بوصوف: "جيل زد" بين التجمعات الاحتجاجية والبحث عن بدائل واقعية

بوصوف: "جيل زد" بين التجمعات الاحتجاجية والبحث عن بدائل واقعية
صورة: منير امحيمدات
الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 04:00

في الفترة الأخيرة، برز في المغرب جيل جديد يعبّر عن نفسه بطرق مغايرة لما ألفته الأجيال السابقة. إنه الجيل “زد”، الذي وُلد في عالم رقمي مفتوح، يتقن أدوات التواصل السريع ويملك وعيا نقديا متقدما، لكنه يعيش أيضا إحباطا متزايدا بسبب البطالة وغلاء المعيشة وضعف الأمل في المستقبل. خرج هذا الجيل في المغرب بشعار السلمية وبمطالب اقتصادية واجتماعية تعكس طموحاته، غير أن ما يميز هذه التحركات، رغم صدقها، هو طابعها العام الذي يكتفي بترديد الشعارات بدون تقديم بدائل أو برامج عملية قابلة للتحقيق.

ما يحدث في المغرب ليس معزولا عن تجارب أخرى عرفها العالم. ففي بلغاريا ورومانيا وأوكرانيا ونيبال ومولدافيا، خرج الشباب بدورهم للمطالبة بالعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وسقطت حكومات وتغيّرت أنظمة، لكن المطالب بقيت معلّقة. فالشعارات، على الرغم من قوتها الرمزية، لم تتحول إلى إصلاحات ملموسة، لأن الحركات الشبابية في تلك البلدان لم تضع مشاريع واضحة لما بعد الاحتجاج، واكتفت بالتعبير عن الغضب بدون تقديم بدائل حقيقية. والنتيجة أن الحماس الشعبي خفت سريعا، بينما بقيت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على حالها.

هذه الدروس تبين أن الاحتجاج وحده لا يكفي، وأن المطالب مهما كانت نبيلة تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية واضحة. فالمشكل ليس في الوعي بضرورة التغيير، بل في غياب الأدوات الواقعية لتحقيقه. فالشباب في المغرب، كما في تلك التجارب، يطالب بالكرامة والعدالة، لكنه يحتاج إلى الانتقال من مرحلة الرفض إلى مرحلة البناء، لأن الشعارات بدون مشروع لن تؤتي ثمارها.

في هذا السياق، تقع على عاتق الحكومة مسؤولية تقديم عرض سياسي جديد يستجيب لمتطلبات المرحلة، قائم على رؤية تواصلية عقلانية تُشرك المواطن وتعيد الثقة إلى المجتمع، وعلى سياسات اقتصادية تُحفّز الإبداع وتبني اقتصاد المعرفة باعتباره رهان المستقبل. كما يجب العمل على تعزيز صورة المغرب في الخارج، عبر إبراز موروثه الثقافي الغني ونموذجه المتفرد في التعدد والتعايش، بما يرسّخ مكانته كدولة قادرة على التوفيق بين الأصالة والتحديث.

ومن الضروري أيضا إدماج الجالية المغربية في مسلسل التنمية الوطنية، ليس فقط عبر تحويلاتها المالية، بل من خلال استثمار كفاءاتها وخبراتها المنتشرة عبر العالم، باعتبارها رصيدا بشريا يمكن أن يسهم في نهضة الوطن في مجالات التكنولوجيا والعلم والاقتصاد والثقافة.

ورغم التحديات، يبقى المغرب حالة متميزة في محيطه الإقليمي، لأنه يملك عنصر الاستقرار الذي فقدته دول كثيرة. فوجود الملك وثقة الشعب فيه شكّلا دوما صمام أمان يحفظ تماسك الدولة ويضمن استمرار مؤسساتها. هذه العلاقة المتينة بين الملك والشعب منحت المغرب قدرة على تجاوز الأزمات وحماية مساره الإصلاحي من الانزلاقات التي عرفتها تجارب أخرى في المنطقة.

وفي تجارب دول أخرى، مثل فنلندا والسويد وكندا، واجهت الحكومات مطالب الشباب بذكاء وهدوء، فاختارت الإصغاء بدل المواجهة، والحوار بدل القمع. أنشأت هذه الدول منصات رقمية ومنتديات تشاركية ضمّت الشباب وصانعي القرار، ونتج عن ذلك إصلاحات ملموسة في التشغيل والتعليم والسكن. وفي كندا مثلا، بعد احتجاجات الطلبة في كيبيك، فُتح حوار وطني واسع أفضى إلى برامج لتشغيل الشباب وإشراكهم في السياسات التعليمية. هذه التجارب أثبتت أن التعامل العقلاني مع المطالب، والانتقال من منطق الردّ إلى منطق الإصغاء، يحوّل طاقة الاحتجاج إلى قوة اقتراح وبناء.

إن المغرب اليوم يمتلك كل شروط النجاح لتدبير المطالب الاجتماعية والاقتصادية الجديدة إذا ما تم توجيه الحوار الوطني نحو شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، تقوم على المشاركة والشفافية والواقعية في طرح البدائل. فالإصلاح لا يتحقق بالصوت العالي، بل بالعمل الهادئ والمثابر في إطار وطني جامع يجعل الشباب قوة اقتراح ومسؤولية مشتركة في التنمية، وذلك في ظل ثوابتنا الراسخة تحت شعار: الله، الوطن، الملك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • Mohammed
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 04:40

    سؤال يطرح نفسه هل محاسبة و محاكمة الفاسدين يتطلب بدائل و حلول واقعية الذي يعتبر المطلب الاساسي لكل المجتمع المغربي هل مطالبة باستقالة حكومة المتناقضة في التصريحات و الافعال التي لم يجني منها المواطن المغربي الا البؤس و الفقر و الحرمان و الغلاء الفاحش و تدني الصحة و التعليم و ما خفي اعظم و المثير الانتباه لاول مرة يتم الاجماع عليها في المغرب انها الاسوء على الاطلاق.

  • Abdelghani
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 06:11

    صباح الخير وجهم قصح وشمن حقوق أكثر ناس جهلون بي الحقوق وليس عنده رغبة لكي يتطور نفسه انا مع الحكومة واخنش اغراس اغراس الله عطك صحه

  • sameer
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 06:12

    التقرير يعطي واقعية حقيقية نشكر الدكتور عبد الله بصوف على ما قدمه من معلومات لهذا الجيل الذي كل شيئ في اسرع وقت ممكن او الرد على ذلك بالمواجهات مع المعارضين في شوارع المغرب وهناك تدخل من فئة أخرى ليس من مطالبها إلا التخريب في الوقت الذي نسير إلى الأمام بخطى واثقة وهل الحكومة لها قدرة على إعطاء كل ما يريده هؤلاء من عمل وتدريس وتطبيب هذا المطلب مطلب الجميع وهل التحقيق سيكون في رمشة عين إذا قضى امراً فانما يقول له كن فيكون ما الإنسان إلا بشر يصيب ويخطئ والله هو القادر على كل شيئ

  • مغربي
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 07:19

    الإصلاح و الاستراتيجيات و الاولويات تحددها و تسهر عليعا الدولة كما هو معمول به عند الدول التي تحترم نفسها و شعبها.
    شحال من خطاب ملكي مر مرور الكرام ، و لاشي تغير، الزواق و العكر على الخنونة يا حنونة.
    الجهل ، الفقر، الفساد، العفن، العشوائية، …
    ابدؤو اولا بضبط لغة التعليم و الرفع في أجور و من قيمة المعلمين.
    و الباقي خدو امثلة من الدول الرائدة في كل ميدان. و نساو عليكم فرنسا لانه نموذج فاشل.

  • مواطن
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 07:21

    المواطن اكتوى بغلاء الأسعار البنزين التغدية التنقل . . البطالةخاصة اصحاب الشواهد . القدرة الشرائية صعبة . السكن اصبح مستحيل شراءه بالمدن الكبرى . التعليم العمومي الاكتضاض الغياب …الصحة مستشفيات نقص الموارد البشرية والامكانيات . الحكومة والبرلمانيين استغنوا من المال العام باجرتهم السمينة ووالتعويضات أضف الصفقات. لا تنمية دون اصلاح الفساد

  • محى اوحمو الزياني
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 08:15

    المغاربة شعب مثقف، نبيل، مسالم، ودود، لا تستحقه حكومات و أحزاب ظالمة، جاهلة، مستعصية، أنانية،..
    تصرف أموال طائلة على الوزراء، البرلمانيين، الأحزاب، الإنتخابات…الشعب في عن. المؤسسة الملكية فيها الخير و البركة وحدها قادرة على تسيير أمور البلاد بتظامن مع الشعب.
    توفير ميزانيات الحكومات لإصلاح القطاعات التي افسدتها الحكومات الفاشلة.

  • كلنا جيل غ
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 08:25

    ولماذا لم تكتب ابدا عن الفساد والفاسدين في جميع القطاعات في المغرب ام انك قلم مأجور وكأن لا يوجد في المغرب كتاب آخرين ،كلما استجد شيء وتظهر انت في الجرائد والاعلام لتدافع وتحليل لصالح المنظومة الفاسدة.

  • محمد المجدوب
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 08:44

    الجالية بعيدة كل البعد وبريءة من الحكومة الفاسدة، انا استمرت في المغرب ولقيت صعوبات مع الادارات وبلعت كولشي ورجعت لبلاد الغربة لوكان بقيت نكون نطلب ،نجاني الله من القوم المنافقين، والآن الحمد لله وخا بلاد الناس ماشي هي بلادي كاين الفرق بزاف بعد الكفار يعطيونا حقنا ماشي بحال دياولنا

  • عبد الرحمان
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 10:32

    اذا كان مطلوبا منهم أن يلعبو دور الحكومة والمؤسسات التي تخسر مليارات لتخرج بدراسات وحلول فيجب على الجميع ان يستقيل وياتي مكانه هؤلاء الشباب بالامكانيات التي وفرت للحكومة وننتظر الحل منهم

  • Citizen
    الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 11:10

    لا حلول في هذا البلد لأن لا ضمير للناس. ذهبت البارحة إلى مستوصف في مدينة طنجة بساحة موزار فقيل لي ان الطبيبة قد غادرت وكانت الواحدة والنصف بعد الظهر وذهبت اليوم في العاشرة صباحا فقيل لي انها أتت وغادرت . فمتى تشتغل هذه الطبيبة التي تتقاضى أجرا شهريا ومتى ساحصل على الشهادة التي أتيت من أجلها واحتاجها عاجلا للولوج إلى عمل. علما بان المستوصفات الأخرى ستوجهني إلى المستوصف الذي هو في جهة مسكني.

صوت وصورة
عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان
الأحد 1 نونبر 2026 - 01:24

عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء