2/2
المقاربة الإيديولوجية
تركز هذه المقاربة على دور الإيديولوجيا في إحداث التغيير الديمقراطي؛ لقد تطورت كاتجاه يصف نفسه بالحداثي من داخل المقاربة البنيوية الماركسية. العنصر الأساس في برنامجها هو “علمنة الدولة” والدعوة إلى إلغاء المادة التي تنص في الدستور على أن “الدولة المغربية دولة إسلامية”. ضمن هذه المقاربة يدمج هذا التيار مقاربة حقوق الانسان والحريات العامة التي يختزلها في الطروحات الإيديولوجية لحقوق المرأة، كالدعوة إلى المساواة المطلقة في الإرث وحق المرأة في الاجهاض بدون قيد ولا شرط وحقها المطلق في أن تتصرف في جسدها وتوسيع مفهوم الأسرة ليشمل الاعتراف القانوني للزواج المثلي، وغيرها من القضايا المستفزة لهوية الدولة والمجتمع والأحزاب المحافظة؛ بمعنى أن هذه المقاربة لا تعترف بأي تقدم في التحول الديموقراطي إلا بناء على مؤشرات تحقق نتائج متقدمة في الحرب الإيديولوجية على المرجعية الاسلامية للدولة.
أبرز ممثل لهذه المقاربة هو “البام” الذي يتبناها بشراسة. أعلنها منذ تأسيسه وجعلها من أولويات معاركه السياسية، وقال إلياس العماري سنة 2011 – شهرا قبل اندلاع الحراك الاجتماعي 20 فبراير: ” خياري الفكري والسياسي ضد أسلمة الدولة والمجتمع، وسأصارع فكريا وسياسيا هذا المشروع ومن مختلف المواقع”!! ثم أكدها كخيار استراتيجي بعد توليه المباشر لقيادة حزبه بالهجوم على حزب العدالة والتنمية مؤاخذا إياه على “عرقلة التنصيص في الدستور على علمانية الدولة”.
هذه التصريحات وهذه المواقف من زعيم الحزب إلياس العماري تطرح اشكالات ومفارقات كبيرة ومحيرة في التعايش بين قادة هذا الحزب والدولة والنظام الملكي خصوصا، وفي ادعائهم صداقة الملك أو صداقة أصدقائه؛ وهي محرجة جدا وغير مفهومة في الوقت الذي حسم فيه الدستور إيديولوجيا الدولة باعتبارها دولة إسلامية وأمة تستند في حياتها العامة على ثوابت الدين الاسلامي السمح (الفقرة الثانية من التصدير للدستور؛ الفصل 1؛ الفصل 3)؛ والمحرج أكثر أن هذا الصديق للملك أو صديق صديقه يسعى بهذه التصريحات إلى نزع الصفة الدينية عن الملك “أمير المؤمنين وحامي الملة والدين” (الفصل 41)؛ والمحرج أيضا أنه من الواجب الدستوري والوطني على الدولة، محاسبة هذا الزعيم والمطالبة بحل حزبه وفقا للمادة السابعة من الدستور التي تقول: “ولا يجوز أن يكون من أهدفها (الأحزاب) المساس بالدين الاسلامي أو بالنظام الملكي، أو المبادئ الدستورية، أو الأسس الديمقراطية، أو الوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة”. تلك هي الاشكالات والمفارقات التي تستوجب فصل المقال فيما بين هذا الحزب والدولة من الاتصال.
مازال المراقبون عاجزون عن كشف وفهم مصدر القوة والشجاعة التي يتمتع بها قادة هذا الحزب، ومصدر قدرتهم على وصف مشروعهم بـ “مشروع الملك” دون خوف ولا وجل، ودون أن يتلقوا أي استنكار أو عتاب. كثير من المحللين يرجعون القوة الإدارية لهذا الحزب إلى اعتباره حزبا إداريا أنشأته الدولة على غرار الأحزاب الإدارية المعروفة في زمن الملك الحسن الثاني رحمه الله، إلا أن الحقيقية غير ذلك ؛ لأن الصورة التي يظهر بها هذا الحزب وصناعه تفوق الخيال. لقد صنعت الدولة الأحزاب الإدارية لتتحكم بها على خريطة المشهد السياسي وتضمن بها نفاذ استراتيجياتها، وهي أحزاب ضعيفة لا حول ولا قوة لها أمام الأمر الإداري؛ أما “البام” فيبدو بطبيعة قادته حزبا فوق الأحزاب الإدارية، بل وفوق الدولة بقدرته المالية ونفوذه الدولي وقدرته على التأثير في مؤسسات الدولة؛ إنه دولة في عمق الدولة ينطبق عليها تماما مصطلح “الدولة العميقة”.
