أوهام زيتوت

أوهام زيتوت
الإثنين 17 نونبر 2025 - 11:27

ليس أسوأ من معارض مُدَّعٍ يلبس ثوب المقاومة وهو في جوهره مجرد صدى باهت لخطاب جنرالات الجزائر، يردد خرافاتهم كمن يلتقط فتات الكلام ثم يقدمه للناس على أنه الحقيقة المطلقة. هذا تماما ما يفعله المدعو “العربي زيتوت” أو “زيطوط”؛ ذاك الذي خرج في حلقة هزيلة يرسل فيها “رسالة” إلى جلالة الملك وإلى الشعب المغربي، متوهما أن صوته يعلو فوق الحكمة، وأن لغوه قادر على التأثير في قناعة شعب ارتبطت هويته بوطن يمتد في التاريخ والجغرافيا من طنجة إلى لكويرة، ويعرف جيدا معنى الوطن ومعنى الانتماء.

العربي زيتوت، الذي يدعي أنه “معارض للنظام العسكري الجزائري”، لا يختلف في جوهره عن أولئك الذين يختبئون وراء الأقنعة، يرفعون شعارات التغيير وهم أوثق الخدام لدوائر الاستبداد التي تغذي خطابهم. المعارضة ليست صراخا عشوائيا، وليست نباحا ضد الجيران كلما ضاقت به السبل، وليست تجارة بائسة في قضايا لا يفقه فيها شيئا. والمعارضة بالتأكيد ليست ادعاء بامتلاك الحقيقة حول قضايا تاريخية وجغرافية لم يكن يوما جزءا من معاركها ولا من معرفتها. ومع ذلك يقف العربي زيتوت، بكل جهل وثقة زائفة، ليقول إن “الصحراء الشرقية ليست مغربية”، وكأنه اكتشف الحقيقة التي غابت عن المؤرخين والوثائق والمعاهدات والبيعة والعلاقات الممتدة عبر قرون.

إن من يطعن في مغربية الأرض لا يفعل ذلك من موقع المعرفة، بل من موقع العجز والإرتزاق. فالصحراء الشرقية كانت دائما فضاء مغربيا، موطنا لقبائل اعترفت بالسلطة الشرعية للمخزن، وموضوعا لنزاعات تاريخية مع فرنسا الإستعمارية التي اقتطعت أراضي مغربية وسلمتها للكيان الجزائري المصطنع قبل تأسيس الدولة الجزائرية الحديثة. هذه حقيقة يعرفها المؤرخون والباحثون ووثائق الأمم، وليست موضوع مزاج سياسي عابر أو رغبة معارض يبحث عن الشهرة. لكن العربي زيتوت يعتقد أن مجرد رفعه صوته وتقمصه دور “المعارض” يمنحه الحق في إلقاء الكلام على عواهنه، حتى وإن كان ذلك خدمة مجانية للنظام نفسه الذي يدعي معارضته.

والأدهى أن صاحبنا يحاول مخاطبة جلالة الملك، وكأنه ناطق باسم شعب أو حامل رسالة من ضمير الأمة الجزائرية. أي رسالة يحملها رجل لم يستطع حتى أن يحدد موقعه السياسي؟ هل هو معارض؟ تابع؟ أم مجرد صوت يبحث عن الضوء بأي ثمن؟ الرسالة التي يوجهها ليست أكثر من تكرار مشوه لخطاب جنرالات المرادية؛ ذاك الخطاب المتآكل الذي لم يعد يصدقه حتى جزء واسع من الشعب الجزائري الذي سئم من المتاجرة في قضايا الجوار لصرف الأنظار عن الفساد والقمع وإفلاس النظام.

إن الشعب المغربي، بوعيه الوطني وذاكرته العميقة، لا يحتاج لمن “ينصحه” حول صحرائه أو ملكه أو سيادته. المغرب دولة تمتلك مشروعية تاريخية وسياسية ودبلوماسية لا تضاهيها شرعية أنظمة عسكرية ولدت من رحم الانقلابات. المغرب لم يكن يوما دولة تبحث عن صراعات حدودية لتثبيت شرعيتها، بل كان دائما دولة تبني نفسها بالاستقرار والإصلاح وترسيخ المؤسسات. بينما النظام الذي يدعي العربي زيتوت معارضته لم يعرف خلال ستين سنة إلا هوسا واحدا: خلق عدو خارجي لتبرير حكم الثكنة وإدامة اقتصاد الريع العسكري. ومن المؤسف أن يتحول بعض “المعارضين” إلى مجرد أدوات في هذا المشروع، دون وعي أو بخبث مقصود.

وإذا كان العربي زيتوت يعتقد أن المغرب سيقف ليستمع له، فهو واهم. المغرب لا يناقش قضاياه السيادية مع الذين لا وزن لهم ولا مصداقية ولا شرعية. القضايا الكبرى تناقش في المحافل الرسمية، في الأمم المتحدة، في مجلس الأمن، في الحوارات المبنية على الشرعية القانونية والتاريخية، لا مع أفراد يقتاتون على الإثارة ويصنعون من شاشات اليوتيوب منصات لترويج الوهم.

ثم إن هرولته نحو إنكار مغربية الصحراء الشرقية ليست مجرد جهل، بل هي خضوع كامل لخطاب النظام العسكري. أي معارضة هذه التي تتبنى السردية الرسمية بحذافيرها؟ كيف يدعي معاداة نظام، بينما يعيد إنتاج نفس كلامه، بنفس المفردات، ونفس المغالطات، ونفس العداء للمغرب؟ المعارض الحقيقي يملك شجاعة نقد الجذور العميقة لتخريب الجزائر: الفساد، القمع، الاستبداد، الحكم الفردي، استغلال الثروات، شراء الولاءات، لا أن يبحث عن “عدو خارجي” ليداري به عجزه الفكري والسياسي.

العربي زيتوت ليس سوى نموذج جديد لمثقفي الواجهة الذين يغيرون أقنعتهم حسب الظرف. مرة “معارض شجاع”، ومرة “خبير جيوسياسي”، ومرة “حريص على استقرار المنطقة”. وفي كل الأحوال، يظل صوتا بلا تأثير، بلا امتداد، وبلا مصداقية. أما حديثه عن المغرب، فهو مجرد محاولة بئيسة لإثبات وجوده، تماما كما يفعل كل من يبحث عن مكان داخل الفوضى الإعلامية التي صنعتها أنظمة الاستبداد لتلهية الشعوب.

إن الرد الحقيقي على أمثاله ليس فقط كشف سطحية خطابه، بل فضح الوظيفة السياسية التي يؤديها من حيث يدري أو لا يدري. فكل كلمة ينطق بها ضد المغرب ليست سوى خدمة لجنرالات الجزائر الذين لم يتوقفوا يوما عن استغلال ملف الصحراء لتبرير فشلهم المستمر. أما المغرب، فقد تجاوز منذ زمن مرحلة الرد على الأصوات الصغيرة، لكنه لا يترك مجالا لتحريف الحقيقة التاريخية أو الطعن في سيادته.

ولهذا فإننا نقول بصوت واضح للعربي زيتوت ومن يسير في ركبه: المغرب ليس دولة تبتلع بالدعاية، ولا تهز شرعيتها بجهل معارض أو ضجيج مأجور. المغرب دولة ذات جذور، وملك ذو شرعية تاريخية، وشعب يعرف تاريخه جيدا. ومن يتطاول على السيادة المغربية فهو يعادي الحقيقة قبل أن يعادي المغرب. ومن يبيع كلامه للجنرالات تحت عنوان “المعارضة” فهو ليس سوى بوق منبوذ، مهما لبس من أقنعة ومهما ادعى من بطولة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام