منذ أشهر، خصّصتُ بعض الوقت لإعادة قراءة كتابات كارل ماركس من غير مناسبة واضحة، ومن غير خطة سابقة، كأنني كنتُ أعود إلى مفكّر غادر زمنه وظل يسكن أزمننا.
بدأتُ القراءة بدافع الفُضول، ثم سرعان ما تحوّلت إلى مواجهة مع أسئلة لم تفقد حرارتها: لماذا تتضاعف الثروة ويزداد معها الخوف؟ لماذا تمنحنا التقنية قدرة هائلة على الإنتاج، ثم تسلبنا الوقت والطمأنينة؟ كيف يصنع الإنسان المؤسسات والأسواق والآلات، ثم يقف أمامها عاجزاً كأنها قوى لا سلطان له عليها؟
عصر ماركس لم ينتهِ بعدُ
ربما ما زلنا بحاجة إلى كارل ماركس، لا لأن التاريخ ينتظر أن يحقق نبوءة قديمة، وإنما لأن التناقضات التي أيقظت فكره لم تختف؛ لقد ازدادت تعقيداً واتخذت وجوهاً جديدة. نعيش زمناً ينتج ثروة غير مسبوقة، لكنه يوزع القلق والهشاشة على نطاق واسع. تتقدم التقنية كي تختصر الجهد، ثم تمتد ساعات العمل إلى الهاتف والمنزل.
تتضاعف قدرتنا على صنع العالم، بينما يتراجع شعورنا بالقدرة على التحكم فيه. لهذا لا نحتاج إلى الماركسية بوصفها عقيدة مغلقة، نحتاج إلى ماركس الذي يزعج البداهات، ويفكّك ما يبدو طبيعياً، ويكشف العلاقات الإنسانية المختبئة خلف الأسعار والأرقام والمؤسسات. نحتاج إليه أداةً للنّقد، لا بديلاً عن التفكير؛ بدايةً للسؤال، لا نهايةً له.
هل انتهى ماركس أم بدأنا نفهمه الآن؟
لم يفهم ماركس الرأسمالية بوصفها مجرد سيطرة أغنياء جشعين على فقراء ضعفاء. رأى فيها نظاماً من العلاقات يفرض منطقه حتى على من يستفيد منها أكثر. فصاحب رأس المال نفسه مطالب بالتّوسع، وخفض الكلفة، وتسريع الإنتاج، وملاحقة الرّبح وإلا أخرجته المنافسة من السّوق.
هنا تكمن راهنية ماركس: إنه ينقل السّؤال من أخلاق الأشخاص إلى منطق النظام. لا يسأل فقط: من يملك؟ يسأل: من يقرر ما الذي يتمّ إنتاجهُ، ولأي غاية، وبأي ثمن إنساني وبيئي؟ ولماذا يصبح النّمو ضروريا دائماً حتى حين لا يضيف إلى الحَياة معنى أو أماناً؟
وأخيرا ، لماذا تبدو قرارات السّوق كأنها أحكام محايدة، مع أنها نتاج قوانين وملكيات وموازين قوة؟ الرأسمالية المعاصرة أكثر مرونة وعولمة من رأسمالية المصنع في القرن التاسع عشر، لكنها لا تزال تستندُ على المبدأ نفسه: تحويل المال إلى مال أكثر، والعمل والوقت والطبيعة والمعرفة إلى وسائل لهذه الحركة. تغيرت الآلات، وبقي السؤال الماركسي حيّاً: هل الاقتصاد في خدمة الحياة، أم صارت الحياة مادةً خاماً للاقتصاد؟
لماذا يعود ماركس كلما اشتدت أزماتنا؟
سمّى ماركس هذه المفارقة اغتراباً: أن يضع الإنسان قوته في شيء يصنعه، ثم يعود هذا الشيء ليواجهه بوصفه قوة غريبة. ينتجُ العامل سلعة لا يملكها، داخل نشاط لا يحدد غايته، وفي زمن لا يملكه. وكلما اتسع العالم الذي يسهم في بنائه، ضاق نصيبه من القرار فيه. لكن الاغتراب اليوم لا يقف عند باب المصنع.
ذلك أنّ الموظف يختزل نفسه في مؤشرات أداء، والعامل الحرّ يطارد تقييماً قد تقرره الخوارزمية، والمستخدم يحوّل انتباهه وعلاقاته وميوله إلى بيانات قابلة للبيع. من هنا تظهر قوة مفهوم “صَنمية السلعة”.
نحن نرى السعر، ولا نرى العلاقات التي صنعته. نرى الهاتف، ولا نرى المناجم والمصانع وسلاسل النقل والمعرفة والعمل التي اجتمعت فيه. نرى خدمة رقمية مجانية، ولا نرى أن بياناتنا وانتباهنا وسلوكنا هي الثمن. لا تحكمنا الأشياء لأنها تملك إرادة، تحكمنا لأن العلاقات التي أودعناها فيها صارت غير مرئية.
ومهمّة النّقد عند ماركس هي إعادَة ما يبدُو قوةً طبيعية إلى أصله الاجتماعي: ما من شكّ أنّ الإنسان هو الذي صنَع هذهِ القواعد، ولذلك هو الوحيدُ الذي بإمكانه تغييرها.
عندما يصبحُ الحاضرُ شرحاً لماركس
لا تقول الرأسمالية المعاصرة للفرد دائماً: اخضعْ؛ تقول له: حقِّقْ ذاتكَ، واستثمر في نفسك، واصنعْ علامتك، وحوّل موهبتك إلى دَخْل، وعلاقاتك إلى شبكة، وراحتك إلى فرصة. تبدو الرسالة وعْداً بالحرية، لكنها تحمل أمراً خفياً: تصرفْ كأنك مؤسسة صغيرة، وتحمّل وحدك مخاطر المرض والبطالة والتقلُّب والفشل.
هكذا يغدو الإنسان حارساً لإنتاجيته، ومحاسباً لوقته، وقاضياً على ضعفه. إذا انهار من الإرهاق، اتهم نفسه بسوء التنظيم. وإذا فقد عمله، ظن أنه لم يطوّر مهاراته بما يكفي.
تتحوّل كلُّ أزمة اجتماعية إلى شعور شخصي بالذّنب. لهذا ما زلنا بحاجة إلى ماركس، ولكن ماركس القادر على رؤية أن السيطرة لا تسكن عقد العمل فقط، بقدر ما تكمن وراء اللغة التي نعرّف بها النجاح والفشل والحرية. فالتحرر لا يبدأ بتغيير الملكية وحدها؛ يبدأ أيضاً بتحرير المخيلة من الفكرة التي تجعل الإنسان مشروعاً استثمارياً.
حين يصبح نقدُ ماركس وفاءً له
لا تعني الحاجة إلى ماركس التسليم له بكل شيء. فقد حملت بعض نصوصه ثقة زائدة في التّقدم الصّناعي، أو لغةً توحي بمسار تاريخي واحد تنطلق منه أوروبا وتقيس به بقيّة العَالم. كما أن تجارب القرن العشرين كشفت خطراً لا يجوز التّهرب منه: يمكنُ لنقد رأس المال أن يتحوّل إلى سلطة جديدة، وللوَعد بالتّحرر أن يبرِّر الحزب الواحد والبيروقراطية والقمع.
وعلى هذا الأساس، فإنّ المجتمع الذي يَعِدُ بتحرير أفرادهِ اقتصادياً، ثم يسلبهم حرية التعبير والتنظيم والاختيار، إنّما يُعيد فقط بعمله هذا إنتاج الخضوع باسم الخلاص. لهذا يجب أن نقرأ ماركس أحياناً ضدّ عباراته وخياراته؛ ذلك أنّ ماركس الذي لا يقبلُ النَّقد يُصبح إيديولوجيا. وأعمقُ وفاءٍ لَهُ هو أن نضعَه أمام المَحكمة نفسها التي وضَع أمَامها العَالَم.
هل ما زلنا بحاجة إلى كَارلْ مَاركس؟
ما زلنا بحاجة إليْه لأنّ عالمنا لا يزال يطلب منا أن نقبل ترتيبات تاريخية كما لو كانت قوانين طبيعية: أنّ العمل المأجور قَدَرٌ، وأن النُّموّ غايةٌ، وأن السّوق حَكَمٌ مُحايد، وأن اللامساواة ثمنٌ للكفاءة، وأن البيانات مِلْك لمن يجمعها، وأن الإنسان مَشروعٌ اقتصادي لا يحقّ له التَّوقّف.
لذلك نعم، ما زلنا بحاجة إلى ماركس؛ لا ليعطينا جواباً جاهزاً، وإنما ليمنع الإجابات الجاهزة من إغلاق العَالَم. نحتاج إلى حساسيته تجاه ما تخفيه الأشياء، وإلى جرأته في سؤال المِلْكِيَة والوقت، وإلى انحيازه للإنسان الذي يريد أن يستعيد السَّيطرة على ما صنعته يداه.
لا نحتاج إليه حارساً على باب إيديولوجيا قديمة، نحتاجه رفيقاً مزعجاً للفكر: يعود كلما سمّينا الخضوع حرية، وكلما جعلنا التقنية قدراً، وكلما نسينا أن الاقتصاد وسيلة لتنظيم الحياة. إنَّ أعمق وفاء لماركس ليس أن نُكرِّر كلماته، وإنَّما أن نُمارس شَجاعته: أن نضعَ العالَم أمام محكمة النّقد، ثم نَضع ماركس نفْسَهُ أمَامَها.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
تحليل موفق و في محله. شكرا للكاتب.
جربنا الماركسية في مدينة كارل ماركس قبل انهيار الحائط فكانت النتيجة أكل البطاطا و ملف لدى الاستخبارات( Stasi) …وبعد انهيار الحائط، و باسم أخر، عشنا في مدينة Chemnitz, مدينة كارل ماركس، رأسمالية هلموت كول، سنوات الرفاهية…و عندما انتهت جاء زمن الاكتئاب و السرطان و ” يعتقدون” ان الحل هو حزب البديل النازي..وليس ماركس! …ليس ماركس هو دواء الاكتئاب و السرطان…والفقر…ولا البديل من اجل المانيا. الحل هو الاسلام!
لقد وصلت الجرأة بكارل ماركس أنه قال بصريح العبارة ” إن الجريمة وسيلة من وسائل الإنتاج ” لأن المجرم حسب نظره قبل الإقدام على ارتكاب جريمته يشتري سكينا من بائع السكاكين و يزور مفتاحا من صانع المفاتيح و يستقل سيارة أجرة لمحل ارتكاب جريمته و … و هكذا يكون قد ساهم بطريقة غير مباشرة في الدورة الاقتصادية لكن ، تصوروا معي لو نشر مؤلفه حاليا في هذا الوطن ، قسما لتم اعتقاله و إحالته على النيابة العامة فورا…
مادام الغنى بدون شرعية والتصلط والاستقلال وعدم توزيع خيرات البلاد…..فماركس يبقى دائما حاضر
مقال ممتاز خصوصا بإعادة شخصية فكرية كبيرة الى واجهة النقد و التساؤل في زمن لم يعد يجد بمثل هؤلاء الرواد فطغى الفكر التكنقراطي. أعيد التساؤل للأستاذ هل لا زالت نظرية ماركس و مقوماتها الأساسية العمل أدوات الإنتاج القيمة…ملائمة لعصر الذكاء الاصطناعي الذي نحن مقبلين عليه؟
تحية. لو كان ما ذكرت صحيحا و واقعيا، لكانت الأمة الإسلامية في مقدمة الدول المتقدمة الراقية، و لكانت هي القاطرة لإسعاد الإنسانية. لكن العكس هو الصحيح، و الدليل هو ما تراه و تعيشه في كل البلدان الإسلامية بدون استثناء: الفقر المدقع و العنف و الحروب و الظلم و الإستبداد… منذ ما يزيد عن 1400 سنة. الحل ليس هناك، كما تزعم…. معذرة، هذه هي الحقيقة المرة، أردنا أم أبينا. نحن في ذيل الأمم مع الأسف.