تدخل الحملة الانتخابية بمدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، مرحلتها الأخيرة وسط معركة سياسية وميدانية محتدمة، بعدما اختارت جل الأحزاب المتنافسة أساليب متباينة في التواصل مع الهيئة الناخبة، بين التجمعات الجماهيرية، واللقاءات المباشرة داخل الأحياء، والتعبئة التنظيمية، واستثمار الامتدادات الاجتماعية والقبلية، إلى جانب الحضور الرقمي.
ويجري ذلك في دائرة تخصص ثلاثة مقاعد، وتتنافس فيها أسماء ذات تجارب انتخابية وبرلمانية سابقة إلى جانب وجوه تدخل السباق من مواقع حزبية مختلفة، فيما تتصدر ملفات التشغيل والشباب والتعليم والسكن والاستثمار والتنمية المحلية جانباً مهماً من الخطاب الانتخابي للمترشحين.

تعبئة قبلية
برز حزب الاستقلال في المشهد من خلال تجمع جماهيري كبير نظمته قيادته بالعيون، بحضور الأمين العام نزار بركة ووكيل اللائحة المحلية مولاي حمدي ولد الرشيد، وأعضاء من اللجنة التنفيذية وقيادات ومنتخبي الحزب؛ كما حضره أزيد من 60 ألف مشارك، وشكل “أكبر التجمعات الانتخابية التي شهدتها الجهات الجنوبية خلال الحملة الحالية”.
لكن طريقة اشتغال مولاي حمدي ولد الرشيد لا تختزل في المهرجان الجماهيري، إذ اختار وكيل لائحة الاستقلال، بالتوازي مع ذلك، تكثيف لقاءاته مع مكونات قبلية صحراوية، عبر استقبال شيوخ وأعيان وأبناء قبائل مختلفة بمدينة العيون، وتقديم برنامجه والإنصات إلى انتظاراتهم.
وبالتوازي مع ذلك شملت تحركات وكيل لائحة الاستقلال لقاءات مع عدد من مكونات المجتمع الصحراوي، في نمط “التعبئة ذات الامتداد القبلي”، باعتباره استثمارا في قنوات التواصل الاجتماعي التقليدية التي مازالت حاضرة في المشهد الانتخابي بالأقاليم الجنوبية. وتظهر هذه اللقاءات أن حملة ولد الرشيد تجمع بين التعبئة الحزبية الجماهيرية والتواصل مع البنى الاجتماعية المحلية، مع تركيز متكرر في خطابه على التشغيل والسكن والتعليم والاستثمار والتنمية المحلية.

ويستند ولد الرشيد إلى تجربة انتخابية وبرلمانية ممتدة، وإلى رصيد انتخابي بلغ 47,548 صوتا في انتخابات 2021، مقابل 26,827 صوتا سنة 2016، وفق المعطيات المنشورة حول الدائرة. ويضع مرشح الاستقلال في صدارة خطابه الحالي عدداً من الملفات المرتبطة بتشغيل الشباب، والاستفادة من فرص الشغل، وتعزيز العرض الجامعي، إلى جانب الاستثمار والملف الضريبي.
شبكة انتخابية
ويخوض محمد سالم الجماني، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، حملته الانتخابية من خلال حضور ميداني يقوم أساسا على اللقاءات المباشرة مع ساكنة الأحياء الشرقية بمدينة العيون، واضعاً عدداً من الملفات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين في صلب النقاش الانتخابي.
وفي مقدمة هذه القضايا يتصدر ملف البقع الأرضية العارية وتأخر التسوية العقارية قائمة البرنامج الانتخابي، إلى جانب تكلفة فاتورة الكهرباء ونقص الماء الصالح للشرب، وهي ملفات يقدمها الجماني باعتبارها من الإشكالات التي تستدعي حلولا عملية وتدبيرا أكثر استجابة لحاجيات المدينة.

ويتميز خطاب مرشح الأصالة والمعاصرة بتركيز واضح على القضايا المحلية، من خلال نقل النقاش من مستوى الشعارات العامة إلى مشاكل مرتبطة بالسكن والتجهيزات والخدمات الأساسية. كما يوجه الجماني جزءاً من خطابه إلى حث الناخبين على المشاركة في اقتراع 23 شتنبر، لافتا إلى أن حجم المشاركة بالأقاليم الجنوبية يحمل دلالة سياسية ومدنية تتجاوز الاستحقاق الانتخابي نفسه.
كما يستند الفاعل السياسي ذاته خلال هذه المحطة إلى تجربة انتخابية سابقة، بعدما حصل في انتخابات 2021 على 17,675 صوتاً، مقابل 21,572 صوتاً سنة 2016.
حضور تنظيمي
بدوره يعتمد محمد عياش، وكيل لائحة التجمع الوطني للأحرار، على مزيج بين التواصل الميداني والتعبئة التنظيمية للحزب، مستفيدا من موقعه كبرلماني حالي ومن تجربة سياسية جعلت الحصيلة الحكومية محوراً أساسياً في خطابه الانتخابي.
ويقدم عياش عدداً من الإنجازات التي تحققت خلال الولاية الحكومية المنتهية، رابطاً بينها وبين تصور الحزب لمواصلة تنفيذ الأوراش الاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على ما يعتبرها مكتسبات يمكن أن تنعكس على المستوى المحلي.

ورافق حملة محمد عياش حضور رئيس الحزب محمد شوكي، وعدد من قياداته الوطنية بمدينة العيون، ما أكد أن العيون الساقية الحمراء تمثل جهة ذات حضور تنظيمي للحزب، إذ كانت أول محطة اختارها التنظيم لإطلاق حملته على الصعيد الوطني.
وعلى المستوى الانتخابي كان عياش حصل في انتخابات 2021 على 8,198 صوتاً، وهو الرصيد الذي مكّن التجمع الوطني للأحرار من انتزاع المقعد الثالث بالدائرة.
قرب ميداني
أما مولود الكيرع، وكيل لائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيخوض الحملة بأسلوب يركز على الحضور الميداني والتواصل المباشر، مع منح البعد الشبابي مساحة بارزة في أنشطته الانتخابية.
وتظهر مسيرات على الأقدام ولقاءات مع المواطنين ضمن الأدوات التي اختارها مرشح الاتحاد الاشتراكي لتقديم نفسه وبرنامجه، في محاولة لجعل التواصل مع الناخبين جزءاً مركزياً من الحملة بدل الاكتفاء بالمهرجانات الخطابية.
ويحتل ملف الشباب موقعاً متقدماً في خطاب الكيرع، خصوصاً ما يرتبط بالتشغيل والبطالة، إذ يطرح الدفاع عن قضايا الشباب ومحاربة نسب البطالة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية ضمن أولويات برنامجه.

ويقدم المرشح ذاته هذه القضايا من زاوية اجتماعية واقتصادية تربط بين توفير فرص الشغل وتعزيز حضور الشباب في التنمية والحياة العامة؛ فيما يدخل الحزب الاستحقاق الحالي بوجه انتخابي جديد، بعدما كان مرشحه في انتخابات 2021 حصل على 4,918 صوتاً.
حملة رقمية
يقدم حسن الدرهم، وكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية، عرضاً انتخابياً يركز على الملفات الاجتماعية والاقتصادية، مع وضع تمكين المرأة من ولوج سوق العمل ضمن الأولويات التي يرفعها برنامجه.
ويجمع خطاب الدرهم بين المطالب الاجتماعية والإصلاح السياسي، من خلال الدفاع عن القوة الشرائية للمواطنين ومحاربة غلاء الأسعار، إلى جانب طرح قضايا الإصلاح السياسي والحقوق والحريات باعتبارها جزءا من التصور الذي يقدمه الحزب للمرحلة المقبلة.
ويمتد برنامج المرشح ذاته إلى قطاعات ترتبط مباشرة بالعالم القروي والمنتجين، حيث يطرح معالجة إشكالات أسعار الخضر واللحوم، وفك العزلة عن المناطق الفلاحية، وتطوير آليات التجميع وإقامة شراكات لتسهيل النقل والتسويق، فضلا عن الاستثمار في الأعلاف البديلة والحفاظ على الفرشة المائية.

ويمنح هذا التنوع للخطاب الانتخابي للدرهم بعداً يجمع بين الاقتصاد الاجتماعي والقضايا الفلاحية والبيئية، فيما يستند المرشح إلى تجربة انتخابية سابقة، بعدما حصل سنة 2016، حين كان مرشحاً للاتحاد الاشتراكي، على 6,239 صوتاً، دون أن يكون مرشحاً في انتخابات 2021.
خطاب برامجي
يتنافس دداي بيبوط، وكيل لائحة حزب العدالة والتنمية، على أحد المقاعد الثلاثة، بخطاب برامجي يضع التعليم في مقدمة القضايا المطروحة، من خلال التركيز على الارتقاء بالمؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية، إلى جانب تحسين الخدمات الصحية ومعالجة إشكالات التشغيل. ويقدم مرشح الحزب هذه الملفات ضمن تصور يربط التنمية الاجتماعية بجودة الخدمات العمومية، مع إبراز التعليم والصحة والشغل باعتبارها قضايا ذات تماس مباشر مع انتظارات الأسر والشباب.
ولا يتوقف خطاب بيبوط عند الملفات الاجتماعية، إذ يضم البرنامج الانتخابي للحزب محاور مرتبطة بالهوية الإسلامية والقيم الوطنية والإصلاح السياسي وتفعيل الحريات والحقوق الاجتماعية، مع التأكيد على تقديم برامج واضحة لمعالجة هذه القضايا. كما يستحضر المرشح في حملته تجربة العدالة والتنمية خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين، ويقدم ما يعتبرها الحزب مكتسبات تلك المرحلة ضمن رصيده السياسي الذي يراهن على إعادة طرحه أمام الناخبين.
ويأتي ذلك في وقت يستعد الأمين العام عبد الإله ابن كيران للحلول بالعيون لدعم مرشح الحزب والتواصل مع قواعده وتقديم برنامجه الانتخابي، فيما حصل مرشح العدالة والتنمية في انتخابات 2021 على 810 أصوات، مقابل 8,424 صوتاً ومقعد سنة 2016.

قاسم انتخابي
تتحرك هذه الأسماء داخل دائرة انتخابية يبلغ القاسم الانتخابي فيها، وفق المعطيات التي استقتها جريدة هسبريس الإلكترونية، 48,666، بينما تكشف نتائج 2021 عن تفاوت واضح في الأرصدة الانتخابية للمتنافسين والأحزاب، مع تغيرات طرأت على بعض الترشيحات والانتماءات الحزبية خلال الاستحقاق الحالي؛ بحيث توفر هذه الأرقام خلفية لفهم المشهد، لكنها لا تسمح وحدها باستقراء نتائج 2026، بالنظر إلى تغير الأسماء والرهانات وطبيعة الحملة الحالية.
وبعيدا عن الحسابات الرقمية تكشف الحملة في العيون عن تعدد واضح في أساليب خوض المنافسة؛ فبينما راهن الاستقلال على مهرجان جماهيري ضخم وتعبئة ذات امتداد قبلي اختار آخرون سياسة القرب واللقاءات الصغيرة والتواصل المباشر، فيما تحاول أحزاب أخرى الاستناد إلى تجربة برلمانية قائمة أو إلى أسماء جديدة لإعادة ترتيب حضورها داخل الدائرة. وفي خلفية هذه التحركات تتقاطع خطابات المرشحين حول التشغيل والشباب والتعليم والسكن والاستثمار والخدمات العمومية، باعتبارها ملفات مرتبطة مباشرة بالانتظارات اليومية للساكنة وبالمسار التنموي الذي تعرفه المدينة.
وتبدو دائرة العيون خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية فضاء لتجارب متعددة في التعبئة والتواصل السياسي، تتجاور فيها المهرجانات الكبرى مع اللقاءات القبلية والأنشطة الحزبية والعمل الميداني داخل الأحياء. وبينما يمثل حجم الحضور في بعض المحطات أحد أبرز مشاهد الحملة تظل طبيعة المشاركة الفعلية للناخبين واختياراتهم يوم الاقتراع هي العنصر الحاسم في رسم الخريطة البرلمانية الجديدة للدائرة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.