هل تغيّرت طريقة أوروبا في النظر إلى إفريقيا؟
لم تعد سبتة مجرد نقطة خلاف بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد قضية مرتبطة بالهجرة أو بأمن الحدود. ما جرى بشأنها داخل البرلمان الأوروبي، وما رافقه من تصريحات أوروبية، يفتح سؤالاً أوسع يتعلق بالطريقة التي ما زالت أوروبا تنظر بها إلى إفريقيا وإلى الحدود التي تفصل بين القارتين. ولعل أكثر ما يستوقف في هذا السياق تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، حين قالت إن حدود سبتة هي حدود أوروبية، لأنها إسبانيا، ولأن إسبانيا هي أوروبا.
قد يبدو التصريح، في ظاهره، تأكيداً لوضع قانوني وسياسي قائم، فسبتة تخضع للإدارة الإسبانية وتوجد ضمن المجال الأوروبي. لكن وضع المدينة اليوم لا يلغي سؤالاً تاريخياً أعمق: كيف أصبحت مدينة إفريقية جزءاً من المجال الأوروبي، ومن يملك حق تعريف الحدود بين أوروبا وإفريقيا؟ هنا تكتسب هوية المتحدثة نفسها دلالة رمزية لا يمكن تجاهلها. فأورسولا فون دير لاين ألمانية، وألمانيا هي البلد الذي ارتبط اسمه بأحد أكثر المؤتمرات تأثيراً في تاريخ الاستعمار الأوروبي لإفريقيا: مؤتمر برلين الذي انعقد بين نوفمبر 1884 وفبراير 1885 برئاسة المستشار الألماني أوتو فون بسمارك.
لم يكن مؤتمر برلين اجتماعاً لرسم جميع حدود إفريقيا على خريطة واحدة، كما قد يوحي بعض التبسيط التاريخي، لكنه كان محطة حاسمة في تنظيم التنافس الاستعماري الأوروبي على القارة، ووضع قواعد ساعدت القوى الأوروبية على تثبيت مطالبها الإقليمية وتوسيع احتلالها. وكان من أبرز المبادئ التي كرسها مبدأ «الاحتلال الفعلي»، الذي جعل الاعتراف بالمطالب الاستعمارية مرتبطاً بقدرة الدولة الأوروبية على فرض حضورها وإدارتها على الأرض. والأهم أن إفريقيا كانت موضوعاً لهذا التنافس أكثر مما كانت طرفاً في صناعة قواعده.
من هنا تصبح المقارنة بين بسمارك وفون دير لاين مقارنة رمزية قبل أن تكون مقارنة سياسية مباشرة. بسمارك كان في القرن التاسع عشر جزءاً من أوروبا التي كانت تعيد تنظيم إفريقيا وفق موازين القوى الأوروبية. وبعد أكثر من قرن، تأتي رئيسة ألمانية للمفوضية الأوروبية لتؤكد أن سبتة، وهي مدينة تقع جغرافياً في إفريقيا، هي أوروبا لأنها إسبانيا. لا يعني ذلك أن فون دير لاين تسعى إلى إعادة إنتاج مؤتمر برلين، ولا توجد معطيات تسمح بالقول إنها تريد تقسيم إفريقيا على الطريقة الاستعمارية القديمة. لكن المفارقة التاريخية تفرض نفسها: هل تغيرت النظرة إلى إفريقيا فعلاً، أم أن اللغة فقط هي التي تغيرت؟
في القرن التاسع عشر كانت أوروبا تتحدث عن مناطق النفوذ والاحتلال والمصالح الاستراتيجية والحدود التي تُرسم وفق موازين القوة. أما اليوم فقد أصبحت اللغة مختلفة: الاتحاد الأوروبي، والقانون، والحدود الخارجية، والسيادة، والأمن، وحقوق الإنسان. غير أن التاريخ لا يختفي بمجرد تغيير المفردات. فالحدود التي تبدو اليوم ثابتة ونهائية هي في كثير من الحالات نتيجة مسارات تاريخية طويلة، تشكلت خلالها علاقات القوة بين أوروبا والقارة الإفريقية.
وهنا تبرز خصوصية سبتة ومليلية. فهما ليستا مجرد نقطتين على خريطة سياسية معاصرة، وإنما مدينتان لهما تاريخ طويل سابق على الحدود الأوروبية الحديثة. ولذلك فإن اختزالهما في وصفهما بأنهما «حدود أوروبية» يغلق جانباً من النقاش قبل أن يبدأ. فالقول إن سبتة إسبانية يصف وضعها السياسي والإداري الحالي، والقول إنها أوروبية يصف انتماءها إلى الاتحاد الأوروبي، لكن ذلك كله لا يجيب عن السؤال الجغرافي والتاريخي: كيف انتقلت مدينة تقع في إفريقيا إلى المجال الأوروبي، وكيف أصبح هذا الوضع مع مرور الزمن حقيقة سياسية يُتعامل معها وكأنها خارج التاريخ؟
إن الاعتراف بالواقع السياسي الحالي لا يعني إسقاط التاريخ، كما أن قراءة التاريخ لا تعني تجاهل الواقع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الواقع القائم إلى حقيقة غير قابلة للنقاش، وكأن التاريخ توقف لحظة تثبيت الحدود الحالية. ومن هنا يصبح استحضار الماضي الاستعماري ضرورياً لفهم الطريقة التي تشكلت بها صورة إفريقيا وحدودها وموقعها في النظام الدولي.
لقد جعلت أوروبا من مراجعة ماضيها الاستعماري جزءاً من نقاشها السياسي والفكري المعاصر، وأعيد النظر في كثير من الوقائع والرموز والتمثلات التي خلفتها المرحلة الاستعمارية. ولذلك يبدو من المشروع أن يمتد هذا النقاش أيضاً إلى سبتة ومليلية، لا باعتبارهما ملفاً مغربياً إسبانياً فحسب، وإنما باعتبارهما جزءاً من تاريخ العلاقة بين أوروبا وإفريقيا.
المفارقة أن القارة التي كانت في مؤتمر برلين موضوعاً لتنافس القوى الأوروبية أصبحت اليوم أمام خطاب أوروبي يحدد، من موقع سياسي أوروبي، أين تنتهي إفريقيا وأين تبدأ أوروبا. وفي هذه المفارقة تحديداً تستعيد المقارنة مع بسمارك معناها التاريخي. ليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، وإنما لأن بعض الأسئلة التي ظُن أنها انتهت مع نهاية الاستعمار ما زالت تظهر بأشكال جديدة.
لقد تغيرت أوروبا كثيراً منذ زمن بسمارك، وتغير العالم معها. ولم تعد إفريقيا تلك القارة التي يمكن للقوى الأوروبية أن تجتمع لتقرير مصيرها دون حضور دولها وشعوبها. لكن الاعتراف بهذا التحول يظل ناقصاً إذا لم يصاحبه استعداد للنظر في كل الملفات التي تركها التاريخ الاستعماري، بما فيها الملفات التي تبدو اليوم محسومة سياسياً.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت أورسولا فون دير لاين تريد أن تكون «بسمارك القرن الحادي والعشرين»، فهذا استنتاج يتعلق بالنية ولا تؤيده المعطيات المتاحة. السؤال الأكثر دلالة هو: هل تستطيع أوروبا القرن الحادي والعشرين أن تنظر إلى إفريقيا بعين مختلفة تماماً عن أوروبا القرن التاسع عشر؟ وهل يمكن أن يكون احترام التاريخ، إلى جانب القانون والواقع السياسي، جزءاً من تعريفها الجديد للعلاقة مع القارة التي كان بسمارك نفسه أحد أبرز من ساهموا في تنظيم التنافس الأوروبي عليها؟
فسبتة، في النهاية، ليست مجرد مدينة على الحدود. إنها اختبار لطريقة قراءة التاريخ. وما تقوله أوروبا عنها اليوم لا يتعلق بسبتة وحدها، بل يكشف أيضاً إلى أي حد استطاعت أوروبا أن تتجاوز إرث المرحلة التي كانت فيها هي من يرسم الخريطة، وإفريقيا هي التي تُرسم عليها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.