يضع مشروع قانون المالية الجديد لسنة 2027 “استعادة القدرة الشرائية” في صدارة أولوياته، بالتوازي مع “إطلاق برنامج وطني لإدماج الشباب”، وتسريع وتيرة الجهوية المتقدمة، وترسيخ مقومات السيادة الاستراتيجية للمملكة؛ وهي الأولويات نفسُها التي كان حددها الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان هذه السنة، ووردت أيضا في البرنامج الحكومي للولاية الحالية.
دعم المقاصة وتخفيض ضريبي وإصلاح الأسواق
حسب المذكرة التقديمية للمشروع، أقرّت الحكومة تدابير ملموسة لمواجهة الضغوط التضخمية وتخفيف تكاليف العيش عن الأسر.
وبرمجت “حكومة المنصوري” 19.4 مليارات درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين عبر آلية “صندوق المقاصة”.
كما قررت الدولة “تحمّل قيمة كل فاتورة كهرباء شهرية تعادل أو تقل عن 100 درهم بشكل كامل”؛ في خطوة اجتماعية نوعية تستهدف الفئات الهشة، حسب ما اطلعت عليه هسبريس في المذكرة.
ولم تقتصر الإجراءات على الدعم الظرفي؛ بل شملت تحولا هيكليا يمس مسالك التوزيع ومحاربة المضاربة لضبط الأسعار، حيث تعتزم الحكومة إحداث 6 شركات جهوية للتوزيع في كبرى الأحواض الفلاحية (سوس، تادلة، الغرب، اللوكوس، دكالة- عبدة، والشرق)؛ لـ”تقليص حلقات الوساطة وتوفير خدمات التجميع والتبريد والتسويق المباشر. ويواكب ذلك تأهيل المجازر وأسواق الماشية، وتحديث شبكة أسواق الجملة عبر منصات جهوية مندمجة للتخزين والتلفيف والتتبع الرقمي للأسعار”.
ولتعزيز الدخل الفردي، تباشر الحكومة إصلاحا تدريجيا للضريبة على الدخل يمتد بين 2027 و2031، يهدف إلى رفع الأجور الصافية عبر رفع سقف الدخل المعفى من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم سنويا، و”خفض السعر الهامشي” من 37 في المائة إلى 30 في المائة.
وينضاف ذلك إلى “التزامِ الحكومة بتخصيص غلاف مالي يناهز 50 مليار درهم في أفق 2027 لتنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي لفائدة 1.25 مليون موظف وعونٍ، بعدما سجلت الأجور الدنيا بالقطاع الخاص (SMIG وSMAG) ارتفاعا بنسبة 21 في المائة و27 في المائة على التوالي”، حسب المعطيات الرسمية.
رفع مبالغ الدعم والحد الأدنى للمعاشات
تقرَّر، أيضا، الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر ليصل إلى 600 درهم شهريا خلال سنة 2027 “كمرحلة أولى”، في أفق بلوغ 1000 درهم، موازاة مع الانتقال التدريجي نحو الاستهداف القائم على الدخل الفعلي المتاح للأسر. ويأتي ذلك بعدما غطت المنظومة أكثر من 4 ملايين أسرة تضم 5.77 مليون طفل، وصرفت ما يزيد عن 71 مليار درهم من الإعانات منذ انطلاقها.
كما يشهد فاتح فبراير 2027 التطبيق الفعلي للقانون رقم 54.23 القاضي بنقل تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض للقطاع العام من “كنوبس” إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، موحِّدا بذلك إدارة التغطية الصحية التي باتت تشمل قرابة 89 في المائة من ساكنة المملكة.
وفي ملف التقاعد، وضعت الحكومة “إجراءات استعجالية لإنصاف المتقاعدين وذوي الحقوق”، حيث “سيتم رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 1700 درهم شهريا سنة 2027 كشطر أول في مسار بلوغ 3000 درهم، إلى جانب مضاعفة معاش الأرملة ليمثل 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى بدلا من 50 في المائة المعمول بها سابقا، مع صون كامل حقوق الأيتام”.
قفزة ميزانيات الصحة والتعليم والسكن
تتكامل إجراءات دعم القدرة الشرائية مع تعزيز العرض الاجتماعي العمومي، إذ ارتفعت مخصّصات قطاع الصحة إلى 45.4 مليارات درهم برسم سنة 2027 لتشغيل المستشفيين الجامعيين بطنجة وأكادير، وتفعيل ست مجموعات صحية ترابية، وإطلاق برنامج تأهيل 1600 مركز صحي أولي جديد بعد استكمال تأهيل 1400 مركز قائم.
وفي قطاع التربية الوطنية، رصد مشروع قانون المالية 106.9 مليارات درهم لدعم استقرار الأطر التربوية وتعميم “مدارس الريادة” وتوسيع شبكة التعليم الأولي. كما تستعد المنظومة الجامعية لافتتاح 49 مؤسسة عمومية جديدة متخصصة لتقريب التعليم العالي وملاءمته مع متطلبات الاقتصاد.
وقطاع السكن، تتعهد الحكومة، عبر “مالية 2027” صرفَ إعانات الدعم المباشر لاقتناء السكن الرئيسي بعد استفادة 128 ألف أسرة إلى حدود شتنبر 2026، مع “إطلاق مسار معالجة ما تبقى من أحياء الصفيح بالمدن الكبرى والمراكز الحضرية”.
برنامج شبابي مندمج ومنحة تشغيل جديدة
استجابة للتوجيهات الملكية بوضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، تطلق الحكومة “البرنامج الوطني المندمج للشباب 2027-2031″، القائم على مسار متكامل يمتد من مقاعد الدراسة والتكوين إلى الشغل والسكن اللائق.
وتتضمن التدابير الجديدة اعتماد “منحة جديدة للتشغيل” تصرف للمشغل عند الإدماج المستدام للباحثين عن عمل في القطاع الخاص لضمان استقرار الوظائف. كما تشمل المبادرة إحداث منصة وطنية لتسجيل ومواكبة الشباب البالغين بين 18 و29 سنة الموجودين خارج منظومة التعليم والتدريب وسوق الشغل (NEET).
ويترافق هذا التوجه مع استكمال إنجاز مدن المهن والكفاءات لتغطي الجهات الاثنتي عشرة، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج المهني إلى 150 ألف مستفيد سنويا، وإقرار “ميثاق الشغل اللائق” ووضع علامة “المشغل النموذجي”، مع تحديث مدونة الشغل لتأطير العمل عن بعد والعمل عبر المنصات الرقمية.
رفع التحويلات لفائدة الجهات
تنفيذا للقرارات الصادرة عن المجلس الوزاري المنعقد في 9 أبريل 2026، يشهد التدبير الترابي منعرجا عمليا برصد 25 مليار درهم برسم سنة 2027 لانطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والمقدر غلافها الإجمالي بـ210 مليارات درهم على مدى 8 سنوات.
وترتكز هذه الهندسة الترابية على القانون التنظيمي رقم 031.26 المتعلق بالجهات، الذي يرفع التحويلات المالية السنوية المباشرة للدولة لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من 2027 (مقارنة بـ10 مليارات درهم سابقا). كما ينص الإطار القانوني على التحويل الفعلي للوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تتمتع بمرونة تدبيرية واسعة، وتسريع ميثاق اللاتمركز الإداري لتمكين الجهات من ممارسة اختصاصاتها الذاتية والمشتركة بكفاءة واستقلالية.
السيادة الاستراتيجية و”محركات الاقتصاد الصاعد”
يجعل مشروع قانون المالية لسنة 2027 من تأمين السيادة الوطنية في أبعادها الحيوية ركيزة رئيسية؛ ففي قطاع الماء يُنتظر أن تتجاوز حقينة السدود الوطنية 24 مليار متر مكعب بنهاية 2027، مع تسريع محطات تحلية مياه البحر لبلوغ إنتاج سنوي يناهز 1.8 مليارات متر مكعب في أفق 2031 لتأمين 60 في المائة من الحاجيات المائية.
كما يتم تعزيز السيادة الطاقية برفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة بحلول 2030، وتنزيل “عرض المغرب للهيدروجين الأخضر”، مع العمل لـ”تأمين مخزون استراتيجي للمحروقات يغطي ثلاثة أشهر”.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، ترتكز الحكومة على استثمار عمومي إجمالي يبلغ 400 مليار درهم سنة 2027 لتطوير مشاريع البنية التحتية السككية والمينائية والمطارية، لا سيما تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، واستعدادات تنظيم كأس العالم 2030، مستهدفة تحقيق نمو بنسبة 3.7 في المائة مع حصر عجز الميزانية عند حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بما يوازن بين الإقلاع التنموي والاستدامة المالية للمملكة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.