هيئة النزاهة: تحديات أمام مكافحة الفساد

هيئة النزاهة: تحديات أمام مكافحة الفساد
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 14:32

سجلت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في تقريرها السنوي برسم سنة 2025، الذي عرض مضامينه محمد بنعليلو، رئيس الهيئة، اليوم الجمعة في لقاء صحافي بالرباط، أن “مكافحة الفساد في المغرب لا تزال تواجه تحديا جوهريا يتعلق بمستوى الالتقائية بين المتدخلين، وبمدى الانسجام بين السياسات والمبادرات والبرامج المرتبطة بالنزاهة والحكامة”.

وأشارت الهيئة، في التقرير المنجز في إطار المادة الخمسين من القانون المنظم لعمل هذه الهيئة والذي تضمن تسعة محاور، إلى أن “وضعية النزاهة والفساد بالمغرب سجلت، خلال هذه السنة الماضية، تحسنا محدودا لا يمحو التراجعات المتراكمة”، مبرزة أن “المغرب يواصل تطوير إطاره القانوني والتنظيمي والمؤسساتي؛ لكن أثر هذا التطور على النزاهة والمساءلة وتقليص مخاطر الفساد لا يزال محدودا ومتفاوتا”.

مكتسبات ومسافات

ولفتت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى أن “هناك مكتسبات في تنظيم النشاط الاقتصادي وتوفير الخدمات، تقابلها صعوبات في الكفاءة العملية التي تواجهها المقاولة؛ وما يظهر أنه تطوير للأطر القانونية والرقابية، يقابله تعثر في الشفافية المالية والامتثال؛ وهناك تحسن محدود في بعض أبعاد سيادة القانون، بينما تستمر الحاجة إلى تقوية حماية الحقوق وفعالية المساءلة. كما تكشف المعطيات عن مواطن هشاشة داخل دوائر اتخاذ القرار والتنفيذ، تستدعي تعزيز أخلاقيات العمل الإداري والسياسي، وضمان شفافية القرارات، وتدبير تنازع المصالح، وتحديد المسؤولية عن النتائج”.

وذكرت الهيئة، التي تتولى مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، أن “المشكلة التي تتكرر هي المسافة بين الإصلاح المعتمد والإصلاح المطبق، وبين ما تعد به القواعد وما يلمسه المواطن والمقاولة. وتتضح هذه المسافة أيضا في تدبير سياسات مكافحة الفساد نفسها؛ فمحدودية الأهداف القابلة للقياس، وعدم انتظام تقارير التتبع وفق المعطيات المعتمدة في التقييم، يضعفان القدرة على معرفة ما تحقق، وما تعثر، ومن يتحمل مسؤولية التصحيح”.

وتابعت بأن “الصورة التي تقدمها المؤشرات الدولية لا تعطي حكما بتراجع شامل في جميع المجالات؛ لكنها لا تسمح أيضا بالحديث عن تحول نوعي في النزاهة. إنها تكشف تطورا بسيطا وظرفيا يحتاج إلى التثبيت، وتراجعات تستوجب المعالجة، وفجوة تنفيذ أصبحت أولوية للإصلاح”، مبرزة أنه “لا يكفي أن تتحسن صورة الإطار المؤسساتي، إذا ظل أثره ضعيفا في حماية الحقوق، وعدالة الفرص، وشفافية القرار، ومحاسبة التجاوزات”.

وأوضحت أنه “في مجال المتابعات الجنائية، تظهر معطيات رئاسة النيابة العامة برسم سنة 2025 استمرار التدخل للكشف عن أفعال الرشوة والفساد المالي وتتبع مرتكبيهما، بوسائل متعددة، إذ تعكس معطيات التبليغ عن الرشوة، ونشاط أقسام الجرائم المالية، وقضايا غسل الأموال، وجود قدرة مؤسساتية على رصد جزء مهم من هذه الأفعال وتحويلها إلى مسارات قضائية”.

وكشفت عن “وجود تفاوت ظاهر بين نطاق الجرائم الأصلية التي يمكن أن تولد متحصلات مالية غير مشروعة وبين قضايا غسل الأموال المعروضة على القضاء، خاصة أن المعطيات المتاحة لا تكفي وحدها للجزم بأسباب هذا التفاوت؛ لكنها تكفي لاعتباره موضوعا للفحص والتقييم، وللتأكيد على ضرورة توطيد المقاربة المالية في البحث والتحري”.

مشاريع وأوليات

وشددت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ضمن تقريرها السنوي برسم سنة 2025، على “ضرورة تحويل المعرفة التي تنتجها الرقابة والقضاء إلى إصلاحات في التدبير والإشراف والامتثال، تستهدف البؤر التي تتكرر فيها الاختلالات”، معتبرة أن “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة وتعزيز النزاهة ساهمت في إطلاق مبادرات تشريعية، وتنظيمية وإجرائية، إلا أنها لم تكن كافية لإحداث التحول المستهدف، ولم تنعكس بالقدر المأمول على المؤشرات المرجعية للنزاهة ومكافحة الفساد”.

وبيّن تقرير الهيئة أن “المشاريع التشريعية، التي شكلت العمود الفقري للإصلاحات المهيكلة، كانت أكثر تعرضا للتأخر والتعثر وأحيانا للتراجع؛ فلم تتجاوز نسبة المنجز منها بالكامل 44 في المائة، مقابل 57 في المائة للمشاريع الإجرائية والتقنية. وهو ما مس جوهر الاستراتيجية، لأن عددا من الإصلاحات المتأخرة كان يُعول عليه لاستكمال البيئة القانونية والمؤسساتية للوقاية والكشف والمساءلة”.

وسجلت الوثيقة أن “المغرب انتقل في مؤشر مدركات الفساد من 37 نقطة سنة 2016 إلى 43 نقطة سنة 2018، قبل أن يبدأ منحى تراجعيا منذ سنة 2019، أدى إلى فقدان معظم المكاسب، والعودة سنة 2024 إلى مستوى 37 نقطة، ثم التحسن بنقطتين سنة 2025″، مبينا أن هذه النتيجة ظلت بعيدة عن الطموح الاستراتيجي الذي استهدف تحقيق قفزة قدرها 23 نقطة.

وأشار المستند عينه إلى محدودية أداء آليات الحكامة، حيث إن “اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، المحدثة بمرسوم سنة 2017 لتكون الإطار الأعلى للإشراف على التنفيذ، والتي يترأسها رئيس الحكومة، لم تعقد سوى اجتماعين منذ إحداثها؛ بينما كان مقررا عقد اجتماعين كل سنة”.

وشدد على “ضرورة الانتقال إلى استراتيجية ترتب الأولويات بحسب المخاطر، وتركز على الإصلاحات المهيكلة، وتعزز الترابط بين الوقاية والكشف والمساءلة، وتربط كل مشروع بنتائج واضحة قابلة للتقييم”، مسجلا أهمية “استكمال الإطار القانوني لمنظومة النزاهة خاصة عبر تجريم الإثراء غير المشروع، بما يحقق النجاعة ويحترم ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة والأمن القانوني، مع إقرار إطار تشريعي متكامل لتنازع المصالح، يحدد حالات التداخل بين المصالح الخاصة والمسؤوليات العمومية، وقواعد التصريح والإفصاح، وآليات المعالجة والمراقبة، والجزاءات المترتبة عن الإخلال”.

واقترح تقرير الهيئة سالفة الذكر “مراجعة المرسوم المؤطر للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، لتوضيح أدوار المتدخلين بما فيها دور الهيئة، وتعزيز القيادة والتنسيق، مع إحداث لجان دائمة متخصصة بحسب المحاور الكبرى، تجعل التنسيق وظيفة مؤسساتية مستمرة، قادرة على رصد الإشكالات ومعالجتها مبكرا، والحفاظ على التعبئة طيلة التنفيذ”.

كما اقترح المصدر ذاته “تخفيض الأفق الزمني للاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد من 10 سنوات إلى خمس سنوات، أو أقل عند الاقتضاء، بما ينسجم مع متطلبات الفعالية والمساءلة، وربط الأفق الاستراتيجي بمدة الانتداب الحكومي الذي يتيح وضوحا أكبر للمسؤوليات السياسية والمؤسساتية، ويساعد على تقييم الأداء وربط المسؤولية بالنتائج”.

شكايات وقرارات

وبخصوص الشكايات والتبليغات التي توصلت بها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أشار التقرير إلى “انتقال عدد الملفات المتوصل بها من 92 ملفا سنة 2024 إلى 420 ملفا سنة 2025.. غير أن 218 ملفا صُرح فيه بعدم الاختصاص، و84 ملفا صرح فيه بعدم القبول؛ مما يكشف فجوة بين انتظارات بعض المتوجهين إلى الهيئة وحدود اختصاصاتها”.

واعتبرت الهيئة المُعهد إليها اقتراح التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته أن “المقاربة الزجرية تبلغ أثرا أقوى حين تتمكن الدولة من تتبع الأموال غير المشروعة، وحجزها، وحفظ قيمتها، ومصادرتها واستردادها وفق القانون، ثم توجيه ما يُسترد لفائدة المجتمع؛ بما في ذلك الإسهام في مشاريع تنموية”، داعية في هذا الصدد إلى “إحداث مؤسسة عمومية متخصصة لتدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة”.

وأكدت أن “بناء المناعة المجتمعية استثمار أساسي في استدامة الإصلاح؛ ذلك أن أخطر ما يواجه النزاهة هو أن يصبح الفساد مألوفا، وأن يتحول رفضه إلى استثناء”، مشيرة إلى أن “المغرب عزز، في العقدين الأخيرين، بنياته الدستورية والرقابية وراكم إصلاحات مؤسساتية وقانونية مهمة ووسع مجالات الرقمنة؛ وهي مكتسبات لها قيمتها، بل ويجب أن تأخذ مكانها في أي تقييم موضوعي بدون خلاف.. غير أن المؤشرات الدولية تواصل توجيه رسالة بمضمون متقارب مفادها أن نجاح الإصلاح يُقاس بقدرته على تغيير سلوك الفاعلين، وتحسين ثقة المواطنين والمستثمرين في الأداء العمومي، وتقليص فرص الفساد ومظاهره”.

وخلصت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى أن “الفساد ظاهرة معقدة، تتطلب قدرة متزايدة على التوقع والاستباق وإدارة المخاطر، وبالتالي تطوير طريقة التعامل مع المعطيات، وسرعة تحليل المعلومات المتاحة، وربطها بعضها ببعض، وتحويلها إلى قرارات وسياسات وإجراءات وقائية فعالة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Mafia
    الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 14:49

    ف 2013 تكمل سطاد آدرار فآكاديرب 860 مليون درهم, ف 2026 ريبوه وهيعاودوه بمليار درهم

  • احمد
    الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 14:59

    هيات النزاهه في المملكه المغربيه الشريفه معروفة بنزاهتها ولها مكانة خاصة على الصعيد العالمي

  • logique
    الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 15:24

    النزاهة و مكافحة الخدرات نفس مسرحية الكل في الحي يعرف من يبيع المخدرات الى الذي يجب ان يتدخلو و كذلك الفساد الكل يعرف المرتشي في نفوذه الترابي الا الهيئة

صوت وصورة
المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:41

المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح

صوت وصورة
مراسيم تعيين الحكومة الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:26

مراسيم تعيين الحكومة الجديدة

صوت وصورة
''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:46

''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى

صوت وصورة
تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:05

تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين