استمرار التدخين في الفضاءات العمومية يختبر صلابة النصوص القانونية بالمغرب

استمرار التدخين في الفضاءات العمومية يختبر صلابة النصوص القانونية بالمغرب
صورة: أرشيف
السبت 24 يناير 2026 - 04:00

قال فاعلون حقوقيون وأطباء مغاربة إن “استمرار التساهل في تطبيق القوانين المنظمة لمنع التدخين في الأماكن العامة يشكل خرقا صريحا للحق في الصحة، وتقاعسا مؤسسيا عن حماية المواطنين من أخطار مثبتة علميا”، معتبرين أن “الإبقاء على نصوص قانونية دون تفعيلها، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، يفرغ السياسة الصحية من مضمونها ويحوّل القانون إلى مجرد إعلان نوايا لا أثر له على الواقع اليومي للمغاربة”.

ويمنع القانون رقم 15.91، الصادر سنة 1991 والمحين سنة 1995، التدخين في الأماكن العمومية. وتحدد المادة الرابعة منه “مكانا عموميا، بمقتضى هذا القانون، كل مكان معد للاستعمال الجماعي وكل مرفق عمومي وكذا المؤسسات العامة والمكاتب الإدارية”.

وهكذا، فإنه “يمنع التدخين بالأماكن العمومية الآتي ذكرها على سبيل المثال: المكاتب الإدارية المشتركة وقاعات الاجتماعات بالإدارات العمومية وشبه العمومية والخاصة؛ المستشفيات والمصحات ودور النقاهة والمراكز الصحية والمصالح الوقائية بجميع أصنافها؛ وسائل النقل العمومي، باستثناء المناطق المخصصة للتدخين”، وفق المادة ذاتها.

“تدخل تشريعي”

شدد عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، على الحاجة إلى “القيام بتحرك تشريعي إضافي بخصوص التدخين في الأماكن العمومية؛ وذلك إما من خلال معالجة الحيثيات التي رافقت عدم تطبيق النص القانوني السابق أو عبر طرح تعديل جديد يمكن أن تقوم المؤسسة التشريعية بإعداده أو تتولى الحكومة تقديمه، في إطار حماية الحق في بيئة سليمة، وكذا حماية الصحة العامة”.

وأشار تشيكيطو، في تصريح لجريدة هسبريس، إلى أن “واقع التدخين في الفضاءات المشتركة، رغم خطورته، يظل في بعض الأحيان حالات معزولة، إذ لا يتم بالكثافة نفسها في جميع الأماكن العمومية، كما يختلف من مدينة إلى أخرى”، مسجلا أن “هذا الأمر يرتبط بدرجة كبيرة بوعي المواطنين وسلوكهم الفردي؛ وهناك من يحرص، بدافع الوعي والمسؤولية، على الابتعاد عن الآخرين أثناء التدخين أو الاستئذان قبل القيام بذلك”.

وأفاد رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بأن “هذا الوضع يظل مرتبطا، في ظل غياب التطبيق الصارم للقانون، بالحاجة إلى نص قانوني واضح وملزم يهدف إلى توحيد الممارسة ووضع حد للاجتهادات الفردية من طرف المواطنين”، لافتا إلى أن “أي تدخل تشريعي في هذا الاتجاه ينبغي أن يكون مرفوقا بحملات تحسيسية وتوعوية مستمرة تُبرز مخاطر التدخين وانعكاساته السلبية على صحة غير المدخنين، خاصة الفئات الهشة كالأطفال والنساء وكبار السن”.

وبيّن الفاعل الحقوقي سالف الذكر أن “حماية الصحة العامة وتحصين الحق في بيئة سليمة هي مبادئ دستورية ومطالب حقوقية كونية سارية تستدعي أن تُترجم إلى سياسات عمومية فعالة وآليات زجرية واضحة، مع تضافر جهود المشرع والحكومة والمجتمع المدني، بما يضمن احترام الفضاءات العمومية وتحقيق التوازن بين الحريات الفردية ومتطلبات الصحة العامة”.

“قتل صامت”

رفض الطيب حمضي، الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية، “استمرار عدم تطبيق القوانين واحترامها، ولا سيما تلك المتعلقة بمنع التدخين في الأماكن العامة، طيلة ثلاثة عقود كاملة”، معتبرا أن “هذا الوضع يفتقد إلى أي منطق قانوني أو سياسي أو اجتماعي أو صحي، ويعبر عن تقاعس لا يمكن فصله عن نفوذ صناعة التبغ التي ما فتئت تمارس ضغوطا متعددة لعرقلة سن القوانين وتعطيل تبني تشريعات جديدة تحد من التدخين”.

وأوضح حمضي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “كلفة هذا التراخي باهظة جدا على المغرب، على الرغم من أن المعطيات العالمية تُظهر تراجعا ملحوظا في نسب التدخين خلال العشرين سنة الأخيرة، بفضل تنامي الوعي الصحي وتراكم الأدلة العلمية التي تبرز مخاطره”.

وفي هذا الصدد، لفت الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية إلى أن “المغرب عرف بدوره انخفاضا في عدد المدخنين بوتيرة قريبة من المعدلات العالمية؛ وهو ما يعكس مجهودا مهما في مجال التحسيس، غير أن هذا التقدم يظل هشا في ظل غياب التطبيق الصارم للقوانين الزجرية”.

وسجل المتحدث عينه أن “الأرقام تُظهر أن شخصا واحدا من بين كل خمسة مغاربة فوق سن 15 مدخن؛ بينما يتعرض 41 في المائة من السكان للتدخين السلبي، سواء في الأماكن العامة أو داخل الأسرة أو في أماكن العمل”.

وأضاف حمضي أن “60 في المائة من المغاربة، أي 3 من كل 5، يتعرضون للتدخين في الفضاءات العمومية؛ ما يعكس اتساع رقعة الظاهرة وتأثيرها على غير المدخنين”.

وتفصيلا، ذكر الطبيب ذاته أن “مغربيا واحدا من كل 3 مغاربة يتعرض للتدخين داخل الأسرة بنسبة تقارب 30 في المائة؛ فيما يتعرض مغربي واحد من كل 6 للتدخين في أماكن العمل بنسبة تصل إلى 17 في المائة”، محذرا من أن “التدخين السلبي ليس مجرد إزعاج عابر؛ بل يعد سببا مباشرا في الوفاة، عبر ما يخلفه من أزمات قلبية وأمراض القلب والشرايين والجلطات الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي، إضافة إلى أنواع مختلفة من السرطانات”.

وشدد الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية على أن “دور الدول لم يعد يقتصر اليوم على تطبيق قوانين تعود إلى تسعينيات القرن الماضي”، مستحضرا تجربة فرنسا التي قررت منع التدخين نهائيا في الشواطئ والحدائق وبالقرب من المدارس”؛ فالهدف، حسب المصرح سالف الذكر، “لا يقتصر على حماية الأطفال فقط؛ بل يتجاوز ذلك إلى محاربة تطبيع التدخين في الفضاء العام، حتى لا يُقدم كسلوك عادي ومقبول اجتماعيا”.

وخلص الطيب حمضي، في التصريح ذاته، إلى أن “التحدي الحقيقي يكمن في ترسيخ قناعة جماعية بأن السيجارة ليست أمرا طبيعيا؛ بل خطرا يقتل المدخن ومن يحيط به على حد سواء”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • سعيد
    السبت 24 يناير 2026 - 04:13

    السلام عليكم ورحمه الله والله أحييكم على هذا العنوان تحياتي لكل مغربي أينما كان

  • Youssef bcn
    السبت 24 يناير 2026 - 07:36

    راه عيب التدخين داخل المقاهي و الاماكن العمومية

  • SAMIR
    السبت 24 يناير 2026 - 09:01

    تعاطي السجائر في الأصل لا يجوز شرعا حسب معضم كبار فقهاء الدين الإسلامي والمذاهب الدينيه .لكن كما نرى أصبح الموضوع ليس كذالك .
    وطبعا يبقى شهر رمضان خط أحمر..

  • اقشمير
    السبت 24 يناير 2026 - 09:38

    يجب اصدار قانون صارمة يجرم التدخين بالاماكن
    العمومية وبالاخص داخل المقاهي لما تلجها
    ترى سحابات من الدخان تتطاير فى الهواء يشمها
    الغير المدخن اما المدخن موالف بها وهاته
    الظاهرة من مسببات الامراض كداء السل
    لا يريدون تطبيق القنون كون السجائر تدر اموال
    طائلة اما صحة المواطن وجيوبهم لا تهمهم
    الله يجيب لى يفهمنا بدون خطابات ضيقة

  • السعيد
    السبت 24 يناير 2026 - 10:03

    اتسال لمادا لا يطبق القانون مثل اربا. التدخين فى المقاهى رغم ان لديهم فضاء خارج المقهى.بل حتى فى الطاكسي. اتمنى ان يطبق القانون. / مكناس

  • مضايقات مزعجة .
    السبت 24 يناير 2026 - 10:17

    لا اعرف من يزعج من المدخنون يقصدون المقاهي من التدخين لا من اجل ان يجلس بجانبهم شخص يتدمر مع كل نفس سيجارة . أحيانا اضطر لمتابعة مباراة في العصبة دون ان ادخن ولو سيجارة واحدة ارضاء لزبون يبدو أنه لايدخن فلا اجد متعة في المشاهدة بدون تدخين سيجارة او اثنتين .

  • مواطن
    السبت 24 يناير 2026 - 10:48

    اجزم ان الذين يدخنون داخل المقاهي لا يدخنون داخل منزلهم تجنبا لتسميم ذويهم . فبغظ النظر عن القانون الذي يمنع التدخين بالاماكن العمومية , أقول للمدخنين داخل المقاهي اتقوا الله في صحتكم وصحة الٱخرين . والأ تسمموا ان شئتم لكن تحنبوا تسميم الٱخرين

  • مضايقة مستفزة .
    السبت 24 يناير 2026 - 11:09

    الذين يدخنون في المقاهي يختارون اماكن تسمح لهم بذالك المزعجون هم الذين لايدخنون وياتون للمقهى وبتدمرون من كل مدخن رغم انهم لايشكلون اغلبية الرواد ولو اعتمد عليه صاحب المقهى لاغرقته الديون .

  • ياسين
    السبت 24 يناير 2026 - 11:22

    ال صاحي التعليق رقم 8.
    رواد المقاهي من غير المدخنين كثر. لكن لا يمكن ملاحظتهم لأنهم لا يثيرون اي انتباه. ليس مثل المدخن الذي بمجرد جلوسه يبدء بنشر دخان سجائره الكريه الرائحة. يقول المثل العالمي. “شجرة تسقط تثير ضوضاء أكبر من غابة تنمو. ”
    المقهى الذي ارتاده من أجل العمل منع التدخين كليا داخل المقهى و سمح به فقط في الكراسي الخارجية. النتيجة هو امتلاء المقهى أكثر من ذي قبل. حتى نوعية الزبائن سارت أفضل. هدوء واحترام متبادل. لا أصوات وعالية لا ضحكات وقهقهات منكرة.

  • مغربي
    السبت 24 يناير 2026 - 14:39

    المقاهي أصبحت مرتعا وملاذا المدخنين على حساب ملايين المغاربة الذين يعانون من ظاهرة التدخين بالمقاهي دون ان تكون هناك عقوبات زجرية رغم وجود القوانين وكذلك ان قلة من ارباب المقاهي من يخصص قاعة لغير المدخنين و حتى المطاعم لاتفرض القوانين لعدم التدخين داخلها فمن سيرغم هؤلاء على تطبيق القانون؟

  • 01010101
    السبت 24 يناير 2026 - 16:18

    التدخين ممنوع في الأماكن العمومية .تطبيق القانون يقتضي احيانا التدرج لكنه يتوقف دائما على الحزم وعدم التراخي..عندما يدخن شخص قربك في المقهى وتظهر له عدم رضاك على ذلك يجيبك بوقاحة هذا مقهى ومن لا يعجبه حاله فليبحث عن حل لمشكله..الحل كما يبدو هو على الاقل في مرحلة أولى منع التدخين في افضاءات المغلقة المعدة للعموم وفرض تخصيص فضاءات لغير المدخنين في انتظار التعميم وارتفاع وعي بعض المدخنين .

  • ع.الحق
    الأحد 12 يوليوز 2026 - 13:00

    يُعد التدخين في المقاهي موضوعاً يثير جدلاً مستمراً بين حق المدخنين في الاستمتاع بوقتهم، وحق غير المدخنين في بيئة صحية خالية من أضرار التدخين السلبي. تتجه العديد من التشريعات، بما فيها القوانين المغربية ، إلى تقنين هذه الظاهرة وحظرها بالأماكن المغلقة، غير أن تطبيقها يواجه تحديات عملية في الواقع نظراً لخوف أصحاب المقاهي من فقدان الزبائن المدخنين .
    يجب على السلطات التدخل بحزم لردع هذه الظاهرة المشينة ،بتغريم المخالفين لتطبيق القانون صونا لبيئة خالية من التدخين.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام