الألعاب الشعبية للأطفال تقاوم الزحف الإلكتروني في طنجة

الألعاب الشعبية للأطفال تقاوم الزحف الإلكتروني في طنجة
الخميس 3 مارس 2016 - 16:51

يُرسل الطفل عماد “الطرومبة” التي لفها بخيطٍ بكلّ إحكام نحو تلك الخاصّة بغريمه في اللعبة بكلّ ما أوتي من قوة، وهو يبتغي إما أن يكسرها أو يبعدها إلى أقصى مدى بهدف إيصالها إلى دائرة رسماها مسبقا.

يشرح عماد قوانين اللعبة قائلا: “الرابح هو من يدفع قطعة غريمه نحو تلك الدائرة، إما بضربة مباشرة أو بدفعها تدريجيا، لتصبح ملكا له، وفي أسوأ الأحوال يكسرها له”.

“الطرومبة” هي لعبة من بين عشرات الألعاب التي لازال يمارسها عدد من أطفال الأحياء الشعبية بمدينة طنجة، إذ انطلق موسمها قبل أيام، وقد يستمر لأسابيع، ثم تختفي اللعبة تدريجيا لتحلّ محلها أخرى.

للألعاب الشعبية الجماعية بطنجة قوانينُ ومواسم ومصطلحات خاصة، توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، ولم تفلح – إلى حد الآن – ثورة التكنولوجيا في القضاء عليها نهائيا، وإن كان بعضها قد اختفى من “أجندة” أطفال هذا الزمان.

ألعابٌ ومواسم

“الطرومبة” واحدة من الألعاب الصّامدة، وهي قطعة خشبية مخروطية الشكل تنتهي بسنٍّ مدبّب يسمح لها بالدوران بسرعة كبيرة، وهي لعبة جماعية يمارسها الذّكور في الغالب، وقوانينها هي تلك التي شرحها عماد، أما بعض مصطلحاتها فهي: النبال، الكام، البولانطي…

لا أحد يعرف متى ينتهي موسم لعبة ما، ومتى يبتدئ موسم أخرى، فالأمور تتم بكل عفوية وبشكل تدريجي، إذ يجد أطفال المدينة أنفسهم يمارسون جميعا اللعبة نفسها في الفترة نفسها، دون أن يعرف أحد كيف بدأ الأمر وكيف انتهى.

وموسم لعبة ما مرتبط بالفصل وحالة الجوّ عموما، فهناك ألعاب لا يمكن ممارستها إلا في الشتاء، كلعبة “المغراس”، وهي من الألعاب المنقرضة التي لم تعد تمارس بأحياء المدينة.

وتُمارس لعبة “المغراس” في فصل الشتاء، إذ يتكون الطـّــميُ بفعل امتزاج الأمطار بالتربة، مما يسمح بتشكيل مربعات ينبغي على اللاعب أن يقوم بإدخال قطعة حديدية فيها، واحدة تلو الأخرى عن طريق رميها بقوّة، وهي من الألعاب التي كان فيها نزر يسير من الخطورة.

أما فصلا الربيع والصيف فيتميزان بلعبتي “البومبات” و”الكاتش”، الأولى تمارس بكرات زجاجية صغيرة، ينبغي إدخالها في حفرة يتم إعدادها من طرف اللاعبين خصيصا لهذا الغرض، ويمكن ممارستها بعدة طرق، ومن مصطلحاتها نجد: الميّو، الضريب، الرّين، إنكا..

وبينما لازالت هذه اللعبة تمارس في معظم الأحياء عندما يحين موسمها، فإن لعبة “الكاتش” انقرضت تماما، فعندما سألنا عماد إن كان يعرفها أجاب: “الكاتش الذي أعرفه هو تلك المصارعة العنيفة التي يعرضونها على القنوات”.

والحقيقة أن لعبة الكاتش كانت تمارس بقطعتين خشبيتين وحجَرين، بحيث ينبغي على اللاعب أن يقذف قطعة خشبية صغيرة بأخرى كبيرة إلى أبعد مدى، بينما على المنافس أن يحاول التقاطها، ثم يرميها بعد ذلك لإسقاط القطعة الخشبية الأكبر الموضوعة فوق الحجرين.

لا تخرج الإناث عن القاعدة في طنجة، فلديهن ألعابهن ومواسمها أيضا. ومن أشهر الألعاب التي انقرضت نجد لعبة “الكرومو”، التي كانت تمارس بمجموعة من الصور الصغيرة، إذ تفوز في اللعبة من تقوم بضرب الصورة بكفها لتنقلب على وجهها، وهكذا حتى تستنفد اللاعبةٌ كل ما تملك الأخرى.

واحدةٌ من الألعاب الصامدة، والتي لازالت تمارس في دروب طنجة وساحات مدارسها، هي لعبة “اللاستيك”، وهي لعبة حركية كثيرا، يطلب فيها من اللاعبة أن تقفز فوق حبلين دون تعثّر، وكلما تفوقت في مرحلة يتم زيادة ارتفاع الحبلين الموضوعين بين أقدام لاعبتين أخريين.

الألعاب الإلكترونية..المنافسُ الشرس

لعلّ أكبر منافس قد يقضي في قادمِ السنوات على ما تبقى من الألعاب الشعبية بالمدينة هي الألعاب الإلكترونية، التي تستأثر كثيرا باهتمام أطفال طنجة، وأصبحت منذ عقد تقريبا تلتهم من وقتهم الكثير، على حساب ممارسة الألعاب الشعبية الجماعية، التي تسمح لهم بالتجمع في قاعات ألعاب أو حتى داخل بيوتهم ليعيشوا عالمهم الخاص.

تقول منية الزهراوي، باحثة في قضايا الجنوح: “أول مظهر سلبي للألعاب الإلكترونية يتجلى في الفردانية والعزلة، وهي مسألة خطيرة، على عكس الألعاب الشعبية التي تعلم الطفل أن هناك دائما “آخر”، لديه حقوق وعليه واجبات، كما تعلّمه النظر للأمور من عدة زوايا.. فما قد يعتبره هو تعدّيا عليه مثلا، قد يراه الآخر مجرّد مزاح. فيبدأ الطفل في تعديد زوايا نظره للحياة”.

وتضيف الزهراوي: “الألعاب الشعبية فيها الكثير من الحوار والكلام والصراخ. ولن تتصوّر كما هي مهمة مسألة الصراخ هذه؛ لأنها تخرج الكثير من الأشياء التي تعتمل داخل الطفل. لاحظ أن الطفل المدمن على التلفزة والألعاب الإلكترونية يفاجئ والديه من حين إلى آخر بصرخة غير مبررة، تثير خوفهما، والحقيقة أنه يحاول أن يخرج ما يشعر به من خلال ذلك التصرف”.

“بالنسبة للحركة في الألعاب الشعبية”، توضح الزهراوي، “حتى تلك التي تتطلب جلوسا مثلا، لا بد أن تجد في نهايتها حركة يقوم بها اللاعب المنهزم، كعقاب على انهزامه في اللعبة. ولا داعي للإشارة إلى أهمية الحركة بالنسبة للطفل صحيّا ونفسيا. أما في الألعاب الإلكترونية فالتصلب والجمود هما الأساس، ومصدر التلقي واحد دائما.

ولعلّ بعض الألعاب القديمة كانت بريئة، أما الآن فأغلبها تحمل أهدافا معينة، وتنجح في تلقينها للطفل فعلا، من خلال المؤثرات بكل أنواعها”.

وتنبه الزهراوي إلى أن الطفل بمجرد الانتهاء من ممارسة لعبة إلكترونية ما يصبح عنيفا ويبدأ في التخريب في أغلب الحالات، “لأنه لا يتفاعل مع محيطه لمدة طويلة، ناهيك عن المحتوى العنيف بعض الألعاب”.

