كلنا يتذكر أغنية الفنان المغربي نعمان الحلو «المدينة القديمة»، تلك الأغنية التي ارتبطت في وجدان المغاربة بصورة زمن جميل، كانت فيه الحياة أكثر بساطة، والناس أكثر قربًا، والحي يعرف أهله، والجار يعرف جاره. لم تكن «المدينة القديمة» في الأغنية مجرد مكان، بل كانت ذاكرة كاملة تختزن تفاصيل الحياة ودفء العلاقات وملامح زمن لا يزال حاضرًا في الذاكرة.
حين نستعيد صورة تلك المدن والأحياء القديمة، نتذكر الأزقة التي كانت تجمع الناس، والأبواب المتجاورة، والأطفال الذين يعرفون بعضهم بعضًا، والجيران الذين لم تكن علاقتهم تنتهي عند تبادل التحية. كان الجار يسأل عن جاره إذا غاب، ويطرق بابه عند الحاجة، ويشاركه فرحه وحزنه، وربما كان يعرف عن أحواله أكثر مما يعرفه بعض الأقارب.
أما اليوم، فقد تغيرت الحياة كثيرًا. كبرت المدن، وارتفعت العمارات، وأصبحت البيوت أكثر قربًا من بعضها، بينما ابتعدت القلوب أحيانًا. قد يعيش الإنسان سنوات إلى جوار أسرة أخرى، ولا يعرف عنها سوى اسمها أو ملامح أفرادها. نلتقي في المصعد، أو عند مدخل العمارة، نتبادل التحية، ثم يمضي كل واحد منا إلى عالمه الخاص.
ولعل المفارقة أن التكنولوجيا التي جعلت العالم قرية صغيرة، جعلت بعض الجيران غرباء. أصبحنا نعرف أخبار أشخاص يعيشون في قارات بعيدة، ونشاركهم أفراحهم ومناسباتهم عبر شاشات الهواتف، بينما قد لا نعرف أن جارنا القريب يمر بظرف يحتاج فيه إلى سؤال أو كلمة طيبة.
لكن يبقى السؤال هل اختفت الجيرة؟
ربما لم تختفِ، وإنما تراجعت أمام سرعة الحياة وانشغال الناس وتغير أنماط السكن والعلاقات الاجتماعية. وما زالت قيم التضامن والتكافل حاضرة في المجتمع المغربي، وما زالت الأحياء والقرى تحتفظ بالكثير من صور التآلف، خصوصًا في المناسبات والأزمات.
المطلوب ليس أن نعود إلى الماضي بكل تفاصيله، فلكل زمن ظروفه، وإنما أن نستعيد منه ما يستحق البقاء: احترام الجار، والسؤال عنه، ومساعدته عند الحاجة، وحفظ خصوصيته، ومشاركته فرحه، والوقوف إلى جانبه عندما تضيق به الحياة. فالمدن لا تصنعها العمارات والشوارع وحدها، وإنما يصنع جمالها الإنسان وعلاقته بالإنسان.
وقد تكون أجمل مدينة هي التي يشعر فيها المرء أنه محاط بأشخاص يعرفونه ويهتمون به، لا بمجرد جدران متلاصقة وأبواب مغلقة. لهذا تبدو «المدينة القديمة» في ذاكرتنا أكبر من مكان؛ إنها سؤال عن زمن كانت فيه العلاقات أكثر دفئًا، وعن جيرة كانت تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء.
وربما لا ينبغي أن نسأل فقط: أين اختفت الجيرة؟ بل علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نفعل حتى تعود؟ فالجار ليس شخصًا يسكن بجوارنا فحسب، بل جزء من نسيج المجتمع. وإذا استطعنا أن نعيد إلى أحيائنا شيئًا من تلك الروح، فلن نكون قد استعدنا الماضي، بل سنكون قد صنعنا مستقبلًا أجمل؛ مستقبلًا تتطور فيه المدن، دون أن تتباعد فيه القلوب.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.