“بْني أنصارْ يَخْصارْ” عِبارةٌ تردَّدَتْ على مَسامِعي كثيراً في السَّنوات الأخيرة، خِلال عُطلتِي الصيفية بمسقِطِ رأسي بْني أنصار، المدينة العليلة المُتاخِمة لمليلية. ولكِنّي سمِعتُها هذا الصيفَ مِن أفواهِ أبناءِ المدينةِ والمناطق المُجاورة أكثرَ وأصدحَ مِن أيّ وقتٍ مَضى. كلمة “يَخْصارْ” مُقترَضَة مِن اللغة العربية، إلّا أنَّ استعمالَها في اللِسانِ الريفي المَحلي يَحملُ دلالاتٍ عديدة ومُترابطة تَذهبُ أبعدَ وأعمقَ مِن “خسِرَ” ومُرادِفاتِهِ في العربية. في سِياقنا هذا، “بْني أنصارْ يَخْصارْ” تَعني أصبَحَ قذِراً، وانحطَّ أخلاقياً، واختلَّ أمنياً، وتدَهورَ عُمرانياً، وفسدَ إدارياً، ودَنُؤَ سِياسياً، وركدَ ثقافياً، وهَلكَ اجتماعِياً.
لقد انقلبتِ الأمورُ في بني أنصار رَأساً على عَقِبٍ مَع حُلول الألفية الثالثة تقريباً، بحيثُ خطَتِ المدينة مُنذئذٍ خطواتٍ عِملاقةً في مَجال التنمية المَقلوبة (!)، وذلكَ بفضلِ الجُهود الهَدّامة التي بَذلتْها المَجالسُ البلدية المُتعاقِبةُ لتحويلِ المدينةِ ليسَ إلى قُطبٍ إستراتيجيٍ يَجلُبُ الاستثماراتِ والكفاءاتِ والزُوار بلْ إلى ما يُشبهُ ماخُوراً يَستقطبُ العاهِرةَ والمُجرمَ والمُتسولَ والوُصُوليَّ سَواءً بِسَواء. جاءَ هؤلاءِ إلى المنطقة عَنْ بِكرة أبيهم وما هِي إلّا أعوامٌ قليلة حتى حَوَّلوا البَرَّ إلى خَلاء، والبحرَ إلى عَراء، والجبلَ إلى وَطَاء، والسُكانَ الأصليِينَ إلى دُخلاء، وحياتَهُم إلى ضَوْضاء، وعاداتِهم وطُقوسَهم إلى ضَرَاء، واستنكارَهُمْ لِما يَحصُل إلى هُراء.
هكذا شهِدتْ منطقةُ بني أنصار طَفرةً اجتماعية خطيرة فتقدّمتْ (!) أسرَعَ وأكثرَ مِن اللازم، الأمرُ الذي يَستوجبُ اليومَ الدفعَ بها ليسَ إلى الأمام بَلْ إلى الوَراء. ولعلَّ المُقارَبةَ المُرتقبة هي الإبقاءُ على التهميشِ العامّ للمنطقةِ والتكثيفُ مِن تعطيلِ العُقولِ وإفسادِ العاداتِ وإحباطِ الضمائر وإرباكِ الأهالي وتسليطِ الغريبِ على القريب. لهذا لا تستبشِرُ الأغلبية الصامتة مِن أهالي بني أنصار خيْراً مِنْ نوايا أوُلئِك المَسئولينَ عنِ الوضعِ القائِم الذين يَخُوضُون هذهِ الأيام غِمارَ الحمْلة الانتخابية المَحلِية بوُعودِهِم المَعسُولة. وإذا عادتْ نفْسُ الوُجوهِ لِتدبيرِ الشأنِ المَحَلي في بني أنصار، فإنَّ السِيناريُو المُرجَّحَ سيَكُون على النَّحوِ الآتي:
أوّلا: نقلُ القِطارِ إلى بني أنصار ليسَ لِأشخاصٍ أَكفاء ومُستثمرينِ وزائِرينِ بلْ لِمزيدٍ مِنَ الخائبين والعابثين، وحُصولُ الوافدينَ على شهاداتِ سُكنى لكيْ يُساهِموا فُرادى وجماعاتٍ في ترْييفِ ما تبَقّى مِن هذه المدينة المَنكوبة واستغلالِ مَواردها وتيْئيسِ ذَويها وإِتلافِ أيِ شيءٍ له علاقة بالتمدُّن والتحضُر.
ثانياً: الحيلولةُ دُون تأهيلِ إنسانِ المِنطقة في أيّ مَجالٍ مِن المَجالات، وذلك بالعُدُولِ عنْ تأطيرهِ وتشغيله وتوجيههِ وتكوينِهِ وتوعيتِهِ بالقِيمة التي تكتسِبُها مِنطقتُه، لكيْ لا يُبادِرَ أوْ يَندمجَ في أيّ مَشرُوعٍ تنمَوي مِن شأنه أنْ يَنهضَ بالذاتِ والأهلِ والمنطقة. وفي نهايةِ المَطاف، سَيَصيرُ عِندَه التفاؤلُ تشاؤماً والتشاؤمُ تَشاؤلاً في أحسَنِ الأحوال.
ثالِثاً: قَطعُ الطريقِ على فِتيةِ وشبيبةِ بني أنصار الذين يتوجّهون نحو التعلُم أو مُمارسة الرياضة أو إِعمالِ العقل. لا تفكيرَ في إنشاءِ مكتبةٍ أو نادٍ للشبابِ أو تنظيمِ مُبارياتٍ في الرياضة أو مُسابقاتٍ في الإبداع. وبما أنَّ كُرة القدم هي الأكثرُ شَعبية، سَيستمِرُّ حِرمانُ بني أنصار مِن امتلاكِ مَلعبٍ كُروي، لأنَّ توفُرَهُ قد يَستقطبُ الشبانَ والصغارَ لِلعبِ والتسلية ويُضيّعُ عليهم فُرصة التمَرُّنِ على السُلوكِ المُنحرِف فتتوقفُ عَجلةُ الفوضى الهَدّامة. المُهمُّ هو الحِرصُ على ألاّ يَنشَئوا سالِمي البَدنِ والعقلِ، مُحِبّينَ للعملِ، حامِلينَ للأملِ، بَينما سيَظلُّ الآباءُ والأجدادُ شاهدِين على انتشارِ المُخدِرات الصلبة (الكوكايين والهِروين وأقراص الهلوَسة)، عِلاوةً على الرَّطبة (حشيش، شيشة، طابا، إلخ)، في أوساطِ الأجيالِ الراهِنةِ والصَّاعِدة، وتَكاثُرِ المُتاجِرين فيها والمُدمِنين عليها والمُجرمين بسَببِها والمُرتشين لحِمايتِها والمُتساهِلين مع استهلاكِها.
رابِعاً: تهيئةُ البَرِ والبحرِ بشكلٍ يَعُودُ على أبناءِ بني أنصار بِمزيدٍ مِن مَظاهِرِ الترييف والفسادِ والجريمة. وبهذا الصَّدد، سيتمُ تعميرُ الشاطئِ (مِيامي) بمَزيدٍ من الأكواخ وأوكار الخَمر والمُخدرات والدَّعارة على مَدار السَنة، وتكثيفُ البِناءِ العشوائي والطُفيلي في البَر، وإرجاءُ المَرافقِ العاجلة (سُوق مركزي، مستشفى، مَلعب، مكتبة، إلخ)، وتسليمُ ما بقِيَ مِن الفضاءِ العام (شوارع وأرصفة وأمكِنة) لِأربابِ المقاهي والسَّماسِرةِ والتُجار الجَشِعين والباعةِ المُتجولين، مع ترْكِ قلبِ المدينةِ عبارةً عَن مَطْرحٍ عَشوائي مُترامي الأطراف والرَّوائِح، واستبعادُ أيّ مَشروعٍ يهم غُورُوغُو (الجبل والغابة) لِترميمِ مآثره التاريخية (أبراج، مواقع، أضرحة، إلخ) وتوظيفِ تاريخهِ في مشاريعَ عِلمية استكشافية أو سِياحيّة تُوظِفُ الشبابَ وتعكِسُ جَمالَ المكان.
خامِساً: الاستمرارُ في مَحوِ الطابعِ المُحافِظِ لِلمدينة مِن خِلالِ تسْهيلِ مَجيءِ الوُصوليّيِن إليها والسافِلاتِ اللائي يَأبَى بعضُ الوَقِحين المَهوُوسين بجمْعِ المال إلّا أنْ يُكرُوهُنّ شُققاً في مِلكِهم لمُمارسةِ الدعارةِ. هذه الفِئاتُ لا تَحمِل مَعها أفكاراً ولا رأسمالاً ولا جَمالاً، بلْ عاداتٍ وتصرفاتٍ سَوفَ تؤدي على المَدى القريبِ والمُتوسطِ إلى طمْسِ الشخصيةِ المَحلية وتهجينِ قِيمِها ولِسانِها وذوقِها، مع ترسيخِ ذِهنيةِ الانحِلالِ والعُريِ والبَشاعة.
سادِساً: التقليصُ من الخِدماتِ الأَمنيّة، المَحدودةِ أصْلاً، لأنّ الأهالي تعوَّدُوا على الاكتفاءِ بالحَدِ الأدنى مِنها. مَنْ يَدري، رُبَّما إذا عَمَّ الأمنُ قدْ يُصابُون بالضَّجر والقُنوط ولنْ يَجدُوا مَوضوعاً يَملئون به لقاءاتِهِم وجَلساتِهِم، عِلماً بأنَّ المُدمِنَ والسارقَ والمُجرمَ والعاهرةَ والسائقَ المتهوّرَ هُمُ الذين يَصنَعون الحدَثَ والحديثَ باستمرار والعصْفَ الذِهنيَ في بني أنصار. لِهذا يُستحَبُ ترْكُ الوضعِ الأمْنِي على حالِه، حيثُ المُتربِصُون في كُلِ مكان، والفوضى في السَّيرِ والجَوَلان، واللُصوصُ والمُشرَّدُون والكلابُ الضالةُ يَصُولون ويَجُولون في أمَان.
سابعاً وأبَداً: الاستمرارُ في زَرعِ اليَأسِ في النُفوس والضحِكِ على الذُقون وإيهامِ أبناءِ بني أنصار بأنَّ النَّكبة التي أصابتهُمْ في مَدينتِهِم إِنّما هي قضاءٌ إِلهيٌ لا رادَّ له، وليسَتْ مِن فِعلِ مُدَبِرين فاسِدين مُفسِدين؛ بأنَّ هذا في الواقعِ هُو نصيبُ بني أنصار، مع الإقرارِ بأنّها قد تحوَّلتْ في ظرْفٍ وَجيزٍ إلى مَهزلةٍ حقيقيةٍ بين الأمصار.
-أكاديمي ومُترجِم
باسم الله الرحمن الرحيم
مقال رائع فى وصف واقع بنى انصار ارجو ان تكتب مقالا مماثلا بنفس الدقة والذكاء عن مدينة الناظور بعنوان "الناظور يكشو" اكشاون تعنى الدود الناظور تجاوت مرحلة "يخصار" وهى الان فى مرحلة التدود
تزخر المنطقة ب
_ ثروات طبيعية .لو وجد شاطئ يشبه احد شاطئ الناظور على الطريق الساحلية فى اي مدينة لصنع منه العجب
_ثروات الاجداد والاباء الموروثة ولكن اهلها لايستفيدون منها لان المحكة والبلدية والمحافظة لكل واحدة قانون خاص بها ولا ينسجم مع غيرها
الناضور ابارض
انها المدينة الفارق والنصف المقابل لمدينة مليلية
الناضور الشوارع الوسخة التي تعج بالفوضى والازبال ومليلية الانيقة المتإنقة النظيفة الجميلة الرائعة
الزابوق الممر المؤدي الى اوروبا الحضارة والامن وفي الاتجاه المعاكس يستقبلك اللصوص والمالين والمشرملين
شكرا للاستاذ على مقاله وأقدر حرقة الكلمات التي جاءت في المقال
بارك الله فيك يابن مدينتي و يابن حيي ويابن دربي بافكارك النيرة اذكيت نار الغيرة في قلبي و باسلوبك الراقي اثلجت صدري و كشفت خالجة نفسي فانا بطبعي كلما انفردت بشخصي أتيه في عالم طرفه معلوم و الاخر مجهول فيطغى الثاني على الاول بطرح اسئلة جلها تصب في اتجاه واحد , أين مدينتي من جمالها و نقاء شواطئها و عذزية جبالها و عفة بناتها و غيرة بنينها , لا جواب غير الشك عن اليقين حتى يخال لي ان هذه المدينة اليتيمة ( بني انصار ) ثكلى أو عاقر أو أم لذلول فاجر أو قاصر غير قادر ليحميها و يدافع عن شرفها و ممتلكاتها و يعيد اعتبارها , ها نحن اليوم نكتشف احد ابنائها الابرار بقلمه يستيطع ان يغير المنكر و يطهرها من الاشرار . فهنيئا لنا و لك يابن دربي .