وعن الفرق بين الاثنين تقول الزهراوي: “الإلكترونية تلقّن وتحقن الطفل بما تحتويه، تاركة ذلك يعتمل في نفسيته، بينما الشعبية تبني الشخصية، وهذا هو الفرق الجوهري. الطفل يوضع في مواقف ويأخذ قرارات ويتعلم الاندماج، فيتشرّب المرونة والذكاء والتحكم في أعصابه، فهو ليس غبيا، إذ يبني مواقفه انطلاقا ممّا تعلمه من الاحتكاك بأقرانه”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • ولد المصلى
    الخميس 3 مارس 2016 - 17:12

    ايام الزمن الجميل لبتها تعود ولو ليوم واحد، من لم يلعب في فترة الطفولة البريءة كانه لم يولد اين هي دروب المصلى وعين قطيوط وملعب الشربف وزد على ذلك وقس، الزمن ليس كالزمن واﻻشخاص ليسوا كما كانوا.
    لكن هذه سنة ااحياة.

  • زَگہـﮯﺮِيـَآءْ / 1914
    الخميس 3 مارس 2016 - 17:18

    أين أيام الطرومبية ، كنا نجتمع من العصر في إنتظار أذان المغرب خصوصا في رمضان ، تطلب من الوالدة أو الوالد الإذن للخروج و القيطان على حافته سدادة (غلاقة) قارورة من أجل الاستعانة على تثبيت الإمساك و الضرب بقوة ، و تخرج متحمس لكسر أكبر عدد ههههه الله المستعان ، الحمد لله على تلك الأيام الجميلة ، ليتها بقيت راحة خيالية لا تفكر في شي ، لكنها سنة الله لا يدوم إلا وجهه الكريم …. تحياتي لأبناء الحي ( خريبكة – village )

  • نبيل
    الخميس 3 مارس 2016 - 17:18

    مازالت لعبة المغراس لم تنقرض بعد ويمكنك زيارة حي سيدي ادريس بطنجة للتأكد

  • حميد ل
    الخميس 3 مارس 2016 - 17:43

    ا نقرض ذلك الزمن الجميل عندما كنا اطفال نصنع العابنا باشيائنا البسيطة بساطة حياتنا وقتها كانت المتعة بين اقراننا لا تضاهيها متعة وبتكلفة بسيطة جدا لم نكن نكلف اولياء امورنا شيئا كانت السعادة تملا قلوبنا اما الان وامام الغول التكنولوجي ومتطلباته فان ابناء الفقراء يعانون الحرمان امام اقرانهم لعدم امتلاكهم العابا مكلفة فتتولد لديهم عقد نفسية تؤثر على نفوسهم

  • غريب
    الخميس 3 مارس 2016 - 17:55

    الطفل المغربي الفقير يعاني من الحرمان ، عدم الاستقرار النفسي ، العائلي ،الإجتماعي،الإقتصادي و السياسي…فعن أي ألعاب يتحدث الجميع ؟

  • طنجاوية من الزمان الجميل
    الخميس 3 مارس 2016 - 18:07

    بقراءتي لهذا المقال تذكرت طفولة جميلة عشتها بين احياء عروسة الشمال فعلا كنا نستمتع باللعب بأبسط الوسائل المتوفرة لدينا لعبة ضرب الصور كنا نسميها صطومبات الآن أشاهد ابنتي ولا أراها تستمتع كما كنت جيل متسرع ويتوفر على كل شيء ورغم ذلك غير سعيد

  • طنجاوي
    الخميس 3 مارس 2016 - 18:08

    ذكريات ذكريات. أنا من مواليد السبعينات وأتذكر جميع هذه اللعب. ذرفت عيناي بعد قراءتي …

  • ABDELKADER
    الخميس 3 مارس 2016 - 18:17

    لعبة المغرس ميو الرين صرط كبيو تجري دبيا الكاش بمبات

  • adil
    الخميس 3 مارس 2016 - 18:57

    أيام زمان تدكرت كلمة معروفة عند من لعبو الطرومبية وهي دق السماو التگارگير

  • طنجاوي007
    الخميس 3 مارس 2016 - 19:11

    اااه ايما الزمن الجميل . كل انواع اللعب المدكورة مارستها في صغري عندما كان حينا فيه أكثر من 50 فردا اما الآن الكل من رحل ومن تزوج ومن هو مشتغل مع مشاغل الحياة . أنواع الألعاب الشعبية بطنجة المغرس = البومبات = الكاتش= الملاقف = طرومبا = شريطا = حجيرة = جري ديال التحرير= حديدة = لعب ديال الكرطا السوطا المسخوطة = جري ديال تشوطيس هههه مفردات طنجاوية هادو كاملين دوزناها والكثير تناسى لي ليت الايام تعود الزمن الجميل ليس مثل هادا الوقت زمن المخدرات والبليا الله ينجي الشباب والاطفال

  • الشرق
    الخميس 3 مارس 2016 - 20:08

    ايام الطفولة في سنوات الثمانينات من بين اجمل مراحل الحياة التي عشناها حيث كنا نقوم بمجموعة من الألعاب بالحي الذي كنا نقطنه و التي بقيت مترسخة في أذهاننا ،ففيها تربينا على المنافسة والاجتماع مع الاخر على عكس قرينتها التكنولوجية

  • ali
    الجمعة 4 مارس 2016 - 00:20

    الزمن الجميل . لقد اضحكتني يا صاحب التعليق المسمى غريب ههههه ضحكت من كل قلبي

  • غريب وطن
    الجمعة 4 مارس 2016 - 00:45

    طبيعي أن تظل هذه الألعاب مواكبة للغياب التام للألعاب التربوية في القراءة والحساب والتعبير. من دون شك أن منظورنا المتخلف للتعليم قد أقصى وهمش كل أنشطة التعلم عبر اللعب وجعل من الدراسة التلقين والحفظ والاستظهار فقط في حين حولت الدول المتقدمة وجهتها حول التعلم عبر اللعب والتجريب والابتكار واللعب حتى انهم يتعلمون كل شيء باللعب وهم بصدد إدخال التكنولوجيا الحديثة وعلوم الربوتيك إلى السلك الابتدائي فيما نحن أطفالنا لا زالوا يحنون إلى ألعاب الأجداد.

  • طنجة العالية
    الجمعة 4 مارس 2016 - 01:15

    لماذا لم تذكرونا بألعاب البنات التي كانت في عهد "طرومبة و بومبت" ما أحلى أيام زمان

  • hamid usa 007
    الجمعة 4 مارس 2016 - 04:18

    في ذالك الوقت كان الابداع و خلق السعادة من لا شيئ ,الله يرحم هذك الايام كان عندها طعم ماشي بحال دابا. كنظن ان اسماء الالعاب كاتختالف من مدينة لمدينة,نعطيكم بعض اسماء الالعاب لي كانت عندنا في كازا; طرومبية+ لبي+ النگ + الدور+الكروصة ديال لورمات+ حابا+زديديدي+غمالة+ مالة+ زن+لعبة الفيتش+لاري+جمد+غميدة:قاشقاش+مضاربة بجلوفت الليمون و بكوابس لما + طامطام والباقي نسيت عليه هههههه , ولله انا كنكتب او كندحك… شكرا هسبرس على هاد الموضوع الذي حرك عواطفنا و مشاعرنا

  • Bon
    الجمعة 4 مارس 2016 - 06:16

    انظر دائما بحزن الى اطفال هذا الجيل بعد اختفاء الاعاب الجميلة و الشريرة احيانا التي كن نمارسها في طفولتنا و لكنها تبقى وسيلة من وسائل التربية و تكوين الشخصية و التعرف على الاخر

  • ابراهيم الشعبي
    الجمعة 4 مارس 2016 - 12:27

    شكرا جزيلا لك صديقي عبدالواحد لانك ذكرتني بفتة الطفولة. فترة البراءة والحلم و اللعب

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27

السوق والغلاء