2030.. هل ستكون الجهات في الموعد؟

2030.. هل ستكون الجهات في الموعد؟
الإثنين 17 فبراير 2025 - 07:27

لا حديث اليوم في الأوساط الوطنية والدولية إلا عن 2030، السنة التي سيحتضن فيها المغرب بمعية إسبانيا والبرتغال كأس العالم لكرة القدم. ولأن كرة القدم والرياضة بصفة عامة تشكّل أحد المواضيع الهامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فإنّ هذا التاريخ حاسم بالنسبة لبلدنا لأنه يسائل الدولة والجهات، اليوم قبل الغد، هل ستكونان في الموعد؟ والقصد بالموعد، أنّ سنة 2030 بمثابة تاريخ أقصى سيوضح بجلاء، هل كانت الدولة المغربية وجهاتها الـ 12 في مستوى التحديات والرهانات المطلوب رفعها من لدنهما، لإنجاح هذا الاستحقاق الكروي العالمي ومعه استحقاقات أخرى اقتصادية وسياسية واجتماعية إذا تحققت ستمكّن المغرب من الولوج فعليا إلى خانة الدول الصاعدة.

وما نهتم به في هذه الورقة هو حالة الجهات مع التركيز على البعد الاقتصادي للتنمية الجهوية. وننطلق من أنه إذا كانت الدولة مطالبة ابتداء من الآن لأننا نستعد لاحتضان كأس إفريقيا لكرة القدم وهو اختبار تجريبي، (مطالبة) بالرفع من مستوى التحديات المتعلقة بالحكامة المالية والاقتصادية والاستمرار في الرفع من مستوى التحدي الاجتماعي، فإنّ جل الجهات وليس فحسب تلك التي سيتم تنظيم كأس العالم بترابها، مطالبة أولا وقبل كل شيء بأن تجعل من مرحلة (2025 – 2030) مرحلة لاستدراك التأخر الاقتصادي على مستوى ترابها. ولذلك، نتساءل:

ما الدور المنتظر من الجهات للنهوض بالتنمية الاقتصادية على المستوى الترابي لكل منها؟ أو لنقل إذا أردنا مصارحة ذواتنا، ما الدور الذي مازال منتظرا من الجهات للنهوض بالتنمية الاقتصادية على المستوى الترابي لكل منها؟

بوّأ المشرع المغربي الجهة، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى أي بالنسبة للعمالات والأقاليم والجماعات. والصدارة لا تعني الوصاية على هذه الجماعات الترابية الأخرى حيث إن دستور 2011 صريح في ذلك إذ ينص في الفصل 143 منه على أنّه: “لا يجوز لأي جماعة ترابية أن تمارس وصايتها على جماعة أخرى. تتبوأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية (…)”.

وتعني مكانة الصدارة، المكانة المركزية والقيادية للجهات باعتبارها مصدرا لخلق الثروات المادية واللامادية ولانبثاق ديمقراطية تشاركية وكذا لترسيخ مبادئ استدامة الموارد أمام التغيرات المناخية، كما ذهبت إلى ذلك اللجنة العلمية التي أعدت التقرير العام المتعلق بالنموذج التنموي الجديد.

وأجدني ممن يعتقدون أن التنمية الاقتصادية الجهوية هي الجسر الأساسي بل الشرط الذي من دونه لن تتحقق التنمية الجهوية بمفهومها الشامل والتي هي اختصاص ذاتي للجهة. وهذا لا يعني أن الميادين الستة الأخرى المكوّنة لمجال التنمية الجهوية المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، أقل أهمية. والقصد: ميدان التكوين المهني والتكوين المستمر والشغل، ميدان التنمية القروية، ميدان النقل، ميدان الثقافة، ميدان البيئة وميدان التعاون الدولي.

وللتوضيح، تشمل الاختصاصات الذاتية على الاختصاصات الموكولة للجهة في مجال معين بما يمكّنها من القيام، في حدود مواردها، وداخل دائرتها الترابية، بالأعمال الخاصة بهذا المجال، ولا سيما التخطيط والبرمجة والإنجاز والتدبير والصيانة. وذلك حسب المادة 80 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات.

لتجسيد التنمية الاقتصادية على المستوى الترابي لكل جهة من جهات المملكة، حدّد المشرع المغربي لهذه الوحدات الترابية من خلال القانون التنظيمي (رقم 111.14) المتعلق بالجهات والمنظم لشؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المهام المنوطة بها قانونيا، أي المكلّفة بأدائها قانونيا، للنهوض بالتنمية الاقتصادية الجهوية، وقد حصر عددها في سبع. وهي حسب المادة 82 من القانون ذاته: 1- دعم المقاولات.

2- توطين وتنظيم مناطق للأنشطة الاقتصادية بالجهة. 3- تهيئة الطرق والمسالك السياحية في العالم القروي. 4- إنعاش أسواق الجملة الجهوية. 5- إحداث مناطق للأنشطة التقليدية والحرفية. 6- جذب الاستثمار. 7- إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية.

إن قراءة متمعنة في هذه المهام السبع المكلفة بها الجهة قانونيا تمكّننا من تسجيل ما يلي: أنها تشكل في مجموعها مهاما ولكن عند تجسيدها على أرض الواقع حزمة من الآليات المرتبطة والمتكاملة في ما بينها التي تمكّن الجهة من تحقيق الجزء المادي/ الكمي من عملية التنمية الاقتصادية. وهو ما يعبّر عنه الاقتصاديون بالنمو الاقتصادي الذي إذا تحقق بالنسبة الكافية في نظر خبراء ومنظري الاقتصاد، يمكّن الجهة من خلق الثروات المادية واللامادية. وبالنتيجة، تتمكّن الجهة من تمويل مشاريعها وبرامجها التنموية وهو ما ينعكس إيجابا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان الجهة.

ولعل السؤال الذي يفرض طرحه الآن هو: ما الذي يطمح إليه المشرع المغربي من خلال إسناده هذه المهام ذات الطابع الاقتصادي للجهات والتنصيص القانوني عليها في إطار اختصاصاتها الذاتية؟، إذ إن هذا التنصيص يعني أن كل الجهات مكلّفة قانونيا بتنفيذها، ويعني كذلك أنه يمكن للدولة تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في حالة عدم احترام المقتضيات القانونية المنصوص عليها بشأنها.

في تقديري، نستشف الجواب على هذا السؤال من خلال الرجوع إلى المادة 80 من القانون التنظيمي للجهات التي تتضمن المبادئ العامة وهي المادة المرجعية لاختصاصات الجهة، حيث يتضح أن طموح المشرع أو لنقل إن غاية المشرع ذات أبعاد استراتيجية وهي تتمثل علاقة بموضوع التنمية الاقتصادية الجهوية في: تحسين جاذبية الجهة وتقوية تنافسيتها؛ واعتماد التدابير والإجراءات المشجعة للمقاولة ومحيطها؛ والعمل على تيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل؛ وتمكين الجهة من الإسهام بفعالية في تحقيق التنمية المستدامة على مستواها الترابي أولا ثم على المستوى الوطني ثانيا.

وفي هذا السياق، أعتقد أن اللجنة العلمية التي أعدت التقرير العام المتعلق بالنموذج التنموي الجديد والذي تم تقديمه للعاهل المغربي في 2021، قد أضافت العديد من الشروحات والتوضيحات التي تساعد على تحقيق الإقلاع الاقتصادي الجهوي وكأننا بها توضح وتشرح الكيفيات والآليات التي تمكّن الجهة من تحقيق التنمية الاقتصادية داخل دائرتها الترابية. ومن بين هذه الشروح والتوضيحات ما نجده في السطور الموالية.

للدفع بعجلة الاقتصاد على مستوى الجهات، ينبغي دعم المقاولات. وقد أكدت اللجنة المعنية بذلك ما تم التنصيص عليه في المادة 82 من قانون الجهات السالفة الذكر. ومن أجل هذا الدعم وخلق فرص الشغل على المستوى الجهوي، اقترحت على الجهات: تخصيص صناديق لدعم وتشجيع الأنشطة الاقتصادية الجهوية. وستمكّن هذه الصناديق من: النهوض بالاستثمارات وإنشاء المقاولات في قطاعات ومناطق مستهدفة حسب الأولويات الجهوية وبتكامل مع أدوات التحفيز والتمويل والضمانات السارية المفعول على المستوى الوطني.

وحسب هذه اللجنة، تستدعي التنمية الاقتصادية للجهات كذلك: إرساء مشاريع تنموية واسعة النطاق من خلال استغلال منطقة أو مورد معين. ولأجل الرفع من حظوظ نجاح هذا النوع من المشاريع التي تتطلب التقائية كبيرة لمختلف العمليات، أوصت اللجنة بتجريب إسناد إدارة هذه المشاريع إلى ما أسمته بـ”السلطات الجهوية للتنمية”، التي يمكن أن تتخذ شكل هيئات جهوية، وأحيانا بين جهوية، تستفيد من صلاحيات وسلطات في مناطق محددة تسمح لها بتطوير مشاريع داخل هذه المناطق في إطار تعاقد بين الدولة والجهة.

واقترحت اللجنة ذاتها، أن تقوم الجهات بتطوير مناطق للأنشطة الاقتصادية يتم إدماجها في مشروع حقيقي للمجال الترابي وتكون مرتبطة ارتباطا كاملا بالنسيج الحضري القائم وبأنماط النقل، وتستجيب لحاجيات وطلبات المقاولات. ولا شك أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن هو كيف السبيل لإنجاح هذا التطوير؟

ترى اللجنة المعنية أنه يمكن تحقيق هذا التطوير من خلال: إسناد التصميم الأولي لهذه المناطق إلى فاعل جهوي قادر على هيكلة المشروع، في تنسيق مع الفاعلين المعنيين المتعددين والقصد السلطات العمومية والمقاولات والمنعشين العقاريين والمستثمرين والجمعيات؛ وتحديد وعاء عقاري ملائم يستجيب للحاجيات وضمان ربط منطقة الأنشطة وإنجاز التجهيزات خارج الموقع. ويمكن أن يرتكز الإنجاز والتنفيذ الفعلي على الشراكة بين القطاعين العام والخاص بناء على ضوابط وأهداف محدّدة. كما يمكن للدينامية الاقتصادية أن تستفيد أيضا من إمكانات الاقتصاد الاجتماعي إذا أشركت معها القطاع الثالث والمقاولات المكلّفة بمهام للمصلحة الجماعية والمؤسسات العمومية والتعاونيات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية الكبرى، في إطار منظومات محلية. ولإنجاح ذلك لا بد من توفر مجموعة من الشروط الموضوعية أوصت بها اللجنة المعدة للتقرير العام المتعلق بالنموذج التنموي الجديد.

أعتقد أن ما تقدم، وغيره كثير، غني جدا بمضامينه القانونية والاقتصادية. ولذلك، كان من المفروض أن نقوم في تاريخ اليوم بتقييم حصيلة التجربة الجهوية خلال المرحلة التي تبتدأ على الأقل من سنة 2015، باعتبارها سنة إصدار القانون التنظيمي للجهات والقانونين التنظيميين للعمالات والأقاليم والجماعات، إلى الآن. لكن واقع الحال هو غير ذلك.

واقع الحال…

يؤكد واقع الحال أن تحقيق التنمية الاقتصادية على المستوى الترابي للجهات باعتبارها الجسر الأساسي لتحقيق التنمية الجهوية، مازال صعب المنال لحد الآن في العديد من الجهات. وهذا لا يعني إنكار الجهود المحترمة التي تقوم بها العديد من المجالس الجهوية في سبيل الرفع من مستوى التنمية الجهوية، وإنما يعني أن النتائج على الأرض مازالت أقل من الطموحات لأسباب موضوعية وذاتية.

وليس صدفة أن يدعو العاهل المغربي إلى عقد النسخة الثانية للجهوية المتقدمة في 20 و21 من شهر دجنبر الأخير بمدينة طنجة. وقد كانت الرسالة الملكية الموجهة إلى المتناظرين غنية بمضامينها السياسية والاقتصادية.

والآن، ما العمل لتتمكن الجهات من تدارك تأخرها التنموي؟

لتكون سنة 2030، سنة تدارك التأخر وبداية مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية الجهوية والتنمية الجهوية المستدامة، ينبغي في تقديري:

العمل على الرفع من مستوى الالتقائية. والقصد، التقائية الفاعلين في كل العمليات التي تمكّن من رفع تحدي الإقلاع الاقتصادي الجهوي، أولا وقبل كل شيء. فمازال ضعف الالتقائية يشكّل أحد أسباب تعثر التنمية الجهوية في بعديها الاقتصادي والاجتماعي والقصد أن العقلية القطاعية مازالت تسيطر على ذهنيات العديد من ممثلي القطاعات العمومية والخاصة.

ولا بد من توفر الجهات على العدد الكافي من الموارد البشرية المختصة في القانون والاقتصاد والمالية والرقمنة والهندسة المدنية والعمرانية. ويبقى التكوين المستمر الآلية التي تطور قدرات الكفاءات والأطر التي تعمل بإدارات الجهات وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة الاستعانة بخبرة الأطر التي يتوفر فيها شرطان: التجربة الميدانية من خلال الممارسة الفعلية بالمؤسسات العمومية والخاصة، والتكوين النظري.

ويبدو أنّ الوقت قد حان لتمكين الجهات من الاستقلالية التامة المالية والإدارية.

إنّ التبعية المالية للمركز تحدّ من اجتهادات وإبداعات المجالس الجهوية بل ” تفرمل” عملية التنمية الجهوية في بعديها الاقتصادي والاجتماعي.

ولا شك أن العمل على تنزيل توصيات النسخة الثانية للمناظرة الوطنية للجهوية المتقدمة، ضرورة ملحة، لأن الجهة هي المحور والفاعل الرئيسي في منظومة الجهوية المتقدمة. وعلينا أن لا ننسى أن التنمية الجهوية هي المدخل الحقيقي للجهوية المتقدمة. وأن التنمية الاقتصادية الجهوية هي الجسر الأساسي للتنمية الجهوية.

وأخيرا، نتمنى صادقين أن تشكل 2030 نقطة المنعطف (le point d’inflexion ) بلغة الرياضيات أي النقطة التي يتغير فيها منحنى التنمية جهويا ووطنيا، وأن يكون هذا التغيير في اتجاه التطوير والتنمية الاقتصادية للجهات والتنمية الشاملة والمستدامة جهويا ووطنيا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 1

بركة يحذر من العزوف الانتخابي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:02 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين

صوت وصورة
حريق وسط حي سكني بمراكش
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:30 2

حريق وسط حي سكني بمراكش

صوت وصورة
البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:08 2

البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء

صوت وصورة
إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:00

إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"