الانتخابات ليست مزادا للوعود

الانتخابات ليست مزادا للوعود
الأربعاء 9 شتنبر 2026 - 20:15

هل أصبح الوعد الانتخابي وسيلة للإقناع، أم التزاما سياسيا وأخلاقيا تجاه المواطن؟ هذا السؤال، وإن لم يُطرح صراحة في الخطابات الانتخابية، يسكن اليوم وعي المواطن المغربي أكثر من أي وقت مضى. فبين كل موسم انتخابي وآخر، تتكرر نفس المشاهد: وعود كبيرة، أرقام مبهرة، شعارات براقة، ثم واقع لا يشبه ما وُعد به. ومع تكرار هذا المشهد، لم يعد المواطن يستقبل الخطاب السياسي بالسذاجة نفسها التي كان يستقبله بها سابقا، بل أصبح أكثر حذرا، وأكثر قدرة على قياس المسافة بين الكلام والفعل.

هذه المسافة، بالضبط، هي ما يفسر اليوم أزمة الثقة التي باتت تُشكل التحدي الأول أمام المشهد السياسي المغربي. فلم تعد المعركة الحقيقية تدور حول من يفوز بالانتخابات، بقدر ما تدور حول من يملك القدرة على إعادة بناء جسر الثقة بين المواطن والمؤسسات والفاعلين السياسيين. وهذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات ولا بالحملات التواصلية المكثفة ولا بالوعود الكبرى، وإنما ببناء تدريجي وصبور قوامه الإنجاز الفعلي، والقدرة على تنفيذ الالتزامات، ومعالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية التي لا تزال تُثقل كاهل فئات واسعة من المغاربة. الثقة، في جوهرها، علاقة تُبنى بالنتائج الملموسة في حياة الناس اليومية، لا بالوعد المعزول عن إمكانية التنزيل.

من هنا تنبع خطورة ما نشهده في كل استحقاق انتخابي من وعود وردية، بل أحيانا خارقة، تبدو جذابة على منابر الحملات، لكنها تفتقد في العمق إلى الواقعية الاقتصادية وإلى تصور واضح لكيفية تحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتطبيق. فأي وعد سياسي جاد لا يمكن أن يُعفى من سؤالين جوهريين: كيف سيتم تنزيله على أرض الواقع؟ ومن أين سيتم تمويله؟ غياب الجواب عن هذين السؤالين لا يُسقط الوعد فحسب، بل يُسقط معه مصداقية من يُطلقه.

الاقتصاد الوطني، مهما بلغت طموحاتنا فيه، له إمكانيات وله أيضا إكراهات بنيوية لا يمكن تجاوزها بجرة قلم. الموارد ليست غير محدودة، والمالية العمومية تخضع لتوازنات دقيقة بين الإنفاق الاجتماعي والاستثمار والالتزامات المالية القائمة. وأي برنامج انتخابي يريد أن يُقنع لا أن يُغري فقط، يجب أن ينسجم مع هذا الواقع الاقتصادي والمالي والاجتماعي المعقد، لا أن يقفز فوقه. فالعديد من الوعود التي تُطلق في خضم الحملات الانتخابية تصطدم، عند لحظة التنفيذ، ببنية اقتصادية لا تحتمل القفزات، وبتحديات مرتبطة بالتمويل والاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية والفوارق المجالية بين المدن والقرى، وبين الجهات الغنية والجهات الهشة. هذا ليس دعوة للتشكيك في كل خطاب سياسي، بل دعوة إلى قراءة نقدية موضوعية لظاهرة أصبحت متكررة، بعيدا عن أي استهداف لحزب بعينه أو سخرية من فاعل محدد.

لكن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في مبالغة بعض الوعود، بل في المنطق الذي تُبنى عليه أصلا. فمسؤولية الفاعل السياسي لا يجب أن تختزل في تقديم برنامج انتخابي مليء بالأرقام والالتزامات الاقتصادية المعزولة عن سياقها. المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق البرنامج الانتخابي الضيق، الذي يتعامل مع الناخب كمستهلك لوعود موسمية، إلى منطق المشروع المجتمعي المتكامل، الذي يتعامل مع المواطن كشريك في مسار طويل. المشروع السياسي الحقيقي هو الذي يرتبط بالواقع الاجتماعي كما هو، لا كما يُتخيل، وينبع من هموم المواطنين اليومية، ويستند إلى رؤية سياسية واضحة المعالم، منسجمة مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها المغرب، وقابلة في الوقت نفسه للقياس والتنفيذ والتقييم. فالسياسة، في صميمها، ليست عملية توزيع وعود على إيقاع الحملات، بل قدرة على تقديم رؤية، وترتيب أولويات، واتخاذ قرارات مسؤولة، وتحمل كلفة هذه القرارات أمام الرأي العام.

وهذا يقودنا إلى بعد آخر لا يقل أهمية، وهو المسؤولية السياسية والوطنية التي يتحملها الفاعل السياسي والنخب تجاه المواطنين. فالمواطن اليوم لا يحتاج فقط إلى من يقول له ما يريد أن يسمعه، بل يحتاج إلى خطاب سياسي صريح ومسؤول، يشرح له بوضوح ما يمكن تحقيقه في الأجل القريب، وما يحتاج إلى وقت وصبر، وما هي الإكراهات الموضوعية القائمة، وما هي الأولويات التي تستحق التقديم على غيرها، وما هي الالتزامات الدقيقة التي يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عنها لاحقا. هذا النوع من الخطاب قد يبدو أقل بريقا وأقل جاذبية في لحظة الحملة الانتخابية، مقارنة بالوعد السهل الذي يُصفَّق له بحرارة، لكنه في المقابل أكثر قدرة على بناء الثقة على المدى الطويل، لأنه يُعامل المواطن كعقل ناضج يستحق الصدق، لا كصوت انتخابي يُستمال باللحظة.

في النهاية، لم تعد الانتخابات، ولا ينبغي أن تكون، منافسة حول من يقدم أكبر عدد من الوعود أو أكثرها إغراء. إنها، أو يجب أن تكون، منافسة حول من يملك رؤية أكثر واقعية، وأكثر قدرة على التنفيذ، وأكثر استعدادا لتحمل المسؤولية أمام المواطنين. والفاعل السياسي الذي يفهم هذه المعادلة مبكرا، ويقبل أن يخاطب الناس بصدق بدل أن يُغريهم بالمستحيل، هو من سيكسب الرهان الأصعب في المرحلة المقبلة: رهان الثقة، لا رهان الصندوق فقط.

-فاعل مدني – رئيس مبادرة طارق بن زياد المغرب

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10 6

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير