نخب وزارية جديدة

نخب وزارية جديدة
الأحد 21 دجنبر 2025 - 23:02

(نخب وزارية قادرة ومتمكنة تعبد الطريق فعليًا للمغرب الصاعد، وليست نخبًا وزارية تنسب عجزها وفشلها إلى “الدولة العميقة” و”اللوبي الإداري” و”التماسيح” و”العفاريت”)

في كتابه “ما بعد الديمقراطية”، يؤكد الأستاذ والباحث الفرنسي إيمانويل تود أن الديمقراطية لا يمكنها أن تستغني عن النخب، وأن ما يميز الديمقراطية عن الشعبوية هو الحضور القوي للنخب. لهذا، يحتاج بناء المغرب الصاعد إلى نخب نوعية: نخب تملك رؤوسًا مكونة بشكل جيد، نخب الملفات، نخب التحليل، نخب الحساب، نخب النتائج، نخب تتقن لغة التواصل وقادرة على بناء المغرب الصاعد، وفي نفس الوقت نخب قادرة على إقناع الجموع ومواجهة الشعوبيين.

بناء المغرب الصاعد يحتاج إلى نوعية جديدة مما يطلق عليها “النخب الأولى” و”النخب الأسمى” كما سماها السياسي الفرنسي ميشيل دوبري، أي النخب الوزارية.

بناء المغرب الصاعد يطرح من جهة أخرى السؤال المتعلق بنوعية النخب الوزارية التي يحتاجها المغرب في المرحلة القادمة، مع العلم أن تحديد نوعية هذه النخب يبقى مرتبطًا بتحديد نوعية المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم ومغرب المستقبل. وهنا وجبت الإشارة إلى الاختلاف الكبير في تحديد نوعية المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم، بين جزء من الطبقة السياسية والجزء الأكبر من الإعلام الرقمي، والذي يعتبر أن مشاكل مغرب اليوم هي نفس المشاكل التي عرفها المغرب ما بعد الاستقلال، والتي تتركز جلها في مربع الشرعية المؤسساتية ومربع اقتسام السلطة. بينما يرى المواطن المغربي أن المشاكل التي يعرفها مغرب اليوم ليست مشاكل مرتبطة بمربع الشرعية المؤسساتية، بل هي مشاكل مرتبطة بمربع الشرعية الشعبية ونوعية السياسات العمومية التي يقدمها مغرب المؤسسات للمواطن، وبنوعية الخدمات والأثر الذي تتركه هذه السياسات على المواطنين والمرتفقين.

علم التدبير الحديث، ومنذ سنة 2018، لم يعد يتحدث عن التدبير من خلال النتائج فقط، بل صار يستعمل مصطلح “الكيلومتر الأخير” (وهو مصطلح استعمله أصحاب التجارة الرقمية للتعبير عن المشاكل المرتبطة بالوصول إلى الزبون). وبالتالي، فإن أول شيء مطلوب من النخب الوزارية القادمة، أن تكون نخبًا تثبت للمواطن المغربي أنها أنجزت بنجاح الانتقال من مربع “الكيلومتر الأول” (وهو المربع المرتبط بمربع المشروعية المؤسساتية ومربع اقتسام السلطة)، إلى مربع “الكيلومتر الأخير” (وهو المربع المرتبط بالمواطن والأثر الذي تتركه السياسات العمومية على مستوى عيشه).

تحديد طبيعة المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم باعتبارها مشاكل مرتبطة بالكيلومتر الأخير، تفرض على العقل الرسمي المغربي الاقتناع بأن النخب التي من المفروض أن تفرزها الاستحقاقات القادمة (على المستوى الحكومي) لا تتطلب فقط تغييرًا يمس أشخاص النخب الوزارية، بل تتطلب الشجاعة في البحث عن نخب وزارية جديدة بحقيبة أفكار جديدة وعقليات جديدة، وبالتالي التركيز على تغيير يمس العقل الوزاري الذي يحكم، والعقل الوزاري الذي يفكر، والعقل الوزاري الذي يقرر، والعقل الوزاري الذي يقيم. مونتسكيو أكد على ذلك منذ القدم عندما قال: “كل نظام يعتمد على عقل عام ومجموعة من المعتقدات والعادات، والاعتقادات الجماعية التي تمكن من جعله قادرًا على الحياة”.

مما يعني أن بناء المغرب الصاعد الذي ينشده المغاربة لا يتطلب فقط تغيير الأشخاص الذين يؤثثون المشهد الحكومي، بل يتطلب أكثر من ذلك، يتطلب امتلاك الإرادة والشجاعة للانتقال من مربع النخب الوزارية التي ميزت المغرب القديم، إلى مربع النخب الوزارية التي يتطلبها بناء المغرب الصاعد.

أولًا) المغرب الصاعد في حاجة إلى نخب وزارية جديدة تمتلك ثقافة تدبيرية جديدة

النخب الوزارية التي يحتاجها المغرب الصاعد عليها أن تدرك أنها دستوريًا هي نخب التنفيذ (الحكومة – الإدارة)، وبالتالي تعتبر النخب المسؤولة عن النتائج وعن الأثر الذي تتركه السياسات العمومية على المواطنين. مما يعني أنها المسؤولة الفعلية عن نقل السياسات العمومية من “الكيلومتر الأول” (وهو كيلومتر المؤسسات: المؤسسة الملكية – البرلمان – المؤسسة الحكومية) إلى مربع “الكيلومتر الأخير” (وهو مربع المواطنين، وبالتالي مربع النتائج والأثر)، وهو المربع الأهم والأساس بالنسبة لمغرب المواطنين.

المغرب الصاعد يفرض على الطبقة السياسية المغربية ليس فقط العمل على تجديد نخبها في أفق استحقاقات 2026، من خلال استبدال الوجوه القديمة بوجوه جديدة، بل يفرض عليها ترشيح نخب وزارية تمتلك عقلية تدبيرية حداثية وتمتلك قيمًا وأفكارًا جديدة (الفعالية – المردودية – التقييم – ثقافة النتائج وثقافة الأثر وثقافة دولة الجهوية المتقدمة وثقافة القرب).

المغرب الصاعد في حاجة إلى نخب وزارية بعقل جديد وحقيبة أفكار جديدة تمكنها من النجاح في تنزيل خريطة الطريق المرتبطة بالكيلومتر الأخير. مما يعني أن المغرب الصاعد في حاجة إلى نخب وزارية تخضع لقانون الجاذبية (نيوتن)، أي نخب تنزل من برجها العاجي إلى الواقع على الأرض عند المواطنين، من خلال القدرة على الانتقال من “البرنامج الحكومي العمومي” إلى ما أطلق عليه علم التدبير الحديث “برنامج أدوات ووسائل الحياة اليومية للمواطنين”، أي أين يمس فعليًا البرنامج الحكومي الحياة اليومية للمواطنين بشكل دقيق ومفصل؟ وكيف؟ وما هي النتائج المتوقعة؟.

الاشتغال من داخل مربع الكيلومتر الأخير يتطلب نظرة جديدة للمبدأ الدستوري المتعلق بـ “استمرارية المرفق العمومي”، خصوصًا بعد أن أكدت احتجاجات الشارع التي قادها المواطن المرتفق أن استمرارية المرفق لا تتمثل في وجود مدارس ومستشفيات مفتوحة لتقديم الخدمات، بل يتطلب أن تقدم هذه المدارس والمستشفيات خدمات مستمرة ونوعية وفعالة للمواطنين. لهذا طالب المواطن المرتفق ضمنيًا بنخب وزارية جديدة، قادرة على إعادة ربط المبدأ الدستوري المتعلق باستمرارية المرفق العمومي بمبدأ التدبير الحديث المرتبط بفعالية الفعل العمومي.

كما أن فعالية الفعل العمومي كانت تتطلب تفسيرًا جديدًا لمفهوم “القيام بالواجب” المطلوب من الموظفين العموميين، من خلال إدماج أولوية خدمة المرتفقين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام، وفي حالة العكس تحريك المسطرة التأديبية. مما يعني إعادة توجيه عقل الإدارة المغربية الذي ينظر إلى الأعلى (أي إلى المؤسسات من خلال احترام الأمر الرئاسي)، إلى عقل إداري ينظر إلى تحت (أي إلى المواطنين وخدمتهم والتواجد المستمر بالقرب منهم) – (احتجاجات أكادير وتطوان على الخدمات المقدمة للمواطن المرتفق وغياب الأطر العامة وغياب التجهيزات).

كما أن بناء المغرب الصاعد يتطلب كذلك تنزيل الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الدستور، والتي تنص على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة. مما يفرض على النخب الوزارية القادمة أن تمتلك عقلاً قانونيًا مرنًا يسهل عملية تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بزمن الكيلومتر الأخير، أي عقلاً قانونيًا يدمج فكرة الطوارئ واللحظوية والفئوية والجغرافية، بدل العقل القانوني للدولة المركزية، وبالتالي عقلاً قانونيًا صاعدًا مرتبطًا بالمواطنين، وليس عقلاً قانونيًا نازلًا (أي عقل قانوني مرتبط بالمؤسسات السياسية الذي يهمل دراسة الأثر).

ثانيًا) تعزيز النخب الوزارية التي يتطلبها بناء المغرب الصاعد تتطلب التنزيل الفعلي لمؤسسة الوزير الجماعي (الوزير – الديوان)

تؤكد المادة التاسعة والعشرون من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على أن كل عضو من أعضاء الحكومة يتوفر على ديوان خاص، يختار أعضاءه من الأشخاص الذين تتوافر فيهم الكفاءة والخبرة والنزاهة، وتناط بهم مهمة القيام لحساب الحكومة بالدراسات وتسوية المسائل التي تكتسي طابعًا سياسيًا أو خاصًا. مما يثبت أن المغرب قد جدد التأكيد على أن منصب الوزير هو منصب جماعي يتشكل من الوزير بالإضافة إلى أعضاء ديوانه. أستاذ القانون بالجامعات الفرنسية، جاي كاركسون، سيؤكد أن مهمة الوزير لا يمكن أبدًا أن تكون مهمة فردية، ولا وجود لوزير إلا كوزير جماعي، وبالتالي فإن الوزير هو دائمًا مؤسسة جماعية.

المشكلة الكبيرة للوزراء بالمغرب أنهم في غالبيتهم وزراء فرديين ويرفضون بالتالي الاشتغال ضمن مربع الوزراء الجماعيين، بالإضافة إلى كونهم وزراء عموديين ولا يستطيعون الانتقال إلى مربع الوزراء الأفقيين.

النخب الوزارية من المفروض أن تكون نخبًا استراتيجية تضيء الظلمات، تعمل على تدوير الزوايا، تصنع الاتفاقات. الفيلسوف ديكارت سيؤكد أن النظام يفرض من خلال العقل. اعتبار منصب الوزير كمؤسسة جماعية يعني أنها تشتغل من خلال “نحن” وليس “الأنا”، وبالتالي فإن ترسيخ الحكامة الوزارية الجماعية يعد شرطًا أساسيًا لامتلاك القدرة على تقريب المسافات ما بين النية والفعل والهدف.

العقل الدستوري المغربي، من خلال الدستور والقانون التنظيمي، أراد خلق “الوزير الجماعي” من أجل منحه قوة على مستوى التصور والتفكير، قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. وفي هذه المرحلة وضع العقل التنظيمي المغربي هيكلة تنظيمية عمودية مفروض فيها الانضباط وتنفيذ الأوامر لخدمة المصلحة العامة.

الحكومات التي جاءت ما بعد دستور 2011، كانت كلها تملك ثقافة عمودية وكانت عاجزة عن الانتقال إلى مربع الاشتغال من داخل الثقافة الأفقية وثقافة الشبكات، وبالتالي كانت تفضل الاشتغال من داخل الهيكلة المكونة من (الوزير – الكاتب العام – المدير – رئيس القسم – رئيس المصلحة). والدليل على ذلك أن هذه الحكومات لم تهتم أبدًا بإخراج النص التنظيمي المنصوص عليه في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة التاسعة والعشرون من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، والتي تنص على: “يحدد بنص تنظيمي تأليف دواوين أعضاء الحكومة والمهام المنوطة بهم والالتزامات الملقاة على عاتقهم والمعايير المعتمدة لاختيارهم والمنافع الممنوحة لهم من خلال مزاولة مهامهم” (واستمرت في الاعتماد على النص المعتمد قبل دستور 2011).

