حول جدل الدين والسياسة والمجتمع...

حول جدل الدين والسياسة والمجتمع...
الأربعاء 15 أكتوبر 2025 - 13:54

كتاب جريء من رجل جريء، باحث في مجال علوم الآثار والتراث، وضع على مجهر البحث الأركيولوجي والأنتروبولوجي زمن المعتقدات والديانات ونشأة التدين. كتاب نافذ بكثير من غمز وإيحاء، مستدرجٌ كل قارئ لمزيد من التلهف والسؤال. كتاب يخوض غمار بحر الدين والمجتمع والسياسة في بُعد كوني تاريخي، جاعلاً جزءاً من مساحة موضوع الدين والسياسة والمجتمع مخصوصاً للمغرب والأمة الإسلامية، نافضاً عنه غبار “مغالطة” مقولة سائدة تعتبر الدين والسياسة والجنس ثالوثاً مقدساً. هكذا جاء شعار الكتاب من ألفه إلى يائه داعياً المثقفين والباحثين والسياسيين… للخوض بجدية في تحليل أمور الدين والسياسة وما يجمع ويفصل بينهما.

إشارات بقدر كبير من الأهمية والرمزية، أوردها الأستاذ المفكر حسن قرنفل، الباحث في العلوم السياسية وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة الجديدة سابقاً، في تقديمه لكتاب موسوم بـ “الدين في السياسة والمجتمع بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين”، لصاحبه الباحث الأثري والأنتروبولوجي أبو القاسم الشبري، في مقدمة باذخة البناء ارتأى لها عنواناً “حتى لا يبقى موضوع الدين والسياسة من الطابوهات”.

ولعل معارك الفكر لن تنتهي ما بقي الإنسان، خلافاً لما هناك من معارك مادية تنتهي في الزمان والمكان، وأن أولى معارك الفكر هذه انطلقت أول مرة مع إبليس، ودارت أيضاً بين الأنبياء والرسل وكل الشعوب التي بُعثوا لأجلها، وفي زمن الفراعنة والآشوريين واليونان والرومان والممالك الأمازيغية… فضلاً عما طبع علاقة بني إسرائيل بأنبيائهم والعرب الوثنيين بالنبي (ص)، وبين المعتزلة والأشاعرة والقدريين… وبين عتاة مفكري الأندلس وفلاسفة الأنوار والنهضة الأوروبية ورجال الدين والكهنوت، وبين دهاقنة الإمبريالية وغير ذلك مما أثَّث تاريخ البشرية ولا يزال. غير أن أشد معارك الفكر شراسة تلك التي دارت ولا تزال بين رجال الدين و”سَدَنة المعبد” من جهة، والحداثيين من جهة أخرى. معارك بقدر ما خلفت من رصيد مكتبي، بقدر ما خلفت من ضحايا “شهداء فكر، علم، حرية تعبير، إعمال العقل، ديمقراطية…”. وإذا كانت الطبيعة تخشى الفراغ، فإن الإنسان مجبول على الخوف من كلمات “لا، الرفض، المجادلة ثم السجال والحجاج والاحتجاج”، ولعلها الطباع التي كبلت التطور ولا تزال.

“لن تنتهي معارك الفكر ما بقي الإنسان”، هو عنوان وإحالات ما استهل به الأستاذ أبو القاسم الشبري تقديماً بسقف علمي عالٍ لإصداره المعنون بـ “الدين في السياسة والمجتمع بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين”، ضمن طبعة أولى عن منشورات دار الفاصلة بطنجة. مضيفاً أنه بهذا المعنى وذاك، يكون إبليس قد شكَّل علامة فارقة في تاريخ البشرية، باعتباره أول من قال “لا” في التاريخ، وأنه بالعودة لآيات النص القرآني، نجد تصريحاً واضحاً وجلياً يفيد بجدال صريح بين الله تعالى وبين إبليس، ويستفاد من النص القرآني أنه دار حوار بينهما حول السجود من عدمه، وأن إبليس طلب من الله إمهاله فاستجاب تعالى لطلبه وجعله من المُنظَرين إلى يوم يُبعثون. واقعة الحوار هذه ثابتة بالنص القرآني حرفاً ومضموناً ولا تقبل التأويل. لكن ما يستعصي إدراكه هو كيف دار الحوار؛ لأن الله يَرى ولا يُرى ولا يُكلم أحداً مباشرة ولا من خلف ستار، ولو أن إبليس كان إبَّانه مَلَكاً أو جِنِّياً بالأحرى وليس بشراً.

فليس من نقص إيمان ولا إلحاد أو ردة – يضيف – أن نقول بأن هذه الواقعة بين الله وإبليس، شكَّلت أولى معارك الفكر في تاريخ الحضارة الإنسانية التي لم يتم الحسم فيها أبداً، وقد تكون أقصر معركة من منظور علوم تحليل الخطاب وليس من باب تفسير المحدثين. وإذا كانت الواقعة قد انتهت بطرد إبليس – الجن – من محيط الملائكة ووعود الجنة، فإنها لم تُحسَم من الناحية الفكرية والفلسفية، لكون إبليس بقي حراً طليقاً، فلا هو رضخ لأمر إلهي ولا الله نفث فيه الإيمان، ولا هو أفناه في الحين وهو على كل شيء قدير. بل إن الله وهب مُجادِلَه إبليس البقاء والخلود إلى يوم البعث، وهذه مرحلة تأسيسية في العدل الإلهي وما نسميه اليوم بالديمقراطية. غير أن هذه المعركة انتهت بهزيمة فكر السؤال والجدال وانتصار فكر الأوامر، ولأنه لا غالب إلا الله، فما كان يمكن إلا أن ينهزم إبليس اللعين، ويخر صاغراً أمام إرادة من “وسع كرسيه السماوات والأرض”، ولذلك بقي مكروهاً ملعوناً إلى يوم الدين. وهذا دليل ليس فقط على اتباع كل أطياف بني آدم لأوامر الله تعالى، بل دليل قاطع على أن بني آدم يرفضون كل من يقول كلمة “لا”، ويكرهون كل رافض للأوامر، وكل رافع لشعار العقل وكل مبادر لإعلاء السؤال. وينسى بنو آدم أنه لولا السؤال وإعمال العقل لما أرسل الله أنبياءه ورسله إلى البشر، بل لولا السؤال لما أنزل الله آدم وحواء من الجنة إلى الأرض. مشيراً إلى أنه لو بقي آدم وحواء في الجنة لما كانت هناك من بشرية وحضارة إنسانية، ولارتَاح الإنسان من وجع الدنيا وما يؤثِّثها من بشر يجتمعون على شيء واحد، هو رفض كل من يقول “لا” ويلتقي في تشتته إلى شيع ومِلَل ونِحَل وأحزاب متناحرة متنافرة. وعليه، يقول: ألم يكن ميلاد آدم مرفقاً بالسؤال وبالمشورة بين الله وملائكته؟ ألم يكن إبليس أول رافض معارض في التاريخ، وأول يساري، ديمقراطي، حداثي، عقلاني، مشكك، مفكر، عالم، جدلي، ثم اشتراكي، بغض النظر عن إيماننا بالكتب السماوية من عدمه؟ وبلغة كل الأزمنة والأمكنة يضيف أن إبليس كان أول من أعْمَل العقل، ولأنه رافض ويساري وديمقراطي وحداثي كَرِهته البشرية بكل دياناتها ولغاتها وألوانها مادام كل البشر أنانيين. وأنه من خلال واقعة رفض إبليس السجود لآدم، ضرب الله تعالى للبشرية مثالاً يُحتذى في التشاور واحترام الرأي الآخر، وفي العدالة وحرية التعبير والديمقراطية والحرية الشخصية، فضلاً عن ضرورة إعمال العقل والعلم. لافتاً إلى أن ما هناك من مفاهيم موضوع معارك اليوم الفكرية، جزء من أسماء الله الحسنى ومن صفاته تعالى؟ وأن الله هو “الديمقراطي الأول”، وأن إبليس كان أول معارض، يساري، اشتراكي وفيلسوف. ولأن الله الذي تحمَّل معارضته فمنَحه الخلود إلى يوم الدين بدل قتله وحذفه من الكون ومن التاريخ، عمل بحكمته تعالى على مأسسة المعارضة ودسترتها بمفاهيمنا المتداولة اليوم. مشيراً إلى أن الآدميين الذين جعلهم وأخلفهم الله في الأرض أخلفوا عهد الله، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فقط لأن الآخر جادلهم وعبر عن رأيه سلمياً وقال “لا”. مذكراً في تقديمه بعدم اتعاظ الآدميين بالحكمة الإلهية في واقعة إبليس، وعدم استفادتهم من قوله تعالى “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ” لأن الله عدل ولا يرفض الحوار. وأنه إذا كان تعالى حكيماً لهذا الحد وهو الجبار العظيم، فكيف للعقل والدين أن يفهما قتل الإنسان للإنسان لمجرد جدال فكري وتعارض مبادئ وأيديولوجيا وغيرها.

