سماسرة القيم في بورصة النفاق

سماسرة القيم في بورصة النفاق
الأربعاء 27 غشت 2025 - 00:01

في عالم السياسة والاقتصاد حيث فن الممكن بكل تقديراته، كما في أسواق الخضر والفواكه حيث فن التسويق بكل تلاوينه، يعلو الصخب حين يكثر الكلام ويقل الهدوء. لكن العجب كل العجب حين نرى أُناسا وكأن على رؤوسهم الطير متفقين على بيع كل شيء، من المبادئ إلى الأوهام، ومن الأحلام إلى الأوطان، ثم تراهم مختلفين فقط على الأسعار! إنها فلسفة عبثية تُعلّمنا أن البيع ليس جريمة في ذاته، لكن الجريمة أن يختلف السماسرة على كم يساوي الضمير في بورصة النفاق. هنا ندخل عالما ساخرا، حيث المساومة ليست على قطعة أثاث، بل على مستقبل أمة بأكملها .. تُرى كم يساوي الوطن عند هؤلاء العملاء .. ؟! ففي بورصة النفاق ترتفع أسهمه لتنزل قيمة الوطن.

في المزاد العلني للأوطان

حين يُقام المزاد العلني للأوطان، لا تسمع إلا صوت الدلال يصرخ: “من يزايد؟ من يزيد؟” وتجد القوم يرفعون أصابعهم لا لشراء، بل لبيع .. بيع الضمير بأبخس الأثمان ..!

إنهم يبيعون أرض الوطن كأنها أرضية سيراميك، ويعرضون التاريخ كأنه قطعة أثرية في متجر عتيق بزجاج شفاف أمام العلن. كلهم متفقون: “لنترك المبدأ جانبا، ولنركز على الربح.” وهنا المفارقة: فلو كان الوطن غاليا، لما دخل أصلا إلى قاعة المزاد.

إنها مهزلة كبرى حين تتفق الجماعة المرابية على أن كل شيء قابل للبيع، لكن حين يصل النقاش إلى السعر، تتطاير الأقنعة، ويظهر كل واحد بحساباته الخاصة. أحدهم يريد الدولار، والآخر يفضل اليورو، وثالث يقنعه مجرد مقعد وهمي في منظمة دولية. يا لها من صفقة خاسرة تُشبه بيع الذهب مقابل علكة .. ! إنها تجارة القيم حيث يغيب الضمير وتحضر الخديعة .. خديعة الوطن .. !

في سوق القيم

من زاوية فلسفية ساخرة، يمكن القول إن البيع في حد ذاته ليس مشكلة؛ فالحياة كلها عمليات تبادل. لكن المشكلة الكبرى حين يكون المعروض للبيع هو القيم والمبادئ. فكيف يُسعَّر الشرف؟ وبأي عملة يُقوَّم التاريخ؟ وهل للكرامة بورصة عالمية تُحدد مؤشراتها صباح كل يوم؟

إن المضحك المبكي ينجلي في هؤلاء السماسرة الذين يتعاملون مع الأوطان كما يتعامل تاجر البازار مع سجادة قديمة وهو يساوم “إن أعطيتني الثمن المناسب، فهي لك، وإلا فأنا أحتفظ بها في المخزن حتى يأتي زبون آخر يحسن العطاء”.

فهكذا تتحول السياسة إلى كوميديا سوداء .. كذب وبهتان، بيع القيم وشراء الذمم، أبطالها تجارٌ تُبّع يحسنون فن الكذب على خشبة مسرح السوق، وجمهورها تابعون يدفعون الثمن من جيوبهم ودمائهم في النهاية. فالوطن حين يسعر في بورصة النخاسة تذهب معه القيم إلى الأبد.

في الختم، هكذا، يبقى السؤال معلقا: هل الاختلاف على الأسعار دليل على بقاء شيء من القيمة، أم أنه مجرد استمرار لمسرحية هزلية عنوانها “بيع كل شيء بلا مقابل”؟

الحقيقة أن الضحك هنا أرحم من البكاء، والسخرية أكثر إنصافا من الجد. فالتاريخ لا يرحم من جعل من نفسه بائعاً في سوق القيم، وخائنا لأمانة الوطن، بل سيُسجل في خانة “البريمي” .. المستعمل والمنتهي الصلاحية.

إلى هؤلاء المرابين نقول: “بعتم كل شيء .. لكنكم ما اتفقتم يوما على كم يساوي الوطن.” .. فالوطن أكبر منكم ولا يقدر بثمن .. !

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • amaghrabi
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:01

    جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم,”حب الوطن من الايمان”وبالتالي لا ايمان ولا اخلاق ولا قيمة لمن لا يحب وطنه وكما قال الشاعر عنترة بن شداد”بلادي وان جارت علي عزيزة واهلي وان ضنوا عليا كرام”لان الوطن فيه الحلو والمر فيه الجيد والرديئ وو ومع ذلك لا تحمل المعول لهدم الاوطان بسبب احد يعاكس مصالحك الشخصية.مع الاسف في مغربنا تتسابق كثير من الدئاب البشرية نحو ضحايا بريئة وتستولي على مصالحها وتهتك اعراضها وتسرق اموالها وتسيئ الى شرفها وتغش في تجاراتها ومعاملاتها وتفسد في معاملاتها وترشي في معاملاتها وو وما شاء الله من الاخلاق السيئة المنتشرة في وطننا ولكن رفع المعول لهدم الوطن يبقى مرفوض دينيا ونفسيا واخلاقيا

  • MC
    الجمعة 29 غشت 2025 - 19:46

    “Patriotism is supporting your country all the time and your government when it deserves it.”
    “الوطنية هي دعم وطنك دائماً ودعم حكومتك عندما تستحق ذلك.”

    (Mark Twain)
    كاتب أمريكي ( 1835 ـ 1910)

    أستاذ سعيد،
    إن كلماتك تحفر بعمق في وجدان كل من يهوى العدالة والكرامة، وتسلّط الضوء على مأساة تبديل المبادئ الوطنية بأثمان بخسة ومصالح شخصية عابرة. فحين يتحول الوطن إلى سلعة يمكن المزايدة عليها وبيعه لأعلى سعر، نفقد البوصلة التي توجهنا نحو الخير العام، وتذوب قيم الوفاء والصدق في مستنقع الأنانية والطمع.

    في زمن كثرت فيه الأصوات التي تبيع القيم وتتنازل عن المبادئ، تزداد الحاجة إلى الإيمان بأن الوطن ليس سلعة يمكن التفاوض عليها. إنّ الغدر بالوطن يعني نكسة للأمة بأكملها، وسقوطاً في هاوية لا قرار لها. ولذلك يجب ألا نسمح أبداً أن تُقاس قيمة الوطن بمكاسبه الضيقة أو بمصالح فردية، بل يجب أن تبقى القيم والمبادئ العليا راسخة، حتى لو جاء الثمن غالياً.

    “حين تُختزل الأوطان إلى بضائع تُباع وتشترى، تنكسر الروح وتغيب العدالة، فلا يبقى سوى صدى خاوي من الذمم المباعة.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور