صدر حديثا عن دار الخيام للنشر والتوزيع إصدار جديد موسوم بعنوان “ابن الفحم” لصاحبه عبد الكريم حامدي، العامل السابق بعمالة المضيق الفنيدق، في باكورة أعماله الأدبية.
ويشكل هذا الإصدار النوعي سيرة للذاكرة أكثر منه سيرة لمنصب أو مسؤولية؛ فهو يستحضر ذاكرة طفل نشأ بين غبار الفحم وصفارات المناجم، حاملا في داخله أحلاما أكبر من حدود الحيز الجغرافي الذي نشأ فيه، فمن قلب جرادة وحاسي بلال، حيث كان الفحم يطبع الوجوه بلونه وتلازم معاناة العمل المنجمي تفاصيل الحياة اليومية، تشكلت ملامح رحلة إنسانية امتزجت فيها قسوة العيش بدفء العلاقات الإنسانية.
ويستعيد الكاتب مسارا تتقاطع فيه محطات الطفولة والمنجم، والدراسة والإدارة، والكفاح والنجاح، في وفاء دائم للجذور الأولى، مؤكدا أن الإنسان، مهما ابتعدت به الدروب وتعددت مسؤولياته، يظل ابن بيئته الأولى وابن ذاكرة لا تموت. فمن كان طفلا وابن عامل بمنجم للفحم، غدا موظفا ومسؤولا بـ”أم الوزارات”؛ وزارة الداخلية، دون أن يفقد صلته بالمكان الذي شهد بداياته.
ولم يكتب عبد الكريم حامدي هذه الصفحات بدافع صناعة الأدب أو ادعاء امتلاك أدواته، بقدر ما سعى إلى رد الجميل للذاكرة وتوثيق جزء من تاريخها. مفضلا تدوين تجربة شخصية تحمل في طياتها ملامح ذاكرة جماعية، وأن يستعيد وجوها وأمكنة وأزمنة طبعت حياته وحياة جيل كامل.
ويأتي هذا الإصدار كمحاولة لحفظ تلك الصور من النسيان، وإبقاء تفاصيلها حية في الوجدان، لعل القارئ يجد بين سطوره شيئا من زمنه الخاص؛ لأن حكايات الطفولة، مهما اختلفت الأمكنة والظروف، تظل متشابهة في براءتها وصدقها وعمق أثرها.
ولا يبحث المسؤول السابق بوزارة الداخلية من خلال هذا العمل عن بطولة فردية أو مجد شخصي، بقدر ما يروي قصة إنسان ظل وفيا لجذوره، وممتنا للأشخاص والأمكنة التي أسهمت في تشكيل مساره. وما ترويه هذه الصفحات ليس سوى جزء من ذاكرة أوسع لجرادة وحاسي بلال، بكل ما تختزنه من حكايات وتضحيات وأحلام.
ويعد “ابن الفحم” رحلةً في الذاكرة شكّلت ملامح طفولة المؤلف وأسهمت في بناء شخصيته؛ رحلة انتقل فيها، بعد مسار طويل من المثابرة والتحديات، من ابن عامل منجم وُلد في بيئة يطبعها الفحم وتحدياته، إلى رجل سلطة تدرج في مختلف مهام الإدارة الترابية، من قائد قيادة وباشا مدينة إلى عامل عمالة، مساهما في تدبير شؤون المواطنين وخدمة المرفق العام.
ويأخذ “ابن الفحم” قارئه على متن قاطرة الزمن، ليعيش جانبا من تفاصيل الطفولة في مدينة منجمية بما تحمله من براءة وألعاب وتحديات، وليتعرف، من خلال تجربة إنسانية صادقة، على جانب من المهام والمسؤوليات التي يضطلع بها ذلك الرجل الذي يُعرف في المغرب باسم “رجل السلطة”.
تُعدّ جرادة مدينةً منجمية بامتياز منذ سنة 1936، وقد احتضنت على مر العقود سكانًا قدموا من مختلف مدن وجهات المملكة، خاصة منذ ستينيات القرن الماضي، حين كان الفحم الحجري يُعتبر أحد أهم مصادر الطاقة وأكثرها استراتيجية مقارنة بالبترول.
ارتبط اسم جرادة بمدينة العمال والكادحين، فرغم ما خلفه العمل في المناجم من أمراض ومعاناة، فقد ساهم في تشكيل شخصية أجيال من شبابها وأطفالها، وغرس فيهم قيم التضامن والعمل والاجتهاد. كما عرفت المدينة اهتمامًا كبيرًا بالتعليم، إذ كانت المدارس متوفرة بشكل واسع، مما مكّن العديد من أبنائها من متابعة دراستهم العليا والتخرج كمهندسين وأساتذة جامعيين وكفاءات في مختلف المجالات.
وتحمل جرادة أيضًا مكانة تاريخية في الحركة النقابية المغربية، إذ شهدت ميلاد الاتحاد المغربي للشغل، أول نقابة مغربية، ما يعكس الوعي الاجتماعي والعمالي الذي ميز المدينة منذ وقت مبكر.
ولم تكن جرادة مجرد مدينة إنتاج وعمل، بل كانت فضاءً ثقافيًا متقدمًا، حيث توفرت فيها مرافق ثقافية قد لا نجد مثيلًا لها حتى في بعض أكبر المدن المغربية. وقد ساهم هذا الزخم الثقافي في تنمية وعي الشباب وتوسيع آفاقهم الفكرية.ومن المعالم المميزة في تاريخ المدينة “الحي الروسي”، الذي استقرت به جالية روسية قدمت للعمل بالمركب الحراري لإنتاج الطاقة. وخلال سبعينيات القرن الماضي، كان الحي يضم مركزًا ثقافيًا غنيًا بالمؤلفات الروسية، حيث أتاح للسكان الاطلاع على أعمال كبار الأدباء والمفكرين الروس، مثل دوستويفسكي، إضافة إلى مؤلفات لينين وماركس وغيرها من الأعمال الفكرية والأدبية التي أغنت المشهد الثقافي المحلي.