من الحضارة الفارسية إلى الانحطاط الشيعي

من الحضارة الفارسية إلى الانحطاط الشيعي
السبت 18 يوليوز 2026 - 08:50

لم يكن الشرق الأوسط أرضا عقيمة غارقة في الجهل والتخلف والانحطاط الفكري والأدبي والفني، بل كانت مهد الحضارات البشرية، حيث تعاقب على هذه الأرض المعطاء السومريون والمصريون والفرس والأكاديون والبابليون والحثّيون والفينيقيون وألآشوريون وغيرهم، كل هذا حدث منذ 4000 سنة قبل الميلاد. وتميزت فارس بكونها الحضارة الأطول تعميرا من بين كل ما ذكرنا. من العيلاميين في 2700 قبل الميلاد، إلى الميديين إلى الساسانيين، والساسانيون هم الذين تزامن ضعف قوتهم العسكرية مع تنامي قوة العرب في المنطقة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب.

في كل مراحل تقلب الأسر الحاكمة في فارس كانت مظاهر القوة العسكرية والاقتصادية والعمرانية والثقافية متجلية بشكل عميق وواسع. لأن الفرس تأثروا بالحضارات المجاورة لهم وأثروا في جيرانهم أيضا. فتميز العلماء والمهندسون والمفكرون والقادة العسكريون. وبدت الحياة الاجتماعية متقدمة تمثل قدوة للآخرين. تميز الفرس في طريقة لباسهم وأكلهم وشربهم وعمرانهم وعلاقاتهم الاجتماعية وفي نظام تعليمهم. هذا في الوقت الذي كان فيه العرب مجرد بدو لم ينتقلوا بعد من نظام القبيلة إلى النظام المدني. وقد تكون مكة اقتربت من شكل قرية كبيرة في القرن الرابع أو الخامس الميلادي.

ولولا أن الفرس اشتغلوا بالحروب ضد الإغريق خاصة ثم الرومان بعد ذلك لظلت حضارتهم قائمة حتى بعد مجيء العرب. لكن شاءت دورة التاريخ أن تصعد بقوم وتنزل بآخرين. وكانت القوة العربية الصاعدة بالمرصاد لكل القوى الإقليمية الموجودة شمال الجزيرة العربية، ومنهم الفرس والروم، الذين خضعوا للعرب ودالت دولتاهما وحضارتاهما.

في قصيدة يهجو بها بشار بن برد العرب، بعد أن استقوى الموالي بحكم العباسيين وتغلغلوا في دائرة الأسرة العباسية الحاكمة، يقول في مطلعها:

أعادل لا أنام على اقتسار ولا ألقى على مولى وجار

يقارن بشار بن برد، وهو شاعر فارسي ثقف العربية وعلومها وكان من أبرز الشعراء الشعوبيين، يقارن بين الحياة العربية البدوية والحياة الفارسية المتمدنة، ويسخر من التحول الأهوج للعربي من نمط عيش متخلف إلى التشبه بالفرس المتأصلين في جذور الحياة المتحضرة. ومن ذلك أنه يتهكم على العربي الذي لم يسبق له أن عرف الدقيق الأبيض ولا شرب الخمر في صحائف الذهب والفضة ولا لبس الحرير والديباج. وأنه يقتات من اصطياد الجعل والقنفد والفأر والحرباء والضب ويأكل مع الكلب في إناء واحد، ويختم قوله باحتقار العربي لأنه يكتري بيته وكان ذلك عيبا عند الفرس.

هذا وإن كان شعره يتضمن بعض المبالغة التي يقتضيها الهجاء غير أنه يكشف عن صدمة حضارية واسعة بين شعب عاش متحضرا آلاف السنين وشعب خرج من نظام القبيلة ليعانق المدنية فجأة. فماذا وقع لأهل فارس حتى انتقلوا من نظام راق في الحياة والمعرفة والمدنية إلى شعب أعماه فهم منحط للدين الإسلامي، وخرج من توحيد الله تعالى إلى إشراك البشر في القداسة، وحتى الوجود الأبدي لبشر لا حظ لهم في الإفلات من القبر بشكل لا رجعة فيه؟ (المهدي المنتظر). تحولوا إلى شعب يقدس آل البيت والله تعالى نفسه ما قدس الرسول محمدا نفسه، وقال في ذلك: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ/قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ/وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.

ألله تعالى ينهى عن تحويل موت الرسول نفسه إلى قضية عقدية فما بالك بأحفاده مثل الحسن والحسين ومن جاء من نسلهما؟ فكيف تحول الشيعة من توحيد الخالق إلى تقديس المخلوق، كيف لحضارة راقية أن تتهم الأجيال المتعاقبة بخيانة آل البيت والتخلي عن نصرتهم، وإلصاق ذنبِ قتلِ الحسين أو غيره بحياتهم وحياة فروعهم إلى أن تقوم الساعة؟ وكأني بهم استنسخوا الخطيئة الأصلية من المسيحيين.

وصل الانحطاط الفكري بالشيعة اليوم أنهم قرروا خلق قوة عسكرية هائلة تخدم التوسع الديني الفاسد وتحميه وتنقله إلى كل أرض يوجد بها شيعة أو أشباه شيعة أو مشاريع شيعة، لتزرع فيها بذرة الانحطاط، حتى ولو كانت هذه الأرض هي المغرب، أرض المالكيين المعتدلين في دينهم ودنياهم. فهل يحل بأرضنا الطاهرة هذا المسخ الشيعي الذي لا وصف له؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Silquain
    السبت 18 يوليوز 2026 - 21:15

    يرى كانط أن التصرف الأخلاقي يجب أن يخضع لمبدأ أساسي: لا يكون الفعل أخلاقيا إلا إذا أصبح قاعدة عامة تطبَّق على الجميع. يعني أن على الإنسان أن يسأل نفسه: ماذا سيحدث لو اتبع كل الناس هذا الأسلوب في التصرف والتعامل؟
    بتطبيق هذا المعيار على مقالك الذي يحكم على الشيعة بالانحطاط بسبب معتقداتهم، يظهر أن هذا الأسلوب لا يمكن تعميمه دون أن يؤدي إلى نتائج مرفوضة. فلو أصبح من حق كل جماعة دينية أن تحكم على جماعة أخرى بالانحطاط لمجرد اختلافها الديني، فإن جميع الأديان تصبح هدفا للازدراء وإلصاق تهمة الانحطاط بها.
    فعلى سبيل المثال، يمكن لأتباع دين آخر أو اللادينيون أن يصفوا الإسلام بالانحطاط الفكري لأن المسلمين يعظمون الحجر الأسود (نيزك) والكعبة (ركام أحجار) ، ويقدسون رجلا “يأكل الطعام ويمشي في الأسواق”.
    من منظور كانط، السؤال الحاسم ليس: هل أوافق على عقيدة الآخر؟ بل: هل أقبل أن يصبح الأسلوب الذي أستخدمه للحكم على الآخر قاعدة عامة ومن حق الجميع كذلك أن يستعملها ضدي. فإذا لم أقبل ذلك، فإن حكمي لا ينسجم مع المعيار الأخلاقي. وهذا يؤدي لنتيجة واحدة: أن مقالك هذا مثال على *** الأخلاقي.

  • Mouha Le Sage
    السبت 18 يوليوز 2026 - 21:49

    جاء في المقال أن إيران تحاول نشر المذهب الشيعي في كل بقاع الدنيا بما في ذلك في وطننا.
    لو كانت إيران تريد نشر المذهب الشيعي لبدأت بتشييع تلك العشرة ملايين سني إيراني.
    هناك مثل فرنسي يقول:
    Qui veut noyer son chien l’accuse de la rage
    وترجمته الحرفية إلى العربية هي:
    من أراد أن يُغرق كلبه يتهمه بالسُّعار.
    ويقابله في العربية أمثال أو تعابير قريبة في المعنى، مثل:
    من أراد ظلم الناس وجد لذلك الذرائع.
    إذا أردت أن تتهم أحدًا، فلن تعجز عن إيجاد التهمة.
    من أراد الإساءة إلى غيره وجد دائمًا حجة.
    ويُستعمل هذا المثل عندما يكون القرار بإدانة شخص أو استهدافه قد اتُّخذ مسبقًا، ثم تُختلق أو تُبحث بعد ذلك عن المبررات والاتهامات لتسويغ ذلك القرار.
    إيران تهاجَم لأنها قلعة صمود ضد كيان الإبادة الجماعية الصهيوني، وبالتالي تدمير إيران هدف أمريكي، وكذلك مطلب أمريكي لكل حلفاء أمريكا. لن تحصل من أمريكا شيئا إن لم تعادي إيران وتتهم إيران بكل شرور الدنيا، وبالمقابل تحابي كيان الإجرام الصهيوني.

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 3

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38 4

تفاصيل دعم النقل