خطورة هذا الحزب على التحول الديموقراطي هي أن عددا من قادته تشكلوا من “اللبراليين الجدد” وهم الماركسيون القدامى الذين حولوا وجهتهم، بعد سقوط جدار برلين، إلى الرأسمالية المتوحشة، وتحولوا إلى تقديم الحرب الثقافية ونقد الدين والقيم الاسلامية باسم الحداثة على نقد الرأسمالية؛ يتلقون دعما كاملا ماديا ومعنويا من القوى الغربية المعادية لسيادة الشعوب والدول، ويفضلون التحالف مع الإمبريالية والصهيونية على التحالف مع الاسلاميين أو القوميين. اللبراليون الجدد في العالم العربي هم نتاج الصهيونية ومنظماتها بقوة المال والضغط الديبلوماسي على عكس الماركسيين واليساريين الوطنيين الذين يرون أولوية ترسيخ الديموقراطية ومحاربة الاستبداد والفساد السياسي.
يتبنى هذا الحزب أربعة استراتيجيات لتحقيق سيطرته على الدولة والمجتمع:
الاستراتيجية الأولى: حرب لا هوادة فيها للمرجعية الاسلامية في الدولة والمجتمع. لقد أعلنها إلياس العماري صراحة منذ المراحل الأولى لتأسيس حزبه وأكدها عقب توليه المباشر لرئاسته.
الاستراتيجية الثانية: النفوذ داخل الأجهزة الأمنية للتأثير في المعلومة والتلاعب بأسرار الأجهزة الأمنية وتوظيفها لصالحه؛ وتدل عليها علاقاته الوثيقة بأسماء وازنة من رجالات الداخلية والاستخبارات وارتباطهم به في مرحلة من مراحل الإعداد لتأسيسه والتمكين له.
الاستراتيجية الثالثة: التحكم في وسائل الاعلام العامة والخاصة، وهي متجلية مثلا في إحجام القناتين الرئيسيتين الأولى والثانية عن تغطية أنشطة حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة بالقدر الذي تغطي به أنشطة “البام” مهما كان حجمها. ومتجلية في خوف الصحفيين وإحجام كثير من الصحف عن نقده والهجوم عليه بالقدر الذي تهاجم به حزب العدالة والتنمية.
الاستراتيجية الرابعة: اتهمه بها رئيس الحكومة بنكيران مرارا وهي التمكين للاستبداد السياسي بالضغط على الدولة والإدارة، وباستقطابه لرموز الفساد الانتخابي ودعمهم بمال التجارة في المخدرات؛ وهذه الأخيرة تهمة نقلها عن شباط الأمين العام لحزب الاستقلال.
الاستراتيجية الخامسة: الهيمنة على المجلس الوطني لحقوق الانسان والمنظمات الحقوقية ذات التوجه اليساري وعدد من الجمعيات الأمازيغية والجمعيات التنموية والثقافية وضمان الأمن لها في تلقيها للدعم الوطني والخارجي.
الاستراتيجية السادسة: تبني المطالب الحقوقية الشاذة كإلغاء النظام الاسلامي في الإرث وكالدعوة إلى التنصيص على قانونية الزواج المثلي وحرية الاجهاض والشذوذ الجنسي إلى غير ذلك.
الاستراتيجية السابعة: استقطاب الرموز الدولية لثقافة الميوعة إلى الندوات والمهرجانات كاستراتيجية لتقويض ما يسمونه ” الفكر الظلامي” أو “الايديولوجية الاسلامية”.
الاستراتيجية الثامنة: إضعاف الأحزاب والتنظيمات المدنية بالتحكم في قراراتها وقياداتها وتسريب الأعيان المفسدين إلى هيئاتها، لتخلو له الساحة دون منافس، ولعزل حزب العدالة والتنمية وفصله عن باقي الأحزاب الوطنية.
خلاصات لا بد منها:
انطلاقا من مجموع المقاربات التي انطلقنا منها لمساءلة التجربة الديموقراطية في المغرب بعد دستور 2011 نسجل الملامح التالية للتجربة:
1) من أبرز ما انتهت إليه هذه التجربة مقولة “الاستثناء المغربي” وما يعنيه ذلك من قدرة النظام الملكي على الاستجابة ولو جزئيا لمطالب الحراك الاجتماعي في دستور 2011 واستيعاب المكون الاسلامي ودمجه بسلاسة في العملية السياسية لأول مرة في تاريخ العالم العربي المعاصر.
2) ومن جهة أخرى أظهرت التجربة المستوى العالي لحزب العدالة والتنمية من التحلي بالحكمة وعمق الرؤية في إدارة هذه المرحلة انطلاقا من شعاره المركزي “الاصلاح في ظل الاستقرار”، كما أظهرت بالمقارنة مع التجارب الأخرى في العالم العربي أن هذا الحزب قرأ السياق الاقليمي المحيط بالحراك الاجتماعي بطريقة صحيحة وواقعية، وعبر عن مستوى عال من النضج والوعي بحجم التحديات المطروحة وما تتطلبه من نكران الذات والانفتاح على الأطراف الأخرى والتعاون معها من أجل تحقيق ما يمكن تحقيقه من الاصلاح.
3) طبع رئيس الحكومة بنكيران التجربة بطابعه الشخصي لما له من دور كبير ومتميز وما يتمتع به من المرونة الكبيرة في تعامله مع حلفائه؛ حيث استطاع بحنكته السياسية أن يتجاوز العراقيل التي كادت، واحدة تلو الأخرى، أن تعصف بهذه التجربة وبمقولة النموذج المغربي في التغيير.
4) تَبينَ والحكومةُ مشرفة على نهاية فترتها أن الاصلاح يسير بأولوية الاستقرار بخطى بطيئة تتمحور حول المنجزات الاقتصادية خاصة المتعلقة منها بهمّ استعادة التحكم في المؤشرات الماكرو اقتصادية، ومنجزات اجتماعية رغم أهميتها لا تمس إلا فئات اجتماعية محدودة وتكتنف عددا منها صعوبات وضبابية التطبيق؛ ومنجزات في الاصلاح القضائي لم يلمس المواطن أثرها بعد، ومنجزات على مستوى حكامة الاعلام الرسمي من خلال دفتر تحملات جديدة عجزت الحكومة عن تنزيلها على أرض الواقع بسبب مقاومة النافذين في مؤسساته. وأما الاصلاحات السياسية فضعيفة جدا سواء على مستوى أدوار وصلاحيات المؤسسات السياسية للدولة أو على مستوى الاصلاح الانتخابي والحزبي للقطع مع التحالفات الهجينة التي تتحمل بشكل كبير مسؤولة عرقلة تقدم الاصلاح. وأما الاصلاحات المتعلقة بما يسمى الصناديق السوداء، كالاقتصاد الاجتماعي (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) والتعاون الوطني للإنعاش وغيرها، فلا تذكر فيها مشاريع إصلاحية إطلاقا لا من الحكومة ولا من المعارضة؛ لأنها مرتبطة بالصناديق السيادية التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها في هذه المرحلة.
5) إذن، وعموما لا يمكن انكار الاصلاحات المهمة التي أنجزتها الحكومة بقيادة السيد عبد الإله بنكيران، وفي نفس الوقت لا يمكن الادعاء أنها اصلاحات كافية لضمان الاستقرار؛ لذلك مازالت الحاجة إلى تعزيز المنحى الاصلاحي بمناسبة الإعداد للانتخابات التشريعية القادمة، وما زالت الحاجة إلى مرحلة ثانية للسيد بنكيران بجرأته وصموده وصبره على مقاومة عناد التحكم والاستبداد. وما تجدر الإشارة إليه، بعد خروج إلياس العماري المتهم بقيادة التحكم والاستبداد إلى العلن زعيما لـ”البام” ولمواجهة الاسلاميين، هو حالة الخوف الشديد الذي يشعر به الاصلاحيون من الرجوع إلى نقطة الصفر في الاستحقاقات القادمة والعصف بالتجربة، مما يؤدي إلى مالا يحمد عقباه.
وأخيرا، تبقى مسؤولية سلاسة التحول الديموقراطي رهينة بشخص الملك كلاعب رئيسي في تفاعله مع القوى الإقليمية وفي إطار ممارسته لصلاحياته الدستورية؛ لذلك ما فتىء بنكيران في كل مناسبة يعبر عن اصطفافه إلى جانب الملك حتى يتعزز أكثر مسار الثقة الكاملة الذي راكمه خلال مساره السياسي والحكومي، ولطالما يحذر المترددين ومناوئي مشاريعه الاصلاحية من عودة التحكم الشامل وخطره على استقرار الدولة والمجتمع وأمنهما وعلى مستقبل النظام الملكي.
* دكتوراه في العلاقات العامة
مقال ممتاز متوازن برز ايجبيات تجربة هذه الحكومة ونواقصها. إلى الأمام
المغرب بلد لجميع التيارات سواء اكانت دينية او حداثية ،علمانية او ليبرالية .الدين لله والوطن للجميع .والكل له مشروعه الذي يعتقد انه الانسب ،والكل له الحق ان يقنع الاخر بأفكاره واتجاهاته في إطار الوسائل المشروعة .ثقافة الاقصاء لم تجدي .لازم نربي اجيالنا على احترام الاختلاف والراي الاخر بدون شتم او عنف …لكن مع الأسف نرى سياسيونا لم يستوعبوا بعد ان التعددية الفكرية والحريّة الفردية هي المنطلق الأساسي لبناء دولة الحق والقانون .انا اومن بان الدولة المدنية هي الحل .اعلم ان الكثير يختلف معي ويرى ان الدولة الدينية هو الحل .لكن ما العيب اذا اختلفنا وناقشنا وحاولنا إقناع الاخر بدون إقصاء او سب او عنف او شتم …يجب علينا ان ننشر ثقافة الحوار الهادئ السلمي الإيجابي …
لماذ لم يطبق العدالة والتنمية الشريعة؟ولماذ لم يقلص من تعويضات الوزراء والبرلمانيون؟ولماذا يتقاضى الرميد مبلغ5000 درهم إن دشن مشروعا في البيضاء؟
1- برزَ الثَّعلَبُ يوماً *** في ثيابِ الواعظينا
2- ويقولُ الحمدُ للـ *** ـهِ إله العالمينـا
3- يا عبادَ اللهِ توبوا *** فهو [ربُّ][3] التَّائبينا
4- وازْهَدوا في الطَّيرِ إنَّ الـ *** ـعيشَ عيشُ الزَّاهدينا
5- واطلُبوا الدِّيكَ يؤذِّن *** لصلاةِ الصُّبحِ فينا
6- عرضَ الأمرَ عليهِ *** وهو يرجو أن يلينا
7- فأجابَ الدِّيكُ عُذراً *** يا أضلَّ المُهتدينا!
8- بلِّغِ الثَّعلبَ عني *** عن جدودي الصالحيناَ
9- عن ذوي التِّيجان ممَّن *** دخلَ البطنَ اللَّعينا
10- أنَّهُم قالوا وخيرُ الـ *** ـقولِ قولُ العارفينا
11- مُخطئٌ من ظنَّ يوماً *** أنَّ للثَّعلَــبِ ديناً
من اجل تنوير وتثقيف الجمهور وتحرير العقول .نحن في حاجة ماسة الى اعلام فكرية ومعرفية جادة وهادفة تنضبط لمناهج العلوم الانسانية في التحليل والتشخيص والرصد العلمي في تناول كل القضايا المجتمعية،بشجاعة وحكمة وتدبر ،تنحاز فيه لمصلحة عموم الطبقات الشعبية المقهورة والمهدورة بالارتقاءبوعييها الجمعي يمكنها من معرفة حقيقية ومسؤولة بالدفاع المستميت عن حقوقها المشروعة باشكال نضالية اكثر حضارية ،وذالك من اجل مستقبل افضل وغد مشرق،اما الاقلام المأجورة التي تملق الحكام ومن هم في سدة الحكم بدون اقناع ودليل ملموس وموضوعي فمصيرهم هو مزبلة التاريخ ،ان المقياس الوحيد الذي تقاس به مستوى التقدم والتنمية بكل ابعادها الشاملة تتجسد في البعد الاجتماعي .في التعليم والصحة ،والكل يجمع سلطة ومجتمع على كارثية وتخلف هذين القطاعين ،انه انحطاط وتخلف بنيوي حاد ،