تُؤكِّد طالبات المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بتطوان عُلُوَّ كَعْبِهِنَّ، وقدرتَهُنَّ على إبداع تصاميم هندسية معمارية مستدامة، وتستجيب للذوق الاجتماعي والثقافي للبيئة المحتضنة لها، من خلال الفوز للمرة الثانية على التوالي في مسابقة Saint-Gobain Architecture Student Contest.
وهي مسابقة دولية مخصصة للهندسة المعمارية المستدامة والابتكار في البناء، تتحدى طلاب الهندسة المعمارية من جميع أنحاء العالم حول دمج الرهانات البيئية المعاصرة مع الإتقان التقني ذي بُعدٍ جمالي وواقعي عملي، مرتبطة بمجالها الترابي. كما فازت طالبات الهندسة بمباراة تصميم المعرض الفلاحي الدولي بمكناس 2026، التي تنظمها مجموعة القرض الفلاحي. وقد غاب بشكل لافت الجنس الذكوري عن المنافسة في مجال عُدَّ فيما سبق رجاليًا. وقد تزامن هذا التألُّق والتتويج لمهندسات المستقبل مع افتتاح مسرح محمد السادس بالرباط، الأيقونة التي أبدعتها المهندسة المعمارية ذات الأصول العراقية زها حديد،
التي صممت العديد من الصروح المعمارية، إذ تصل إلى حوالي 955 بناية، منتشرة عبر ربوع 44 دولة تحمل بصمتها الخاصة، أشادت بها صحف ومجلات عالمية، كما كانت محطَّ تكريم دولي. وبعبقريتها وموهبتها الفَذَّة، انضافت إلى شقيقاتها من بنات حواء لتحرير الهندسة المعمارية من قبضة الرجال، بعد المجهود الذي قامت به المهندسة كاثرين غال القائلة: إنها «مُصَمِّمة على تسليط الضوء على النساء المؤثِّرات وإسهامهن»، بعدما كانت أول امرأة أُسندت لها حقيبة الإسكان في فيينا، حيث أشرفت على إقامة حي من تصميم النساء، في بلاد تُكرِّم 92% من شوارعها وساحاتها للرجال. وقبلها، فازت ماريون ماهوني بتصميم مشروع كانبيرا عاصمة أستراليا، لكن التكريم حظي به شريكها، مما يكرِّس «حذف النساء من الصورة» (كاتيا شيشتر)، وخصوصًا في المجال المعماري، حيث الشواهد كثيرة على تقدير الرجال فقط، وقد شاركهم في العمل النساء. ولم تُمنح جائزة بريتسكر (بمثابة نوبل في الهندسة) لامرأة سوى سنة 2004 لـ«ملكة المنحنيات» زها حديد.
كل هذا يشهد على الإصرار والتدافُع التي خاضته المهندسات المعماريات لإثبات جدارتهن في تشكيل علاقة الإنسان بالفضاء، والمدينة خاصة. فكما يُقال: «إذا أحب المهندس مدينةً، أوقع في حبها الملايين من بعده»، فالأمر يستحق بذل الجهد والكد، فالقضية قضية خلود حضاري وذِكْر تاريخي لا يُنسى، عبرت عنها المهندسة المعمارية أليسون بروكس: «إننا نكبر مع آلهة وأبطال كلهم رجال». مسيرة أثمرت نساءً يفوق عددهن بكثير عدد الرجال بمدارس الهندسة، فـ57% من خريجي المدارس المتفوقين في العلوم والرياضيات والهندسة من الإناث في الدول العربية (اليونسكو)، و42.2% في المغرب، والأرقام مرشحة للارتفاع لصالح الإناث.
لقد أثمر التكوين الهندسي المعماري في المغرب أسماءً نسائية حازت على جوائز دولية، وصمَّمَت منشآت عمرانية تأسر الألباب، وذات وظائف اجتماعية وبيئية جد حيوية. فقد حصلت المهندسة سليمة الناجي على الجائزة الدولية للمهندسات المعماريات سنة 2025، لدمجها التراث والاستدامة في مشاريعها. وغير بعيد عن هذا التوجه، حصلت زينب عنجبار على جائزة للتصميم يجمع بين التقليد والاستدامة الحديثة. كما نجد أخريات بلغن درجات عليا في تخصصهن من جامعات مغربية، كالمهندسة مريم حرتي أول مهندسة تنال الدكتوراه في الهندسة المعمارية من جامعة محمد الخامس، وعزيزة شاوني التي نالت الماجستير من جامعة هارفارد في الهندسة المعمارية، والتي طورت نموذج البيت المستدام المضاد للزلازل عقب زلزال الحوز. وأخريات بصَّمنَ على مشاريع معمارية ذات بعد صحي وبيئي كالثنائي سلمى وسلوى ميكو.
لا يجادل أحد في كون الهندسة المعمارية الأكثر إسهامًا في بناء الحضارات، وتبقى منجزاتها الشاهد الحي على المستوى الذي بلغه الإنسان من الرقي عبر الأزمنة. ولولا انخراط المرأة بفعالية في عمليات البناء والتشييد منذ أمد بعيد، لما وصلنا هذا الثراء المعماري، ونحن نعلم أن النساء هن من تولين هذا الأمر في فترة كان الرجال يُرسلون إلى الجبهات الحربية، كما هو حال كاترين بريزونت (1492–1596)، التي ساهمت بقوة في تصميم قلعة تشينوسنيو، حين كان زوجها حاملاً للسلاح في الحروب الإيطالية. وفي الزمن المعاصر حيث الصورة هي المهيمنة، وأخذت مكان كل العبارات والكلمات، وحيثما وُجِدت الصورة فثمة عمارة على تعبير مريم حرتي، فأن تتواجد في دنيا الناس رجلاً وامرأةً، لا غنى من إنتاج الصورة بأبعادها المختلفة، والتي «يمتزج فيها الفن بالإبداع مع التخطيط والعمليات الحسابية ومبادئ الفلسفة الطبيعية».
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.