وإذا كانت معارك الفكر والأيديولوجيا المذهبية قد شملت كل الفرق والشيع والأحزاب عموماً، فإنها تحتد ولا تنتهي بين من يميل للتدين (المحافظين…) وبين المدعين للحداثة (اليساريين، الديمقراطيين…)، وسواء الطرف الأول أو الثاني معاً هما مصابَين بالعمى والضبابية، وأنهما معاً أعداء للحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأن كلاهما ظلامي الوصف والنعت الذي يرمي به كل طرف الطرف الآخر. منتهياً في تقديمه لكتاب “الدين في السياسة والمجتمع بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين”، إلى أنه بات ضرورياً في المغرب الخروج من هذا النقاش العقيم بتعبيره، من أجل اعتماد العلمانية نمطاً في العيش والحياة والفكر ونهجاً سياسياً… لكون رجال الدين يرفضون العلمانية عن جهل، بالمقابل للحداثيين شرح جاهل للعلمانية. وأنه لا العلمانية تحارب الدين ولا الدين يحارب الحرية والديمقراطية. وكما لا يجب رمي العلمانية بالإلحاد – يضيف – يجب التفريق بين الدين وحامليه وممارسيه، فضلاً عن احترام الفرد والإيمان بالفرد، وإلا يستحيل بناء مجتمع.

وإذا كان هذا بعض مما طبع مقدمة الكتاب بقلم الأستاذ أبو القاسم الشبري، فإن من جملة ما يُلتقط من إشارات أثارها فيها، تباين معارك الفكر بين اليوم والأمس، وأن ما هناك من صراع هو صراع فكري، إيديولوجي، قيمي، مجتمعي ثم ثقافي. لافتاً إلى أن الإيديولوجيات لم ولن تموت، وأن الصراع الحضاري لا ينتهي مادام في الكون حضارة وحضارات… وأن أطياف هذا الصراع تتسابق للتحكم في المجتمع عبر امتلاك أدوات إنتاج التعليم والثقافة والإعلام والقوانين، بل التعليم والإعلام والتشريع هو ثالوث صناعة المجتمع المتعرض دوماً للتغيير. وعليه، تجنح ميولات هذا المجتمع حيث جنحت موازين القوى الإيديولوجية الفكرية والسياسية والاقتصادية. مضيفاً أنه إذا كان الهدف هو خدمة المجتمع وحقه في عيش كريم، لا نرى حلاً غير ترك بيوت الله لذكر الله وعبادته وحده، وجعل المدرسة منبتاً لمجتمع المعرفة، وتحويل الإعلام إلى مدرسة مِلْكاً للشعب، فضلاً عن تحصين هذا الأثاث بقوانين وتشريعات تكفل الحقوق وتصون الاختلاف وتسمح بارتقاء الجميع وتحفظ جميع مستويات كرامة المواطن. وبناء عليه – يقول – يكون العلمانية هي الحل في المغرب وفي كل أرجاء الدول الإسلامية، علمانية حقيقية تسمح لكل مؤمن وملحد بالحق في كل شيء، دون تضييق ولا مضايقات، مشيراً إلى أن المغرب يعيش علمانية مستترة، مضمرة، هجينة، وأنه بلد وشعب منفتح يعيش علمانية مغلفة.

هكذا ضمن محرك ثلاثي “الدين والسياسة والمجتمع”، حلل أبو القاسم الشبري من خلال مقاربة تاريخية وأركيولوجية وأنتروبولوجية ما هناك من علاقة بينية وفعل وتفاعل، متناولاً الإشكال عبر فصلين أساسيين، الأول منهما عرض فيه لارتباط الدين والسياسة بالمجتمع فضلاً عن منطلقات سياسية وأنتروبولوجية، مستحضراً نشأة التدين لدى المجتمعات، ملامساً اجتهادات رجال الدين في مختلف الديانات مع عناية خاصة بمسألة حرية العقيدة والحريات الفردية. فيما ناقش الفصل الثاني للكتاب جملة قضايا سياسية مترابطة ومتباينة، من قبيل المرأة والسياسة وثقافة البادية وعلاقة المثقف بالسياسة وغيرها. ليبقى ختاماً، مؤلَّف الأستاذ أبو القاسم الشبري، الفاعل الجمعوي والخبير في التراث العالمي، وخريج المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط ومدرسة التكوين الدولي في الثقافة بباريس، والذي أيضاً له مساحة مؤلفات وإسهامات فكرية تخص الشأن الثقافي والسياسات الثقافية والتراث… يبقى مؤلفه موضوع هذه الورقة، بقدر ما تأسس على مادة علمية دسمة ونهج تحليلي عميق توزع على ما هو تاريخي وديني ومجتمعي، فضلاً عن علائق وتفاعلات وأحداث وواقع وصور زمن ومكان وإنسان، بقدر ما سجَّله حول ماهية وتجليات وأسئلة وجدل وتاريخ العلاقة بين الدين والسياسة بين أولين وتابعين، كاشفاً ما هناك من تواضع وندرة في تتبع واهتمام وقراءة وسؤال وتنوير يهم الموضوع. وعليه، فما تقاسمه كتاب “الدين في السياسة والمجتمع بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين”، وما توزع عليه من محاور متكاملة وسؤال ومقاربة ونماذج وقضايا فضلاً عن مقترحات، وما تأسس عليه أيضاً من ببليوغرافيا رصينة ومتنوعة، جعله بطرح وتميز وتحليل لمساحة لم يُكتب عنها بما يفيد إلا القليل القليل. وهكذا أيضاً ما يُسجَّل لهذا العمل العلمي، من إغناء وإثراء لوجهة بحثية عبر مقاربة طبعها ما طبعها من شجاعة أدبية. موفراً مساحة إنصات والتفات بقيمة مضافة عالية لفائدة خزانة المغرب والعالم العربي والإسلامي العلمية التاريخية والسسيولوجية، ولفائدة البحث والباحثين وكذا التثقيف والتنوير والقراءة والقراء المهتمين. كتاب تم الحرص فيه على توسيع وعاء فهم العلاقة بين الدين والمجتمع، ضمن سياق إنساني تاريخي وحضاري. وعليه، أهمية الإشارة إلى أن مؤلَّف “الدين في السياسة والمجتمع بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين”، يعد عملاً علمياً جديراً بالقراءة والاطلاع، لِما طبعه من تحليل وبناء ومادة معرفية بأبعاد عدة ومتداخلة. ولعل بقدر ما أضاف الكتاب شيئاً لجدل العلاقة بين الدين والمجتمع، بقدر ما أبرز من أشياء تخص الموضوع، وأن بناءه ونهجه البحثي جعله بتميز في طروحاته فضلاً عن كفاءة تناول وشجاعة.

يُذكر ختاماً أن أول توقيع واحتفاء بمؤلف “الدين في السياسة والمجتمع بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين” للأثري أبو القاسم الشبري، كان برواق الفنان التشكيلي “Nouiga” بقصبة لوداية بالرباط، وقد أثثه وقدمه عبد الحكيم قرمان الباحث في علوم الإعلام، فضلاً عن حوار ونقاش مفتوح مع المؤلِّف والحضور. ولعل بقدر ما المؤلَّف دعوة لمناقشة الشأن الديني بين المهتمين كل من موقعه، بقدر ما هو تقدير لكل الديانات وتشريح للمسألة الدينية في جوانب وتماسات عدة، مع ثناء للكاتب على الإسلام الحضاري الذي قال عنه أنه قدم الكثير للبشرية في مجال العلوم زمن العلم والعلماء.

-مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة