الإبداع الأدبي وسؤال التخلق

الإبداع الأدبي وسؤال التخلق
الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 13:29

تقديم:

الإبداع نشاط إنساني يقوم أساسا على الصياغة الجمالية، ويتطلع دوما إلى تجاوز السائد، وذلك بالتجريب المثابر، والبحث الدؤوب عن الجديد والأجد، ويشمل هذا النشاط مجالات مختلفة من الحياة؛ ومنها مجال الأدب، بما هو جملة النصوص التي توفرت لها صفة الفنية للتأثير في المتلقي؛ وقد حظي الإبداع الأدبي، بمحاولات فهم وتفسير ما ينطوي عليه من أبعاد فكرية ونفسية واجتماعية وفنية، واستيعاب ما طرأ ويطرأ عليه من تحولات بنيوية مست مضامينه وأشكاله؛ كما أثار كثيرا من الأسئلة التي تستهدف كشف الحجب عن أسراره، ومن هذه الأسئلة:

. ما النص الأدبي؟

. لمن يكتب؟

. لماذا يكتب؟

. ما الطقوس التي تصاحب كتابته؟

سؤال التخلق:

فضلا على أسئلة الماهية والمقصدية والتلقي وطقوس الكتابة هناك سؤال شغل كثيرا من المهتمين بظاهرة الإبداع الأدبي، وهو سؤال التخلق، موضوع هذا المقال، ونعني به النواة الأولى أو البذرة المنطقية التي تشكل السبب الوجودي في انبثاق فكرة النص الأدبي، قبل أن يولد وينمو ويكتمل في صورة قصيدة شعرية أو قصة أو خاطرة أو رواية أو مسرحية.

لقد صاحب سؤال التخلق الإبداع الأدبي منذ بداياته الأولى الموغلة في القدم، وتواصل طرحه، ولم ينقطع طيلة مساره المديد، وكان من الطبعي أن تأتي الإجابات عنه متعددة، تبعا لاختلاف الرؤى الإبداعية، وتباين السياقات التي نشأت فيها وتفاعلت مع معطياتها.

الإجابات في ثنائيات:

انطلاقا من استقراء هذه الإجابات، من المفيد أن نقوم بتجميعها في ثنائيات، وطلبا للتركيز سنختزلها في ثلاث:

– الأسطوري والحقيقي: فسر تخلق النص الأدبي تفسيرا ينزع منزعا أسطوريا، ولعل أشهر هذه التفاسير، الاعتقاد بأن الإلهام الشعري مصدره الشياطين والعرائس؛ وقد أشار عباس محمود العقاد إلى هذا الأمر في

“عرائس وشياطين”:

” إن الأساطير اتفقت بأن الشعر من وحي العرائس أو من وحي الشياطين فاختار الأوربيون أن يتلقوا وحيهم من عروس، واختار العرب أن يتلقوا وحيهم من شيطان ولا نراهم اختلفوا كثيرا في نهاية المطاف.”

وفي مقابل هذا التفسير الممعن في الغيبية والعجائبية، والذي رويت عنه كثير من الحكايات الطريفة التي تنزع عنه فاعليته الإنسانية، نجد التفسير المنطقي المنطلق مما توصلت إليه بعض النظريات العلمية كالنظرية السيكولوجية ونظرية علم اجتماع الأدب، أو المستند إلى معطيات واقعية ملموسة، تؤكد بأن الإبداع الأدبي، هو في الأول والأخير، فعل إنساني محض.

2. المبهم والواضح: من التفسيرات التي شاعت في الموروث البعيد والقريب، وما زلنا نجد لها أصداء تتردد في الأدب المعاصر، الزعم بأن تخلق الإبداع الأدبي مسألة بالغة التعقيد، مستعصية على التوضيح؛ ذلك أنه ينبثق عفوا، وبلا مقدمات، فيومض كما الومضة الخاطفة، أو يشتعل كالشرارة اللامعة، بشكل لا يتوقع، لا حسبان في حدوثه لا لزمان ولا مكان ولا أحوال، ويأتي في الاتجاه المعاكس لهذا التفسير المفعم بالغموض الكشف عن مصدر الإلهام، وذلك إما بالتلميح إليه في ثنايا النص، وهنا يأتي دور القارئ في الاكتشاف، ومهمة الناقد في التبيين، أو بالتعبير المباشر من خلال ما يرد على لسان الأديب نفسه في الحوارات واللقاءات التي تجرى معه، أو بالمكاشفة التلقائية النابعة من الرغبة في البوح الصريح، وللتدليل على هذا الأخير نسرد الواقعة التالية:

