التزلج على أمواج السراب

التزلج على أمواج السراب
الأحد 2 غشت 2026 - 02:04

لم تعد نظرية المؤامرة مجرد تفسير لبعض الأحداث الغامضة، بل تحولت إلى وسادة وثيرة يضع عليها كثيرون رؤوسهم كلما باغتهم الفشل. فما إن تتعثر خطوة، أو يخبو نجم، أو تضيق دائرة الضوء، حتى تمتد أصابع الاتهام نحو عدو خفي، يرسم الخيوط في الظلام ويحرك العالم كيف يشاء. وهكذا يُعفى الإنسان من محاكمة نفسه، ويغدو الضحية الدائمة، ولو كان الجلاد الحقيقي يسكن داخله.

وفي زمن تصنع فيه المنصات الرقمية الأبطال كما تصنع الفقاعات، أصبح الطريق إلى الشهرة لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر ادعاء الاضطهاد. وما أكثر من يكتشف، بعد أن لفظته الأضواء، أن أسرع طريق إلى العودة هو ارتداء عباءة المظلوم. يكفي أن يربط إخفاقه بقضية عادلة، أو يوحي بأن مواقفه النبيلة كانت سببًا في محاربته، حتى تنهال عليه عبارات التأييد، ويتحول بين عشية وضحاها إلى بطل يقارع “اللوبيات” ويهزم قوى خفية لا يراها أحد.

لقد احتضنّا نظرية المؤامرة حتى كادت تدخل في تركيب حمضنا النووي. فإذا ناقشت أحدًا بالحجة، وأقمت الدليل، لم يناقشك فيما قلت، بل ناقشك في نياتك. تنهال عليك الأوصاف الجاهزة: خائن، عميل، مأجور… كلمات فقدت معناها من كثرة الاستعمال، لكنها ما تزال تؤدي وظيفتها في إسكات كل صوت يخالف السائد. فحين تعجز الحجة، يستيقظ قاموس التخوين.

ولم يعد العلم، في نظر كثيرين، مرجعًا يُحتكم إليه، بل خصمًا ينبغي التشكيك فيه متى عارض الأهواء. وتراجعت قيمة البرهان أمام سطوة المقاطع القصيرة، والتحليلات المرتجلة، والقراءات السفسطائية التي تجد من يصفق لها أكثر ممن يناقشها. وأصبح الكلام الفارغ تجارة رابحة، بينما صار البحث عن الحقيقة مغامرة قد تكلف صاحبها سمعته.

والمفارقة أن ضحايا هذا الخطاب لا يدركون أنهم يتحولون، من حيث لا يشعرون، إلى وقود لمشاريع أشخاص انتهت صلاحية نجوميتهم، فقرروا استثمار العواطف بدل الإنجازات. لذلك تتكرر الحكاية كل مرة: إخفاق يُنسب إلى مؤامرة، وإقصاء يُفسَّر باستهداف، وفشل يُغلف بشعار نبيل.

ولا يعني هذا إنكار وجود صراعات المصالح أو محاولات التأثير التي تعرفها السياسة الدولية، فذلك جزء من طبيعة العلاقات بين الدول. لكن الفرق كبير بين الاعتراف بوجود مصالح متشابكة، وبين تحويل المؤامرة إلى تفسير جاهز لكل عثرة، وإلى شماعة نعلق عليها تقصيرنا وسوء تدبيرنا.

ويكفي أن نتأمل تجارب الأمم التي سبقتنا لندرك أن تقدمها لم يكن ثمرة معجزة، ولا نتيجة مؤامرة ضد غيرها، بل حصيلة عمل متواصل، واحترام للمؤسسات، وربط للمسؤولية بالمحاسبة، واستثمار في الإنسان قبل الحجر. “المؤامرة” الحقيقية التي ينبغي أن نقلق منها؛ مؤامرة الانضباط، والإتقان، والبحث العلمي، والعمل الدؤوب.

أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان نفضل التزلج على أمواج السراب. نطارد أوهامًا لا تنتهي، ونخوض معارك وهمية، بينما تتسع الفجوة بيننا وبين من اختار أن يواجه أخطاءه بدل أن يبحث لها عن متهم.

وربما كان أخطر ما في نظرية المؤامرة أنها لا تقتل الحقيقة فحسب، بل تقتل الإرادة أيضًا؛ لأنها تقنع الإنسان بأن مصيره تحدده أيادٍ خفية، لا جهده، وأن مستقبله تصنعه المؤامرات، لا الكفاءة. وعندما يستقر هذا الوهم في العقول، يصبح الفشل قدرًا، ويغدو النجاح استثناءً، وتتحول الأوطان إلى متفرجين على سباق الحضارة، يصفقون للأعذار أكثر مما يصفقون للإنجاز.

إن الأمم لا تبني مستقبلها بالبحث عن المتآمرين، بل بالبحث عن مواطن الخلل في نفسها. ومن يملك شجاعة الاعتراف بأخطائه، يملك، في الوقت نفسه، القدرة على تجاوزها. أما من يصر على التزلج فوق أمواج السراب، فلن يبلغ الشاطئ أبدًا، لأن السراب، مهما بدا قريبًا، لا يقود إلا إلى مزيد من التيه…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأربعاء 5 غشت 2026 - 17:09

    “When you blame others for your circumstances, you surrender control of your future”
    “عندما تلوم الآخرين على ظروفك، فإنك تتنازل عن السيطرة على مستقبلك.”
    Frank Sonnenberg

    “Take accountability… Blame is the water in which many dreams and relationships drown”
    “تحمل المسؤولية… فاللوم هو الماء الذي تغرق فيه الكثير من الأحلام والعلاقات.”
    Steve Maraboli

    أستاذ سعيد،
    سئمنا من رؤية شعوب بأكملها تتكئ على عكاز “المؤامرة” لتبرير التراجع والكسل الفكري وتفادي أي مساءلة ذاتية. وما أود إضافته هو أن هذا الهوس بالنجومية الزائفة والبطولات الوهمية عبر الشاشات قد غيب العقل النقدي، وبات يقدس السطحية على حساب العمل المؤسساتي الجاد. إن الخروج من هذا السراب القاتل يتطلب ثورة ثقافية حقيقية تعلي من شأن الكفاءة والعلم وتربط المصير بالجهد المبذول لا بالأعذار الجاهزة. فالمستقبل لا يصنعه الباكون على الأطلال ولا مدّعو المظلومية، بل صانعو الفعل وقادة التغيير الشجعان الذين يواجهون عيوبهم بلا خوف. وحدها الإرادة الواعية والمحاسبة الذاتية قادرتان على كسر قيود هذا الوهم الجماعي ووضعنا على الطريق الصحيح.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور