هناك طقس سياسي يتكرر مع كل استحقاق انتخابي في المغرب، يترك طعماً مراً من عدم الاكتمال لدى المراقب الواعي، ولا مبالاة عميقة لدى شريحة واسعة من الناخبين: إنه تقديم البرامج الانتخابية.
لسنوات طويلة، وعلى الرغم من التطور الملحوظ الذي شهدته الساحة السياسية منذ دستور 2011، عانى المغرب من مفارقة ديمقراطية مثيرة للتأمل. فكيف لأحزاب سياسية، يُفترض أن تكون وعاء للأفكار ومشاريع المجتمع، أن تبحر طويلاً بدون بوصلة برنامجية واضحة، مرقمة، وقابلة للنقاش؟ لفهم هذه “الخلل”، نحتاج إلى وقفة تأملية، والخروج من الزاوية المحلية الضيقة، لمقاربة الواقع المغربي في ضوء المعايير الدولية للهندسة الانتخابية وعلم السياسة.
1. المعيار الدولي: البرنامج كـ “عقد” ديمقراطي
في الديمقراطيات الراسخة (سواء فكرنا في “البيانات” البريطانية، أو برامج الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في دول الشمال، أو عقود الائتلاف الألمانية)، البرنامج الانتخابي ليس مجرد كتالوج لأمنيات ورغبات. إنه “عقد”.
وحسب النظرية السياسية التي تسمى “النموذج البرنامجي”، الناخب هو “الموكل” والحزب هو “الوكيل”. والبرنامج يؤدي ثلاث وظائف حيوية:
-التشخيص والرؤية: يقدم قراءة للواقع واتجاهاً واضحاً (الانقسامات الأيديولوجية المعروفة: يسار/يمين، أو بيئة/نمو).
-الجدوى والتكلفة: في دول مثل هولندا أو فرنسا (عبر مؤسسات مستقلة)، تُحسب تكلفة الوعود بدقة. لا يعد السياسي بشيء دون أن يوضح من أين سيأتي التمويل.
-المحاسبة (المساءلة): بعد خمس سنوات، يقيّم المجتمع المدني والإعلام الحصيلة بناءً على هذه الوثيقة. وهذا ما يسمح بمعاقبة المقصر أو مكافأة المنجز.
في المغرب، وعلى مدى عقود، لم يكن هذا “العقد” موجوداً ببساطة. أو بالأحرى، كان يختزل في شعارات عاطفية، وعود بـ “المجانية”، أو عموميات حول “التنمية” و”الشباب”…
2. لماذا هذا الفراغ البرنامجي التاريخي؟
لفهم هذا الخلل، يجب أن نقبل النظر إلى الواقع السياسي المغربي بواقعية، دون سخرية، ولكن بوضوح. إن غياب البرامج الانتخابية الموثوقة لا يرجع إلى “كسل” فكري لدى الأحزاب، بل هو نتاج عقلاني لبيئتها السياسية.
أ. هيمنة سياسة الأعيان والزبونية لفترة طويلة، لم يخضع سوسيولوجيا التصويت في المغرب للانقسامات الأيديولوجية الكبرى. الناخب لم يكن يصوت من أجل مشروع مجتمعي شمولي، بل كان يصوت لـ “رجل نافذ” محلي، أو زعيم قبيلة، أو انتماء قبلي/عائلي. وفي نظام تكون فيه الحاجات الاجتماعية المباشرة (وظيفة، ربط بالماء الصالح للشرب، سرير في مستشفى) تطغى على الرؤية بعيدة المدى، لم يكن للحزب السياسي أي مبرر لاستهلاك الوقت في صياغة مشروع مجتمعي معقد. “البرنامج” كان ببساطة هو دفتر عناوين المرشح.
ب. هندسة السلطة و”السقف الزجاجي” وهذه هي النقطة الأهم والأكثر حساسية. في الديمقراطيات البرلمانية الكلاسيكية، الحزب الذي يفوز بالانتخابات يمتلك السلطة التنفيذية الكاملة. وبالتالي، يمكنه أن يعد بتغيير السياسة الخارجية، أو النموذج الضريبي، أو الاستراتيجية الأمنية. في المغرب، الهندسة الدستورية (حتى بعد 2011) تجعل الخيارات الاستراتيجية الكبرى (الأمن، الدين، الدبلوماسية، والتوجهات الاقتصادية الكبرى) تدخل في نطاق الصلاحيات الملكية. الحكومة، المنبثقة عن صناديق الاقتراع، هي في كثير من الأحيان “مدير تنفيذي” للتوجهات العليا. لماذا سيكتب حزب سياسي برنامجاً جذرياً حول الضرائب أو الاستثمار، إذا كان يدرك في قرارة نفسه أنه سيضطر في النهاية إلى الانسجام مع “النموذج التنموي” أو التوجهات العامة؟ لقد تحول البرنامج الانتخابي في كثير من الأحيان إلى تمرين شكلي، أو قائمة مشتريات للإدارة اليومية، خوفاً من الوقوع في تناقض مع مركز القرار.
ج. متلازمة “الحزب الجامع” (حزب الصيد الواسع) النظام الانتخابي المغربي، بنظامه النسبي وتشتته الشديد، دفع الأحزاب لتتحول إلى “أحزاب جامعة” تسعى لاصطياد كل الأصوات. ومن أجل البقاء وانتزاع بعض المقاعد، تتجنب الأحزاب الطروحات الحادة التي قد تنفر شريحة من الناخبين. والنتيجة؟ برامج هجينة، توافقية، يتفق فيها الجميع على كل شيء (من هو ضد التعليم؟ من هو ضد الصحة؟)، لكنها لا تحسم أبداً في الخيارات الميزانياتية المؤلمة.
3. وهم الحداثة: برامج “الورق” لما بعد 2011
ومن الظلم أن نقول إن الأحزاب اليوم لا تملك برامج. منذ الربيع العربي والدستور الجديد، بذلت التشكيلات السياسية جهداً تواصلياً لا يمكن إنكاره. فهي تنشر اليوم مجلدات من 100 أو 200 صفحة، غالباً ما تكون مصممة بشكل جميل.
لكن، عند تقييم هذه الوثائق بالمعايير الدولية، نجد أنها تعاني من أمراض مزمنة:
-غياب التكلفة المالية: هذا هو الغائب الأكبر. من السهل أن تعد بتعميم الدعم أو بناء آلاف المدارس. لكن من الأصعب بكثير أن تشرح كيف ستمول ذلك في ظل ضغط ضريبي مرتفع ومديونية متزايدة. وبدون تقييم مالي من مؤسسات مستقلة، يبقى البرنامج مجرد كتالوج أمنيات.
-النسخ واللصق التقنوقراطي: كثير من البرامج تُكتب بواسطة مكاتب استشارية أو خبراء يُستدعون على عجل، وهم منفصلون عن القاعدة الحزبية. تفتقر هذه البرامج إلى “روح” الحزب. برنامج حزب اشتراكي يشبه بشكل مريب برنامج حزب ليبرالي، لأن كليهما يستقي من نفس قاموس المنظمات الدولية (البنك الدولي، الأمم المتحدة).
-غياب النقاش الداخلي: في النماذج الاسكندنافية، البرنامج هو نتاج أشهر من النقاش في الفروع المحلية. في المغرب، غالباً ما يُفرض البرنامج “من الأعلى” من قبل الأمين العام ودائرته المقربة، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات.
4. نحو طفرة ضرورية
يصل المغرب اليوم إلى منعطف حاسم. لقد غيرت النسبية المزمنة في التصويت، خيبة أمل الشباب، وصعود شبكات التواصل الاجتماعي من قواعد اللعبة. الناخب المغربي، الأكثر اتصالاً وتطلباً، بدأ يرفض سياسة “المُلقّن” أو “موزع الخدمات”.
ولكي يلحق المغرب بركب الديمقراطية البرنامجية، يجب توفر ثلاثة شروط، مستلهمة من المعايير الدولية:
-تفعيل هيئات تقييم مستقلة: يجب أن تكون هناك مؤسسات لها الولاية والوسائل لـ “تقييم تكلفة” وعود الأحزاب قبل الانتخابات، لفرض الواقعية.
-الترابية والجهوية في البرامج: يحتاج المغرب إلى برامج لا تكون وطنية فحسب، بل متجذرة بعمق في الخصوصيات الجهوية، مع التزامات تعاقدية واضحة بين الدولة والجماعات الترابية.
-ثقافة المحاسبة: يجب على الإعلام والمجتمع المدني المغربي الاستيلاء على البرامج الانتخابية لتحويلها إلى “لوحات قيادة”. إذا لم يتعرض حزب لعقوبة انتخابية بسبب خيانته لبرنامجه، فلن يكون لديه أي سبب لكتابة برنامج جدي في المرة القادمة.
خلاصة القول، إن الغياب التاريخي للبرامج الانتخابية الحقيقية في المغرب ليس صدفة. إنه عَرَض دال على ديمقراطية قيد البناء، حيث قواعد اللعبة، والثقافة السياسية، وهندسة السلطة، لم تكافئ بعد الوضوح الأيديولوجي بشكل كامل على حساب البراغماتية الزبونية.
إن الانتقال من “ديمقراطية الهوية والأعيان” إلى “ديمقراطية المشروع والعقد” سيستغرق وقتاً. لكن هذا هو الثمن، وهذا فقط هو الثمن، لكي تستعيد ورقة الاقتراع ما كان يجب ألا تتوقف عن كونه أبداً: عقداً سيادياً بين المواطن ومستقبله.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.