مما يعني أن بناء المغرب الصاعد يتطلب عاجلاً تعزيز وتفعيل منصب الوزير من خلال تعزيز وتفعيل موقع الوزير الجماعي، من خلال إصدار المرسوم المتعلق بتشكيل الدواوين ونوعية الأشخاص المطلوبين، والذين من المفروض أن يرسخوا سمو المنصب الوزاري وأن يؤخذوا بعين الاعتبار عالم الذكاء الاصطناعي وشروط بناء المغرب الصاعد.

بناء المغرب الصاعد لا يفرض على النخب الوزارية القادمة أن تكون نخبًا تشتغل من داخل مربع الوزير باعتباره مؤسسة جماعية فقط، بل المطلوب منها كذلك أن تعمل على نقل الهيكلة الوزارية العمودية إلى هيكلة وزارية أقرب إلى العمل الجماعي، من خلال خلق المزيد من المناصب الأفقية بدل التركيز على تعزيز بنية الهيكلة العمودية المرتبطة بالمغرب القديم.

إبان أزمة المديونية وسياسة التقويم الهيكلي، عمد الملك الراحل الحسن الثاني إلى خلق هيئة المكلفين بالدراسات للمساعدة على تجويد التصور والتفكير الخاص بعقل الوزارات وذلك سنة 1983. وفي سنة 2016، أصدرت الحكومة المغربية مرسومًا يتعلق بتوظيف من خلال عقود خبراء لإنجاز مشاريع أو دراسات أو تقديم استشارات أو خبرات أو القيام بمهام محددة يتعذر القيام بها من قبل الإدارة بإمكاناتها الذاتية (للأسف، لم يرى ولم يسمع المغاربة أي إضافة قدمها هؤلاء الخبراء في مغرب الأزمات: كوفيد، أزمة التعليم والصحة، أزمة فاس، وأزمة آسفي، ولم يترك هؤلاء الخبراء أي بصمة نوعية على أداء الوزارات بالمغرب ما بعد 2016).

بينما كان المطلوب امتلاك تصور أولًا عن المهام التي مطلوب من الدواوين القيام بها في القرن الواحد والعشرين، وبعد ذلك العمل على إصدار النص الخاص بالدواوين الوزارية، والعمل في مرحلة لاحقة على تحديث جذري للنص المتعلق بالمكلفين بالدراسات بعد تقييم العمل المنجز من طرفهم، والقيام بنفس الشيء بالنسبة للنص المتعلق بالخبراء.

بناء المغرب الصاعد في عصر الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي يفرض لزامًا على النخب الوزارية القادمة التفكير بشكل جدي في الاعتماد على نوعية جديدة من التراتبية الإدارية (خلية الأفكار الجديدة – مكلف بالبحث – مكلف بمهمة – المطورين – مدراء المشاريع – المكلفين بالشراء الرقمي – المصممين،…) كما هو معمول به في التجارب الدولية الرائدة، التي تميل في اشتغالها أكثر إلى مربع الثقافة الأفقية وقادرة على خلق الجسور للانتقال إلى العالم الجديد والمغرب الصاعد، من أجل إغلاق الباب أمام المغرب القديم وتراتبيته النوعية الإدارية (المتصرفين – المهندسين – التقنيين – أعوان إداريين – أعوان تقنيين) الموروثة عن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ومرحلة ما بعد الاستقلال، عالم الوزارة القديمة بتنظيمها العمودي الذي يخنق الإبداع والتفكير والاستقلالية.

ثالثًا) ترسيخ المغرب الصاعد يتطلب الاعتماد على نخب وزارية قادرة على تفعيل اليد المعلومة الوزارية في مواجهة اليد الخفية للإدارة

المغرب الصاعد في حاجة إلى نخب وزارية في مستوى “سمو المنصب الوزاري”، سمو المنصب الوزاري بمعنى سمو الأفكار التي يمتلكها هذا العقل، وسمو الحلول، وسمو الأهداف. لأن النخب الوزارية ليس مطلوبًا منها فقط التوفر على سلطة سياسية تمكنها من الانتصار على جمود البيروقراطية الإدارية، بل عليها كذلك أن تثبت أنها قادرة على فرض خريطة الطريق الخاصة بها. لأن الحكامة الوزارية هي شيء معقد ويتطلب تقنية عالية وتجربة طويلة وإلمامًا كبيرًا بالتجارب الدولية.

النخب الوزارية مطلوب منها التوفر على كفاءة عالية وامتلاك القدرة على الفهم السريع، والقدرة على الحكم والقرار، والقدرة على تقييم المشاكل واقتراح الحلول، والقدرة على الإبداع من خلال ملكات القول (بدل وزراء الشفوي ووزراء الصراع والسب والوزراء الذين يختبئون في مكاتبهم)، ووضوح التعبير، والقدرة على التواصل. خصوصًا وأن الوزير لا يتوفر على الوقت الكافي ولا على التجربة المطلوبة من أجل ترك بصمته، ولو على جزء صغير مما يهيئ وينفذ باسمه وتحت مسؤوليته داخل الوزارة. وبالتالي، من المفروض على النخب الوزارية أن تمتلك القدرة على جعل الآخرين ينفذون بشكل جيد وبشكل نوعي البرنامج الحكومي.

مباشرة بعد تعيينها في المناصب الوزارية وانتقالها من المربع السياسي إلى المربع الإداري، يحدث اللقاء الأول بين الوزير الجماعي (ولهذا من المستحب أن يكون الوزير مصحوبًا بديوانه المشكل من العنصر البشري ذي الوزن الثقيل) واللوبي الإداري الذي يشتغل بالوزارة والمكون من نخب إدارية متمرسة وتملك جذورًا قوية داخل التنظيمات الوزارية. هذه النخب الإدارية ستحكم على نوعية النخب الوزارية من خلال طبيعة ونوعية اللقاء الأول.

لهذا يعتبر اللقاء الأول لقاءً مهمًا وحاسمًا في العلاقة التي ستطبع المستوى السياسي والمستوى الإداري بالوزارة. فريديريك لالو، الخبير في علم التدبير والمتعاون السابق مع شركة ماكنزي، سيؤكد أن القاعدة العامة تؤكد أن مستوى وعي التنظيمات لا يمكن أن يتجاوز مستوى وعي قائدها. وبالتالي، فإن أول رد فعل للوبي الإداري العامل بالوزارة هو العمل على ضبط مستوى تفكيره ومستوى أدائه تحت سقف مستوى وأداء الوزير كمؤسسة جماعية.

مما يثبت أن الفكرة التي سوقها السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر من أن الحكومة تقرر والإدارة تنفذ، والتي عمل المشرع الدستوري المغربي على تبنيها في الفصل التاسع والثمانين من الدستور من خلال صيغة (“تعمل الحكومة تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين، والإدارة موضوع رهن تصرفها”)، هي فكرة صعبة التطبيق في الواقع، وتفترض لإمكانية تطبيقها وجود نخب وزارية نوعية تمتلك التكوين الأكاديمي وتمتلك تجربة كبيرة ومتمرسة على تدبير التعقيد. لأنه عكس ذلك، سيتحول الفصل التاسع والثمانون من الدستور إلى (“تعمل النخب الإدارية على تنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين، والحكومة موضوعة رهن تصرفها”).

النخب الوزارية العادية والنخب الوزارية الضعيفة هي نخب تقف عاجزة أمام اللوبي الإداري وأمام السوق من خلال صفقات الدراسات، حيث تدبر الوزارة فعليًا من طرف النخب الإدارية ومكاتب الدراسات. وبعد خروج هذه النخب من مربع المسؤولية الوزارية بحصيلة سلبية وغير مشرفة، تتحجج بأنها واجهت “التماسيح” و”العفاريت” و”الدولة العميقة” و”اللوبي الإداري” لتبرير عجزها وفشلها.

