ليس الصمت، في ذاته، موقفًا سلبيًا بالضرورة، فقد يكون أحيانًا تعبيرًا عن التأمل أو الحكمة أو انتظار اللحظة المناسبة. لكن حين يتحول الصمت إلى حالة عامة، ويصبح سمة الغالبية داخل فئة يُفترض فيها إنتاج المعنى ومساءلة الواقع، فإن الأمر يتجاوز الاختيار الفردي ليغدو ظاهرة تستحق التفكيك. من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح مؤلم: لماذا صمت مثقفو المغرب؟ وكيف تراجع دورهم في المجتمع والسياسة إلى هذا الحد، في لحظة تاريخية يشتد فيها الحاجة إلى الفكر أكثر من أي وقت مضى؟
لقد كان المثقف المغربي، في مراحل متعددة من تاريخ البلاد، فاعلًا مركزيًا في تشكيل الوعي الجماعي، ومساهمًا في النقاش العمومي، وخصمًا عنيدًا للبداهات السائدة. لم يكن دائمًا منتصرًا، لكنه كان حاضرًا، مزعجًا، مشاكسًا، يُربك السلطة، ويُحرج المجتمع، ويُذكّر الجميع بأن السياسة دون فكر تتحول إلى تدبير أعمى. غير أن هذا الدور أخذ في التآكل تدريجيًا، لا بفعل القمع المباشر وحده، بل بفعل تحولات أعمق وأخطر، مست بنية السياسة، ووظيفة الثقافة، وموقع المثقف نفسه.
أول هذه التحولات يتمثل في تغيّر طبيعة الفعل السياسي. فالسياسة، كما تُمارَس اليوم، لم تعد في حاجة إلى الأفكار بقدر حاجتها إلى التقنيات، وإلى إدارة التوازنات بدل صياغة المشاريع. لم تعد تسأل “لماذا” بقدر ما تنشغل بـ“كيف”، ولم تعد ترى في الفكر قوة اقتراح، بل مصدر إزعاج. في هذا السياق، يصبح المثقف كائنًا فائضًا عن الحاجة: لا يُقمع بالضرورة، بل يُترك خارج اللعبة، يتكلم دون صدى، وينتقد دون أثر. وهكذا، يتحول الصمت إلى نتيجة طبيعية للإحساس باللاجدوى.
لكن التهميش لم يكن الشكل الوحيد لإبعاد المثقف، بل برزت صيغة أكثر نعومة وفاعلية: الاستيعاب. فقد جرى إدماج بعض المثقفين داخل مؤسسات الدولة، أو الإعلام، أو دوائر القرار، لا بوصفهم ضمائر نقدية، بل باعتبارهم خبراء وتقنيين ومحللين. هذا التحول من “مثقف نقدي” إلى “مثقف خبير” ليس بريئًا، لأنه ينزع عن الفكر طابعه الإزعاجي، ويحوّله إلى أداة شرح وتبرير بدل التفكيك والمساءلة. ومع الوقت، يتعوّد المثقف على هذا الدور الجديد، ويُقنع نفسه بأن الواقعية تقتضي الصمت عن الأسئلة الكبرى.
في المقابل، يتحمل المثقف نفسه جزءًا لا يُستهان به من المسؤولية. فقد اختار كثيرون الانسحاب الطوعي، والاحتماء بالمجال الأكاديمي أو الثقافي الضيق، حيث تُنتج المعرفة من أجل الترقية أو الاعتراف المؤسساتي، لا من أجل التأثير الاجتماعي. الجامعة، التي كان يُفترض أن تكون مصنع النقد، تحولت في حالات كثيرة إلى فضاء بيروقراطي، يُكافئ الامتثال أكثر مما يكافئ الجرأة، ويُنتج خطابًا موجهًا للنخب لا للمجتمع. ومع هذا الانفصال، فقد المثقف تدريجيًا قدرته على مخاطبة الناس، وعلى ترجمة الأفكار إلى لغة مفهومة ومؤثرة.
كما لا يمكن إغفال أثر التحولات الإعلامية والرقمية. ففي زمن السرعة، تراجعت قيمة الفكرة العميقة لصالح الرأي السريع، والجدل السطحي، والخطاب الانفعالي. لم يعد المثقف يحتل موقعًا مركزيًا في تشكيل الرأي العام، بل صار ينافس مؤثرين بلا معرفة، وخطابات بلا عمق. هذا الواقع دفع بعض المثقفين إلى العزلة، وكرّس لدى آخرين قناعة خاطئة مفادها أن المجتمع لم يعد بحاجة إلى الفكر، وأن الصمت أرحم من الصراخ في فضاء لا يصغي.
غير أن أخطر ما في هذا الصمت ليس أسبابه، بل نتائجه. فحين يغيب المثقف، لا يبقى الفراغ فارغًا، بل تملؤه خطابات التبسيط، والشعبوية، واليقينيات الجاهزة. يغيب السؤال، وتحل مكانه الإجابة السهلة. يغيب النقد، فيسود التبرير. ويُترك المواطن وحيدًا أمام واقع معقد، بلا أدوات للفهم أو للمساءلة. عندها، تصبح السياسة أكثر فقرًا، والمجتمع أكثر هشاشة، والديمقراطية أكثر شكلية.
إن السؤال “لماذا صمت مثقفو المغرب؟” لا ينبغي أن يُفهم كاتهام أخلاقي، بل كدعوة إلى مراجعة جماعية. فالمثقف ليس نبيًا ولا بطلًا، لكنه حامل لمسؤولية تاريخية: مسؤولية إنتاج المعنى، وكشف التناقضات، ورفض التطبيع مع الرداءة. والاستيقاظ هنا لا يعني الصراخ أو الخطابة، بل استعادة الوظيفة النقدية للفكر، والنزول بالأفكار من الأبراج إلى الواقع، والانخراط في النقاش العمومي دون خوف أو تواطؤ.
فالكلام، مهما بدا ضعيفًا، يظل أقل خطورة من الصمت حين يصبح هذا الأخير تخلّيًا عن الدور. والتاريخ، وإن كان قاسيًا، لا يحاسب المثقفين على أخطائهم بقدر ما يحاسبهم على صمتهم الطويل. لذلك، فإن استعادة صوت المثقف المغربي ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط استعادة المعنى في السياسة، والكرامة في المجتمع، والأمل في المستقبل.
“In the end, we will remember not the words of our enemies, but the silence of our friends”
“في النهاية، لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل سنذكر صمت أصدقائنا”
Martin Luther King
(1929-1968)
“L’écrivain n’est pas un spectateur، c’est un acteur”
“الكاتب ليس مجرد متفرج، بل هو فاعل وممثل على مسرح الأحداث”
Simone de Beauvoir
(1908-1986)
“A veces، el silencio es la peor mentira”
“أحياناً،يكون الصمت هو أسوأ أنواع الأكاذيب”
(أطلق هذه الصرخة في وجه الفاشية، تخدم فكرة المقال بأن الصمت ليس حياداً بل انحيازاً)
Miguel de Unamuno
(1864-1936)
أستاذي،
المسؤولية التي تقع على عاتق المثقف المغربي اليوم ليست مجرد ترف معرفي، بل هي ضرورة وجودية لتصحيح المسارات المنحرفة ومواجهة طغيان التقنية على القيم الإنسانية. وأعتقد أن استعادة هذا الدور تتطلب شجاعةً في النزول إلى الميدان الرقمي ومخاطبة الوجدان الشعبي بلغة تجمع بين الرصانة والبساطة، لقطع الطريق أمام التبسيط الشعبوي الذي يقتات على غياب العقل النقدي. فالرهان الحقيقي يكمن في تحويل المعرفة من “مخزن أكاديمي” مغلق إلى “طاقة حركية” تلهم المجتمع.
ALHOCEIMA
أرى أن صمت المثقف المغربي لا يعود إلى الحكمة بقدر ما يرتبط بخوف عام نابع من بنية ذهنية تميل في أغلبيتها إلى الإمعية والنفاق المرحلي بدل الجهر بالموقف الواضح. يظهر ذلك جليا حين يعبر الناس في نقاشاتهم الخاصة عن مواقف نقدية تخالف الفهم الرسمي أو الجمعي ثم يتراجعون عنها في الفضاء العام خشية الوصم أو المتابعة أو اتهامهم بالتخوين أو بعدم الأهلية لفهم تعقيدات المسائل السياسية. وحتى إذا فتح هامش محدود للنقاش فإن الأمر سرعان ما يؤول إلى تبريره بإكراهات جيوسياسية أو دولية أو اقتصادية تجعل النقد مخاطرة قد تهدد ما تحقق من نجاح أو ما يرجى من مكاسب مستقبلية. هكذا يتحول الصمت من اختيار فردي إلى سلوك جماعي دفاعي وتغيب مساءلة الواقع من المجال العام. غير أن هذه المسؤولية لا تقع على المثقف وحده بل تشمل أيضا كل فرد عاقل ينشد الخير لشعبه وبلده لأن القبول بالصمت وتعدد الأقنعة يكرس الرداءة ويؤجل الوعي ويجعل المجتمع أسير الخوف بدل أن يكون شريكا في صناعة المعنى والمستقبل والازدهار المنشود عبر إرساء ديمقراطية تليق بكرامة الشعب وتتجسد في بناء دولة الحق والقانون.