تستحق أي تكريم، لست مبهرا وأنت تبحث عن مكان غير ملوث في الجبال والكهوف والقفار والحقول والمناجم، لا تستحق صور تحديك للوحل والعواصف والأمطار أي تعليق، فهذا جزء من هويتك. لا تستحق أي إشادة أيها المواطن الذي يمشي يوميا على الطرقات المنهوبة والفاسدة، لا تستحق أن نحيي تواضعك وأن نقول في حقك كل عبارات الإطراء المخزنة في قواميس اللغة.

لا أحد يصفق لك أيها المسكين الذي تقطع الأميال مشيا على الأقدام، لا أحد ينبهر بشجاعتك أيتها العجوز المطرودة من منزلها ظلما، لا أحد يذهل لصمود تلك اليدين الصغيرتين المتجمدتين بردا في قمم الأطلس المنسية، لا أحد يحتفي بالمشردين النائمين على قارعة أرصفة الموت، ليس حدثا على الإطلاق موت تلك التي رفض المستشفى استقبالها على فراش الرحيل ، وأنت أيها العامل المطرود من عملك لا أحد يغني عنك، ليس هناك من يقول عنك كلمة واحدة ولو حتى للاستهلاك والمزايدة، أما أنت يا صديقي العاطل المتخرج من جامعات العار فلم يكتبوا عنك أبدا بصيغة الإعجاب. لا أحد يقول عنك أيها الشعب: ما أروعك، ما أعظمك، وما أجمل صبرك وسعة صدرك حينما تقاوم ارتفاع الأسعار وقلة ذات اليد وكل الكوارث الطبيعية والبشرية التي تنهال على رأسك كل دقيقة، أنت الذي تعيش موتك في حياتك لا تستحق تبذير كل هذا الجهد المبذول في وصف روعة مشهد، فاللغة الفاتنة تبلع لسانها بمجرد أن تقترب منك.

أنت أيها المواطن العادي لا يمكن أن تكون محل إطراء في أية حالة من الحالات، أنت مجرد حكاية لا تخرج عن نطاق القضاء والقدر، لا يمكنك أن تصنع الحدث أبدا، وحينما تكون أنت الحدث لا بد لهم أن يصدروا بيان تكذيب يحرمك حتى حق المأساة، لا شيء يمكنه أن يجعل منك موضوعا للإجماع الوطني، وحينما يصبحون مضطرين فتصير موضوعا يفرض نفسه في التلفزيون لا بد أن تنتظر نهاية النشرة، فلا يمكن أن تسبق صورتك صورة يجب الاحتفاء بها، لا عزاء لك أيها الشعب الذي تسير في الوحل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • am7DAR
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 00:33

    كتبت ووفيت٠ شكرا لك على هذا المقال ولكن بالفعل هذا الكلام من الصعب ان يفهمه بعض اخواننا في المواطنة …

  • الرسام
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 01:49

    تحياتي لك ولامثالك من الشرفاء الشعب لا يسير في الوحل بل يعيش في الوحل

  • جلال
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 11:15

    نحن القرويون المغاربة،نحب”الغيس”ونتعايش معه بل أصبحنا نعتبره بشير خير ويمن،لقد تكونت لدينا ثقافة خاصة للتعامل مع ”الغيس” كيف نمشي فوقه ورؤسنا مرفوعة،كيف نتبختر في مشيتنا،ونحن نطحنه بأرجلنا دون رحمة،كيف نبني به بيوتنا ،و”عشاتنا” كيف يشيد أطفالنا بيوتهم الصغيرة،ويسكنونها أحلامهم،ما أجمل أيدي أطفالنا وهي منغمسة فيه،وعندما يقسوا عجينه. يرطبونه ببولهم ،إننانعيش في ”الغيس”وبه،أبعدالله عنا زفتكم،،وأدام لنا ل”غيسنا” الذي نعتبره ”شكلاطا” اجمل والين وأحلى من شكلاط الكروج…

  • marrueccos
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 13:01

    الوحل منه خلقناكم وإليه نعيدكم ! لكل وحل إنسانه ! حتى ٱدم من الوحي هو كاطالوغ فقط ليقول الخالق هذا نموذج الخلق !!!! وحل المغرب أفرز إنسانه وكذلك وحل الألسكا أفرز إنسانه ! نفس الشيء ؛ للهنود وحلهم والصينيون والأفارقة والأوربيون … من هنا الإختلاف ! فلا مبرر لتحديد عمر ٱدم فالديانات ليست قديمة والإنسان سابق عليها كما على خلق ٱدم ! العبرة في الوحل وعناصر التفاعل التي أعطت الإنسان والمخلوقات عامة !!!!!!
    يوم يعي سياسيونا أننا من الوحل وإليه عائدون سيدخلون الأخلاق في معاملاتهم وبرامجهم لكن معظمهم يأبى ويتكبر كالشيطان ( خلقتني من نار وخلقت ٱدم من طين ) !!!!!!

  • elyoussi
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 16:29

    فعلاً ،الشعب يسير كل يوم في الوحل، لكنه وحل طبيعي ، من مطر وتراب، سير من أجل لقمة العيش الحلال ! ولا ينزل عنده من يعتبرون أنفسهم من علّية القوم، من زعماء سياسيين ونقابيين، سوى لاسجداء الأصوات الإنتخابية، فتشاهدهم يشاركون الشعب أكلة "البيصارة" و "الببوش" و كؤوس اللبن (مع أنهم لا يشربون اللبن ابداً إلا إذا كانت البقرة قد تغذت عِنَباً !) .
    الوحل الذي يسير فيه هؤلاء ، وحل لن تغسله حتى صوابين تازة !!!

  • ahmed
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 20:01

    Cesse 'd'insulter les marocains. Pour ta gouverne, les marocains sont une grande nation de part son histoire qui souligne sa fierté. Cependant s' il existe quelqu'un qui marche et patauge dans la boue c'est bien toi et tes semblables qui voient le mal partout juste parce qu'ils sont des ratés. Les marocains sont au dessus de ce que tu penses

  • مغربي مُغرّب
    الأربعاء 5 فبراير 2014 - 01:03

    اخي اشكرك على ماكتبته احترم رايك لكن اسمح لي ان اناقشه قصدك مفهوم فالسما ,واحد الانسان قال لن تفهم الدنيا الا عندما تكون على فراش الموت .اخي العزيز من جد وجد ومن زرع حصد .دعنا نبتعد قليلا عن الموضوع. اخي ماهي المعايير المعتمدة لكي نقارن نفسنا نحن الطبقة الفقيرة بالغنية ؟كيف نقارن دولتنا بالغرب والدول غير الاسلامية ومااوصلو اليه من انجازات عظمى هدا ما نراه بالتلفاز ونسمعه من الاخر لكن على ارض الواقع الفحش والزنى بكل انواعها ونمط الحياة الروبوتي (الالي) وعدم الاعتراف بوجود اله (استغفر الله) زيادة على ان اولائك القوم يقولون انهم سيعيشون حياة واحدة ادن لابد من الحرية التامة والاستمتاع بملدات الدنيا وكل شيئ يجب ان يكون نقيا لان هده جنتهم يستمتعون بها قليلا .اخي نحن مسلمون لايجب ان ننسى دلك ,انما الحياة الدنيا لعب ولهو لكن اعمل في دنياك ما تجده في اخرتك .يا اخي لاعيب ان عشنا في الوحل وتمشينا فوقه فلنفعل خيرا ونصلي وندعو ان يكرمنا الله بالجنة فالحياة فانية.انا اراهنك ان تعطي فقيرا الملايير وانظر كيف سيتغير حاله وينسى ربه .في الفقر حكمة لايفهمها سوى من يعرفون نفسهم …..
    اشكرك

  • مسعود السيد
    الأربعاء 5 فبراير 2014 - 10:00

    كلام من أجل الكلام. الرجل يشتغل تحت حرارة الشمس ألافحة وتحت الأمطار المنهمرة .فوق الزرابي وفي الوحل .الرجل ليس في حاجة إلى ما تلمز إليه ليكون محبوبا ومفضلا بين الناس.الرجل لا نعتبره ملاكا أو منزها عن الأخطاء والعيوب .لكن يبقى المفضل لدى أغلبية المغاربة لأمور عديد متعددة .وأخيرا كما تكونوا يولى عليكم .

صوت وصورة
شوكي: تعيين المنصوري لحظة تاريخية
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 12:31

شوكي: تعيين المنصوري لحظة تاريخية

صوت وصورة
العسري يعلّق على تعيين المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 05:35

العسري يعلّق على تعيين المنصوري

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