عندما نجح فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 1981، أقدم على تعيين لجنة من أجل دراسة تحديث الدولة. وقد أكدت هذه الدراسة أن هناك “يدًا خفية” داخل الإدارة (ولم تتحجج هذه الدراسة بوجود العفاريت والتماسيح والدولة العميقة ومقاومة الإدارة) تتكون من المكاتب الإدارية ومحرري المشاريع والتقنيين، تعمل من خلال مجموعة من الإجراءات: (نفس المكاتب هي التي تهيئ مشاريع النصوص القانونية وتقدمها للسلطة المخولة من الدستور بسلطة القرار، مما يوضح أن المشرع اليوم تم نزع سلاحه من طرف التقنيين – وحتى إذا مررت السلطة السياسية مقتضيات ضد إرادة اليد الخفية، فإن هذه الأخيرة تعمل على تطبيق جزئي للقانون، وتعمد إلى ممارسات إدارية تستهدف التعطيل أو الالتفاف على الحلول – توقيف عقارب الساعة السياسية والإدارية من خلال فرملة الأداء عن المرحلة السابقة – تعمل على مضاعفة عدد الملفات المرتبطة بالنزاعات – إغراق النخب الوزارية بالملفات التافهة مع حجب الملفات المهمة والأساسية للوزارة – توتير العلاقة مع المواطنين والمرتفقين). هذه اليد الخفية اقترح التقرير مواجهتها من خلال تعزيز اليد المعلومة القوية (تشريع النصوص أو تحديثها من أجل ترسيخ التوازن ما بين الإدارة والمواطنين – تفعيل المسؤولية الشخصية لموظفي الدولة – إعادة الثقة في نوعية من المسؤولين الحكماء والنزهاء – الإبداع من خلال ابتكار نوع جديد من التنظيم للنشاط الإداري بشكل عاجل). وبالتالي أوصت اللجنة بضرورة وضع اللوبي الإداري تحت ضغط الفعالية وضغط تلبية مطالب المرتفقين من خلال الحضور وجودة الخدمات، وفي حالة العكس تفعيل المسؤولية الشخصية للوبي الإداري.

كما أن اللجنة دعت الوزير إلى تقوية اليد المعلومة للوزراء، والمكونة من الوزير السياسي والديوان المحترف والذي يضم شخصيات الوزن الثقيل والخبراء، من أجل توفير الإمكانات الأولية لمواجهة اليد الخفية للإدارة ودمجها في استراتيجية النخب الوزارية. (يحكي أحد الإداريين المغاربة المحال على التقاعد والذي اشتغل إلى جانب مجموعة من الوزراء، أن واحدًا منهم فقط حسب رأيه كان وزيرًا خبيرًا ويملك رأسًا مكونًا بشكل جيد ومحاطًا بديوان وازن ونوعي، مما مكنه من جعل الإدارة في خدمة الأجندة الوزارية وليس العكس، وهو المرحوم مزيان بلفقيه).

رابعًا) المغرب الصاعد في حاجة إلى نخب وزارية تملك جسدًا واحدًا وليس جسدين (الجسد الرسمي والعلني الذي من المفروض أن يخدم المصلحة العامة، والجسد غير الرسمي والمخفي الذي يخدم المصالح الشخصية والمصالح الفئوية ومصالح الرأسمال)

الباحث ميشيل فوكو سيؤكد أن السلطة تحمل في طياتها الوجهين: الوجه الرسمي والوجه غير الرسمي. الوجه الرسمي للنخب الوزارية هو الوجه الذي يشتغل تحت سقف المظلة القانونية والشرعية والمصلحة العامة والفعالية والنتائج. والوجه غير الرسمي للنخب الوزارية هو الوجه الذي يشتغل خدمة للمصالح المخفية وغير الشرعية والتي لا تخدم المصلحة العامة. وبالتالي، فإن النخب الوزارية قد تجد نفسها موزعة بين وجهتين متناقضتين.

وهنا نستحضر نظرية إرنست كانطوروفيتش حول توفر الملكية في أوروبا على جسدين: جسد مادي (الشخص) وجسد رمزي (الدولة أو الأمة). الباحث الفرنسي ليك بولتونسكي سيطبق هذه النظرية على شخصيات السلطة، ومنهم الشخصيات الحكومية، وسيستنتج أن الشخصيات الوزارية هي كذلك تمتلك الجسدين: جسد الوزير العلني والشرعي والقانوني، وجسد الوزير المخفي وغير العلني وغير الشرعي. وبالتالي، فإن النخب الوزارية لا تمتلك فقط الجسد الشرعي المحدد في الوثيقة الدستورية والقوانين والمراسيم، بل وكذلك جسدًا خارج المظلة القانونية.

مقاومة الجسد غير العلني وغير الشرعي وغير القانوني ابتكر له القانونيون مفهوم “تضارب المصالح”، والتي مفادها أن النخب الوزارية التي تمتلك مهمة رسمية محددة هدفها خدمة المصلحة العامة، تحتل في مواقع أخرى (عالم الاقتصاد والمال، وعالم المصالح، وحتى عالم الفساد) موقعًا غير رسمي تمتلك فيه مصالح خاصة مرتبطة بالمصلحة الشخصية أو مرتبطة بخدمة مصالح فئوية وزبونية غير مرتبطة بالمصلحة العامة. وقد يتفوق الجسد الوزاري غير الرسمي على الجسد الوزاري الرسمي الذي يخدم المصلحة العامة. والخطر الكبير يتمثل في إمكانية تحول الجسد الرسمي والشرعي والقانوني إلى خدمة الجسد غير الشرعي وغير القانوني والمخفي، وهنا تكمن الخطورة الكبرى التي تجعل النخب الحكومية في خدمة المصالح الخاصة بدل خدمة المصلحة العامة. بينما المفروض أن يخدم الجسد غير الرسمي وغير العلني للنخبة الوزارية الجسد الوزاري العلني الذي يكون في خدمة المصلحة العامة.

(وهنا وجب التأكيد، أن القوة السياسية التي تصدرت انتخابات ما بعد دستور 2011، توفرت لها كل الظروف لبناء ركائز الدولة القانونية التي تكبل جسد السلطة (النخب الوزارية) غير الرسمي وغير القانوني، من خلال إشرافها على تنزيل دستور 2011 وقوانينه التنظيمية وترسانته القانونية، ولكنها افتقدت للقدرة والإرادة النوعية لترسيخ الانتقال من مربع القوة الشعبية إلى مربع القوة الفكرية القوية القادرة على التنزيل القانوني الفعلي للدستور 2011).

الخلاصة

النخب الوزارية التي يفرضها المغرب الصاعد هي نخب وزارية تملك طرقًا جديدة للفعل السياسي، وقادرة على تحويل الفعل السياسي من مربع الكيلومتر الأول إلى مربع الفعالية والكيلومتر الأخير. النخب الوزارية التي يتطلبها تنزيل وبناء المغرب الصاعد هي نخب بحقيبة أفكار جديدة، تركز قوتها على أفكار واضحة، وتركز جهودها كذلك على تنفيذ أهداف محددة مرتبطة بالكيلومتر الأخير. ومن خلال ذلك فقط قد يستطيع الوزير الفعلي والحقيقي مواجهة اللوبي الإداري الذي يتقن ببراعة خنق النخب الوزارية من خلال إشغالهم بالملفات والأهداف التافهة، حتى يوهمهم بأنهم يحكمون وزارتهم فعليًا، ولا يستشعرون ذلك إلا بعد مغادرتهم الوزارة. وعند ذلك يتحججون بأنهم واجهوا “الدولة العميقة” و”اللوبي الإداري” و”التماسيح” و”العفاريت”. ولكن الحقيقة المرة هو ما سبق وأكد عليه أحد الحكماء القدامى عندما قال: “كنت أظن أنني أواجه عدوًا حقيقيًا، ولكن اتضح لي في الأخير أن العدو كان هو أنا – العاجز والفاشل –”.

-باحث في العلوم السياسية والمالية العامة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • amaghrabi
    الثلاثاء 23 دجنبر 2025 - 13:29

    صراحة كما يقول المثل “اختلط الحابل بالنابل” وليس على المستوى المغربي فقط وانما ازمة على المستوى العالمي ولقد عشنا حالة ماكرون مع الحكومات الفاشلة والازمة ما زالت مستمرة وبالتالي في اعتقادي في مغربنا ازمة مضاعفة لاننا اولا دولة في طريق النمو ولها تحديات كثيرة اولها اعداء وحدتنا الترابية وثانية شعبنا الذي جله يعاني من التربية السليمة وحكامنا او السياسيين المغاربة هم من ابناء شعبنا ويتغذون تربية من شعبنا ومن اسرنا ومن مجتمعنا وبالتالي فنحمد الله على اننا ما زلنا نعيش في سلم وسلام لان المخاطر تحدق بنا من كل جانب والتحديات كثيرة ومتنوعة ونرجو من الله ان يوفقنا

صوت وصورة
منتدى الأعمال الإماراتي المغربي
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 14:12

منتدى الأعمال الإماراتي المغربي

صوت وصورة
لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 13:22

لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر

صوت وصورة
الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 12:30 10

الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 12

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي