الذين ينظرون إلى الغرب نظرة انبهار، ويرونه موطن الحق والقانون، حيث يُنصر المظلوم بقضاء نزيه، ربما لا يعرفون جيدًا كيف يراوغ الغرب.
لقد استطاع الغرب، بذكاء ماكر، أن يستعمل وجهًا جميلًا، ولباسًا أنيقًا، ومفردات لطيفة يتداولها لإسكات المغفلين، وإسقاطهم في سلة الاستغلال بعد صفعة الانبهار.
نتغنى بالقضاء العادل والنزيه لدى الغرب. لكننا لا نتحدث عما يفعله بشعوب المسلمين والعرب خصوصًا، وغيرهم عمومًا، حين يزجّ بكثير من المظلومين في السجون. لقد استطاع الغرب صناعة سيناريوهات بأدوار محبوكة لاستغلال سذاجة المتلقي الذي يجهل المغزى الكامن وراء تلك القصص المملة التي باتت تتكرر بصورة دائمة ومستفزة.
يظهر العربي المسلم دائمًا في صورة المجرم، القبيح شكلًا، المتطرف دينيًا، لتلتصق بعباءته تهمة الإرهاب. تلك الكلمة التي صنعها الغرب لإخافة المسلم من أن يُنعت بها، فيلتزم الصمت مهما تجبّر عليه وانتزع حقوقه.
ذلك الذي يوصف بالنزيه، عند محاكمته للعربي المسلم، يضع نصب عينيه مرجعيته، ويتعامل معه وكأنه مجرم بالفطرة لمجرد أنه عربي، ويستحق العقاب حتى إن لم تتوفر أدلة كافية ضده. وكم من أسماء مرموقة لشخصيات عربية مسلمة، عُرفت بنجاحاتها في مجالات مختلفة، انتهى مسارها بمحاكمة مذلة، وكأن الرسالة المراد إيصالها هي أن أعلى الناس شأنًا عندكم متهمون في محاكمنا، وأنه لا قيمة لكم أمامنا مهما بلغتم من النجاح.
من لم يعش مع الغرب قد لا يعرف مدى ما نراه من خبث في بعض ممارساته، ولا تفننه في تحطيم النفوس بأسلحة نفسية سامة وقاتلة.
وسائل الإعلام الفرنسية خصوصًا، والغربية عمومًا، لا تتوقف عن نشر صور سلبية عن العرب والمسلمين. وقد اعتادت صناعة الوهم للتغطية على مقاصدها الحقيقية، وترسم صورًا هلامية لتنتهي إلى انتصار مزيف، ثم تظهر في صورة الملاك الطاهر، بينما يبدو العربي المسلم انتهازيًا وجاهلًا وشريرًا.
القضاء لم ولن يكون نزيهًا بصورة مطلقة في أي أرض، مهما تحدثنا عنه واستشهدنا بدول الغرب التي توصف بالعظيمة. هي دول قامت جوانب من قوتها وثروتها، تاريخيًا، على الاستعمار واستغلال أراضي الآخرين ومواردهم. أما العدل المطلق فهو عدل الله سبحانه وتعالى، بينما يظل عدل البشر ناقصًا ومعرضًا للهوى والتحيز والظلم.
أولئك الذين يقدمهم البعض نموذجًا للعدل ينتمون إلى دول ارتبط تاريخها وحاضرها بحروب واحتلالات. احتلوا فلسطين، وهجروا شعب سوريا وقتلوا أطفاله، ونسفوا تاريخ العراق العظيم وهدموا حضارته، وحاربوا اليمن وليبيا. الذين يُجرِّمون قتل الكلاب الضالة هم أنفسهم من حاربوا وقتّلوا شعوبًا ونهبوا ثروات في فيتنام والكونغو وأستراليا وبوليفيا. لقد تركت تلك الصراعات وراءها قتلى ومهجرين ودمارًا واسعًا، وأسهمت في تعميق شعور كثير من الشعوب بأن القوى الغربية لا تطبق المبادئ التي تعلن الدفاع عنها.
لن تتوقف غطرسة القوى الكبرى ما دامت تجد من يمنحها حق تعريف العدل والظلم وفق مصالحها. وقد رأينا كذلك إساءات إلى رسول الله وإلى مقدساتنا تحت عناوين مختلفة. هذا ما يجعل كثيرًا من المسلمين يتساءلون عن التناقض بين خطاب احترام الإنسان والتساهل مع الإساءة إلى ما يعده الآخرون مقدسًا.
كفى من التعامل مع عدالة الغرب وكأنها حقيقة مطلقة لا تقبل النقد. القوانين والمؤسسات البشرية قد تحقق قدرًا من العدل، وقد تنحرف عنه أيضًا، ولا ينبغي أن تتحول قوة الدول أو تقدمها المادي إلى دليل تلقائي على تفوقها الأخلاقي.
أما تهم الاغتصاب التي تلاحق بعض العرب والمسلمين، فيُستغل معظمها إعلاميًا بطريقة تمس صورة المسلمين والعرب جميعًا، ولم يسلم من مثل هذه الاتهامات حتى بعض الدعاة المسلمين وأئمة المساجد.
الفنانون ولاعبو المنتخبات الوطنية وغيرهم هم جنود الوطن، لا تقتصر مهمتهم على تحقيق الفوز، وإنما يمثلون بلادهم ويحملون رايتها. مسؤوليتهم مسؤولية وطنية، وأي مساس بهم هو، في جوهره، مساس بالجميع.
الفنان سعد لمجرد نموذج لما يمكن أن يتحول إلى قضية تتجاوز الفرد إلى صورة شعب كامل في الإعلام. أردنا أم أبينا، فقد استطاع أن يحقق انتشارًا واسعًا للأغنية المغربية ولهجتها، بعدما كانت اللهجة المغربية تُتهم بصعوبة الفهم لدى كثير من المشارقة. وقبل أن يكون فنانًا، فهو إنسان وقع، في نظر من يتبنون هذه القراءة لقضيته، في دائرة الاستغلال لأسباب عدة. وتُطرح تهم الاغتصاب، في هذا السياق، بوصفها إحدى الوسائل التي قد تُستغل في ابتزاز المشاهير والأغنياء.
صدرت أحكام في حق متهمين بالإبادة الجماعية بعد بضعة أشهر من بداية المحاكمة، بينما امتدت متابعة سعد لمجرد أمام المحاكم نحو عشر سنوات، وكأنه متهم بواحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية. وفي المقابل، لا نسمع عن صدور مثل هذه الأحكام في قضايا اغتصاب أبنائنا أو استغلالهم من قِبل الأجانب.
ولا نسمع أيضًا عن الأشخاص الستة الذين حوكموا في قضية واحدة تتعلق بمحاولة ابتزاز سعد لمجرد بمبلغ ثلاثة ملايين يورو. كان من بينهم مُتَّهِمة سعد، ووالدتها، ومحامية، ومؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وتعلّق الاتهام بمحاولة الحصول على المال من سعد لمجرد نفسه.
في أبريل 2026، برّأت المحكمة مُتَّهِمة سعد، بينما أدانت الخمسة الآخرين بمحاولة الابتزاز. ورأت المحكمة أن الأدلة لم تكن كافية لإثبات أنها كانت تنوي سحب شهادتها أو تغييرها مقابل المال، بينما اعتبرتها كافية لإدانة الخمسة الآخرين، وهو ما يثير لدى المتابع تساؤلات بشأن حيثيات القضية ومسارها.
قضية سعد لمجرد، في نظر من يتبنون هذا الطرح، تحولت إلى أداة لإدانة المغاربة أو إذلالهم. وفي الوقت نفسه، فإن الحكم على حقيقة الاتهامات الموجهة إليه ينبغي أن يستند إلى الأدلة والإجراءات القضائية، لا إلى جنسيته ولا إلى شهرته. وأن يُتابَع شخص في قضية تمتد محاكمتها لأكثر من عشر سنوات أمر يثير كثيرًا من الريبة والتساؤلات.
فحتى في بعض جرائم القتل الخطيرة قد تُحسم المحاكمة في مدة أقصر من ذلك. أما إبقاء الإنسان سنوات طويلة تحت وطأة الاتهام والمحاكمات المتكررة، فهو في حد ذاته شكل قاس من أشكال الاستنزاف والإذلال والتعذيب النفسي. وربما لو صدر الحكم النهائي في القضية منذ سنوات، لكان قد قضى عقوبته، إن ثبتت إدانته، وأصبح اليوم حرًا طليقًا.
هل كانت الغاية هي الوصول إلى حكم قضائي فحسب، أم أن طول المسار القضائي نفسه تحول إلى عقاب وإذلال واستنزاف؟ فالسنوات التي تُنتزع من عمر الإنسان لا يعيدها حكم ولا تعويض.
كأن الرسالة التي تصل إلينا من هذا المشهد تقول: نأخذ أشهر شبابكم، ونطفئ نورهم، ونكسر مجاديفهم، ثم نتركهم يحملون آثار المحاكمة حتى بعد انتهائها. فهل ما صدر في حق سعد لمجرد حكم قضائي فردي أم عقاب جماعي لنا؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.