في إحدى الأمسيات الشعرية، قبل أن يشرع أحد الشعراء في إلقاء قصيدته، أخذ يوضح للجمهور الحاضر أنها مستوحاة من لوحة تشكيلية شاهدها وهو يزور أحد المعارض، مسهبا في التعريف بصاحبها، مطنبا في بسط موضوعها، والمثير في الأمر أنه استطرد في الحكي حتى كادت حكاية تخلق قصيدته تطغى على القصيدة نفسها.

– الداخلي والخارجي: نقصد بالداخلي الأفعال الكامنة في ذات الإنسان، المستثيرة للإبداع الأدبي من انفعال، وتذكر، وتخيل، وتعد هذه العناصر بمثابة طاقات استراتيجية فعالة في عملية الإبداع الأدبي؛ فكم من نص أدبي كان مبدؤه عبارة عن انفعال شعوري، أو استدعاء ذاكري، أو نشاط تخييلي؛ نعم إن لهذه العوامل الداخلية أثرا جليا في تخلق النص الأدبي، لكن هذا لا يلغي تفاعل المبدع مع المثيرات الخارجة عن نطاق الذات، كالمعايش والمشاهد والمسموع والمقروء؛ ذلك أن الأعمال الأدبية قد تتمخض عن احتكاك مباشر بواقعة، أو مشاهدة فيلم سينمائي أو عرض مسرحي، أو قراءة كتاب، أو الاطلاع على خبر صحفي، أو الاستماع إلى شريط موسيقي…الخ

خلاصة:

بناء على ما تقدم من الإضاءات يتأكد لنا بأن سؤال تخلق النص الأدبي سؤال مثير، تعددت في شأنه الإجابات؛ بل إنها وصلت إلى حد التضارب، وتجب الإشارة هنا إلى أن هذه الإجابات ليست قطعية ولا نهائية تدعي لنفسها الإحاطة بكل أسرار الظاهرة الأدبية؛ لأن النص الأدبي عطاء ذاتي متجدد يتفاعل مع واقع ناموسه الحركة الدائبة، وقانونه التحول الموصول على جميع الأصعدة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنلوجية، ويكفي أن نومئ، في الختام، إلى ما أحدثه الأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي من تحولات عميقة في الموضوع لا زالت مثار سجال محتدم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 17:06

    “I write only when the spirit moves me, and the spirit moves me every day”
    “أنا أكتب فقط عندما تحركني الروح، والروح تحركني كل يوم.”

    William Faulkner
    (1897-1962)
    (كاتب أمريكي)

    “Inspiration is a guest that does not willingly visit the lazy”

    “الإلهام ضيف لا يزور الكسالى عن طيب خاطر.”
    Tchaikovsky
    (1840-1893)

    “ما الإبداع سوى همزة وصل بين ذات مبدعة لا تهدأ، وكون شاسع لا يكف عن إرسال الإشارات.”

    لقد قدمت، أستاذ زروال، معالجة استقصائية رائعة لسؤال التخلق، الذي يعد العصب الخفي للظاهرة الأدبية، مصنّفًا هذا الكم الهائل من الإجابات في ثنائيات دقيقة ومترابطة. إن طرحكم العميق للتباين بين الأسطورة والحقيقة، وبين الغموض والوضوح، يضيء مساحة الحرية الجوهرية التي يتمتع بها المبدع في تعامله مع مصدره الأساسي. وأعتقد أن التخلق، في جوهره، هو نقطة الالتقاء غير المتوقعة بين هذه الثنائيات؛ إنه ليس محض انفعال داخلي ولا مجرد انعكاس خارجي، بل هو عملية كيميائية معقدة تحدث في وعي الفنان، حيث تتشابك الذات مع الواقع المتغير.

    “إن النص يولد مرتين: مرة في وعي خالقه، ومرات لا تُحصى في تجربة متلقيه.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام