بين مطرقة الحصار وسندان التفقير .. من ينقذ المواطن من صراع السلطة في مصر؟

بين مطرقة الحصار وسندان التفقير .. من ينقذ المواطن من صراع السلطة في مصر؟
الخميس 24 دجنبر 2015 - 01:30

على مائدة الغذاء، بفندق خمس نجوم الذي يديره بشرم الشيخ المصرية، جلس الفرنسي ميشال يحكي لي عن انهيار السياحة في مصر بعد تفجير الطائرة الروسية، قال وعيناه الخضراوتان تحاولان مواراة دمعهما خلف نظارته الطبية، إنه سيضطر إلى تسريح 200 عامل خلال شهرين ما لم تتحسن الاوضاع.

مائتا عامل مصري سيفقدون مصدر رزقهم…

تردد الرقم كثيرا في ذهني وأنا اتخيل هذا العامل وهو يفكر في نفسه، أهله، أبنائه، من أين سيأتي لهم بملبسهم، مأكلهم، مصاريف دراستهم، صحتهم، سكنهم، رفاهيتهم……

لا يتوقف ميشال عن الحديث، فاسمعه يقول:” 1300 عامل فقدوا وظائفهم، وحوالي 10 منتجعات سياحية أقفلت في شرم الشيخ”.

أنظر إليه بعينين مندهشتين، فيقول لي وهو يلوح بيديه:”انا اسف، انا اسف أن افسدت عليك وجبتك، انسي ما قلته ولنترك أمورنا للقدر”.

تمتمت بضع كلمات فرنسية رفضت أن تخرج من شفتي إلى مسامعه، أشحت بنظري بعيدا، لمحت على شاطئ شرم البهي في زرقته سائحات بلباس البحر يتراكضن على رماله الذهبية، فسألت ميشال:”ترى ما الذي شجع هؤلاء فأتوا لكسر الحصار عن مصر بعد مقاطعة بريطانيا وروسيا وامريكا لها؟”.

التفت ميشال خلفه، وقال لي”غالبا سيكونون من أوكرانيا…لا يزال طيران بضع دول من أوروبا يصل الود مع سماء مصر، لكني لن أتفاجأ إن هي انقطعت بدورها، فالعالم يعيش أزمة في السياحة، تونس توقفت فيها السياحة، تركيا بدأت تتضرر، حتى فرنسا التي كانت أيقونة السياحة تضررت بعد هجمات باريس”.

يصمت ميشال قليلا ثم يقول لي:”المغرب وحده من لا يزال يشكل مكان الامان للسائح”.

يقف قلبي في حلقي وأنا أتخيل المغرب يتعرض لهجوم، ينقطع السياح عن التردد على المغرب، ينقطع مصدر رزق العاملين في السياحة، والمنتعشين منه ولو من بعيد، العاملون في الفنادق، المطاعم، وكالات الاسفار، النقل السياحي، المرشدون السياحيون، اصحاب سيارات الاجرة في المدن السياحية، الباعة في البازارت وغيرهم، كلهم يتوقفون العمل بسبب هجوم ما أحدثه صراع ما فدفع المواطن ثمنه من قوت يومه.

يمر نادل المطعم من امامي، أراقبه وهو يضع صحن الأكل أمام ميشال، يتحدث ميشال اليه بالانجليزية، يرد عليه النادل الأسمر ب”حاضر”، وهو يحاول أن تعلو شفتاه ابتسامة الترحاب، كان النادل وفيا لخصلة مصرية تأبى إلا أن تقاوم الصراع على السلطة الذي تعرفه مصر منذ الأزل، وهي أن يحتفي بك المصري بحرارة، ويضحك، ويسخر، ويمزح، حتى وهو مهدد بأن يفقد مصدر رزقه.

يخبرني ميشال أن طائرتين من الجزائر حملت رجال أعمال، وأغنياء، إلى شرم من أجل بث الروح في شرم الشيخ التي تلقب بمدينة السلام، حملته وهي تحاول أن تنشر السلام في منطقة لم تفقد جمالها وهي تحارب من يحاربون السلام.

يلتفت إلي صديقي الذي كان يشاركني والمدير الفرنسي مائدة الغذاء، يقول لي:”أنا أتألم بشدة مما قاله صديقنا الفرنسي، أتألم لحال هذا المواطن الضعيف، ماذنبه في الصراعات السياسية؟”.

بعد يومين من مغادرتنا لشرم الشيخ، يستضيفنا التلفزيون الرسمي أنا وصديقي، تسأله المذيعة لمن تقول”ان الاوان”؟ فيجيبها:” أقولها للمتصارعين على السلطة وللسياسيين…ان الاوان ان تحلوا مشاكلهم دون أن تمسوا قوت المواطن اليومي”.

حين اندلعت احتجاجات الربيع، كانت أمي، وخالاتي ينتقدن ما يقع، وكنت أحاول أن أظهر لهن ما يطالبه به المحتجون، لأتفاجأ بخالتي وهي تقول:”شوفي ابنتي مخاصنا خير، عندنا لماليك ضرايف الله يخليه لينا، لخضرا رخيصة، الديسير موجود، اللحم كاين، عندنا الشمش، خاصنا غا شتا ويكون كولشي زين”.

تأملتها مليا، كانت خالتي تلخص ما تحدث عنه علماء الاجتماع عن أسباب استقرار المغرب، كانوا يقولون إن الزيادة في السكر والشاي والدقيق والزيت، كافية ليثور المغاربة، وانه مادام الحاكم لا يمس المغاربة في أمنهم الغذائي فهم يتعايشون معه.

تسألني المذيعة:”لمن تريدين أن تقولي ان الاوان”؟، فأجيبها:”لكل من يؤمن أن التغيير والإصلاح ممكن في ظل الاستقرار”.

تنهي المذيعة الحلقة وأنا أستحضر تاريخ المغرب الحديث، سنوات الرصاص، معتقل تازمامارت، الانقلابات العسكرية، الاغتيالات السياسية، التعذيب والاختطافات، والصراع بين القصر والجيش والاسلاميين والاشتراكيين…وأتساءل في ذهني:

هل تمر مصر بما مر به المغرب سابقا؟

وهل كان المغرب سيعرف منعطفا أسوأ لو عاش صراعاته الدموية السابقة في وجود إعلام يسعى للنفخ في الخبر وليس في نقل الخبر؟ وفي ظل انترنت تقام على شبكتها حروب تضاهي في شراستها حروب الواقع؟

أتوقف أمام مبنى الفندق، أسأل سائق التاكسي عن المبلغ الذي علي دفعه، وكعادة سائقي سيارات التاكسي في مصر يرد”اللي انت عايزاه يا ست هانم”، أفهم من زياراتي المتكررة لمصر أنه يريد “بقشيش جيد”، أمنحه ما جادت به حقيبة يدي، وأنزل من التاكسي وأنا في نفسي أضحك وأقول:

“لا تزال مصر هي مصر، بترحاب أهلها الدافئ حتى وهم يعانون، بصراعات الإعلاميين ومصالحاتهم، بنزاعات السياسيين وتوافقاتهم، بخطابات المثقفين، حتى وأمنها يتزعزع لا تزال مصر امنة….فادخلوها ان شاء الله امنين”.

*مستشارة في الاعلام والتدريب

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • عبد الرحيم
    الخميس 24 دجنبر 2015 - 10:56

    ما احبه في كتابات السيدة شامة درشول انها تقدم لنا دوما الصورة الاخرى لما يقع اتابع كتاباتك دوما سيدتي وتدويناتك على فيسبوك واعجب بموضوعيتها وبعدم تاثرها باي تيار واستفدت كثيرا من هذا المقال بعد ان تابعت هشتاغ لم عيالك يا مغرب واجدني الان الوم نفسي اننا ونحن نتابع ما يقال وننحاز لطرف دون اخر لا نفكر في المواطن للي تيكول الدق على راسو احتراماتي

  • cafe levillage
    الخميس 24 دجنبر 2015 - 11:15

    ليس سقوط الطائرة الروسية هو سبب الكساد السياحي في مصر بل سقوط طائرة الدمقراطية التي أسقطها السيسي بالتعاون مع إسرائيل ودول الخليج فالطائرة الروسية قتل فيها 170راكب لكن طائرة الدمقراطية في مصر استشهد فيها 70 مليون راكب انقلاب السيسي سبرجع بمصر إلى ما قبل التاريخ رغم
    أن الإسلاميين لم يعمدوا إلى رد الفعل لأنهم فهموا ان عدو مصر يريد تحيلها إلى عراق وسوريا لهاذا نهجوا مقاومة سلمية و الحل لا يزال ممكنا شرط ان يعيد السيسي الأمور إلى وضعها الطبيعي وشكرا

  • منى
    الخميس 24 دجنبر 2015 - 13:28

    لا اعرف لماذا راح دوك لفنانين كون غير خلاوكم نتوما الناس لي تنحترمو ديال الاعلام والتقافة يمكن كانت الزيارة غادا تحقق اهدافها والللي اتضح ليا من خلالمقالك للا شامة انها اهداف مشروعة وكنتمنى ان مصر تحل مشاكلها بلا ما يضر المواطن لمسكين…تحياتي اختي

  • خورشيلد
    الجمعة 25 دجنبر 2015 - 06:15

    في غفلة من الثوار تحالفت قوي الشر وقباءل البترودولار لسحب بساط الثورة من تحت اقدام اهلها ليرمى الشعب المصري الى المجهول

  • Rationaliste
    الجمعة 25 دجنبر 2015 - 17:11

    مرسي لم يهب الحرية لأحد كما يتوهم البعض بل كانت مفروضة بحكم ثورة 25 ولا ننسى ما كانت تفعله القنوات الدينية المؤيدة لمرسي. ثم لو بقي مرسي حتى تَمَكَّن مع إخوانه من كل أجهزة الدولة عندها سترى الديموقراطية التي يؤمن بها مرسي ومن تبعه ولأصبحت مصر سودان أو صومال أخرى. أنا لا أدافع على الجيش في مصر لكن شئنا أم أبينا فدون هذا الجيش كانت مصر ستتحول بسرعة لسوريا أخرى لا قدر الله ونيرانها كأكبر بلد عربي ستصل إلى الجميع. السياسة هي فن الممكن والإخوان لا يملكون التجربة لإدارة بلد كمصر. للعلم فقط مصر لا تتوفر على أحزاب وتجربة سياسية بسبب تاريخها المعروف، وللمقارنة المغرب فقط في كل العالم العربي له تقاليد سياسية وهذا مرتبط كذلك بتاريخه الخاص لا بعاطفتي كمغربي. باختصار مصر لم تكن ولاتزال غير مؤهلة لديموقراطية شعبية كاملة لأنه لا ديموقراطية دون وجود أحزاب قوية، فمصر تحتاج أولاً لتأسيس أحزاب حقيقية تغطي كل التراب المصري وإلى أن يحصل هذا لا تملك مصر اليوم للأسف إلا الجيش للحفاظ على وجودها ضد التمزيق والتلاشي. السياسة علم وعمل طويل وشاق أما العواطف مهما كانت نبيلة لا تبني أوطانا. وشكراً

صوت وصورة
من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 22:00

من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة

صوت وصورة
ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:20

ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:00

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30 1

الفصل 34 وحقوق الإعاقة

صوت وصورة
وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 14:29 7

وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين