فى الثلاثين من شهر مارس (آذار) الفارط 2016، مرّت الذكرى الأربعون ليوم الأرض الذي كان صرخة إحتجاجية مدوّية صاخبة في وجه سياسات المصادرة والتهويد التي نهجتهما إسرائيل ضدّ السكّان العرب فى العديد من الأراضي، والقرى، والمداشر، والأرباض الفلسطينيّة لإقامة المزيد من المستوطنات في نطاق المخطط الصهيوني لتهويد الجليل، وجهات أخرى فى فلسطين وتفريغها من سكانها الشرعيّين. في هذا اليوم عرفت هذه المناطق إضراباً عاماً شاملاً، حاولت السلطات الإسرائيلية كسره بالقوّة، ممّا أدى إلى صدام عنيف بين المواطنين الفلسطينيين وقوات الإحتلال الإسرائيلية ما إنفكّت تُسمع أصداؤه إلى اليوم .
أحداث تاريخية مؤلمة، مفاجآت خبّها القدر لأبناء فلسطين الذين رمت الأقدار بالعديد منهم خارج وطنهم، وبعيداً عن أرضهم، وعن ذويهم ، وأحبّائهم ، وخلاّنهم قهراً وقسراً،وعُنوة ، فانتشر منهم الكثير فى بلاد الله الواسعة فى غياهب المهاجر، ومنازل الإغتراب، من أقصى أصقاع العالم إلى أقصاه، ولكنّهم على الرّغم من نأيهم عن أرضهم ،وبُعدهم عن طنهم، ظلّوا مشدودين إلى جذورهم ، متشبّثين بحقوقهم ، فقد ألهمهم الله وحباهم طاقة لا تُقهر من الصّبر، والجَلد، والأناة، والتحمّل، والتمرّس،والتمنّع والمواجهة، والمقاومة، والتحدّى، والإصرار،والنضال .
الصّهيونية العالمية منذ إبعادهم وإقتلاعهم ، وإقصائهم من بلدهم عام 1947 عملت بلا كلل،ولا ملل، وبدون هوادة من أجل القضاء ليس فقط على هذا الشّعب وإستئصاله من جذوره ، وطمس شخصيّته ، وإجتثاث هويّته ، ومحو كلّ أثر له، بل إنّهم حاولوا محوَ حتى جغرافيته وتغيير تضاريسها، وتشويه تاريخه، وتراثه في حملات متوالية بإستعمال مختلف ضروب الحيل والأكاذيب، وتوظيف الدسائس، والخسائس، ومزاولة المكر، والمكائد لتحقيق هذه الغايات الدنيئة. ثمّ إنطلقت الثروات ،والإنتفاضات الواحدة تلو الأخرى ، حيث طفق هذا الشّعب فى كتابة صفحات جديدة من تاريخه النضالي المجيد، حاملاً رمزَ كفاحه، وثورته،وتمرّده الكوفية الفلسطينية المرقّطة، أوالمنديل الفلسطيني المميّز وغصن الزيتون، وعمل على إحياء هويّته وجذوره ،وإستعادة ذاكرته التاريخية، والثقافية، والتراثية الجماعية.
ما زال الفلسطينيون الشّهداء يروون ثرى أرضهم الفيحاء، وما فتئت الآلة الحربية الإسرائيلية تقتّل وتنكّل بهذا الشعب بدون رحمة ولا شفقة ،وتزجّ بأبنائه وبأحفاده في غياهب وظلمات جحيم السّجون الإسرائيلية، ليُحْرَمُوا ليس فقط نعمة صلة الرّحم مع ذويهم، وأهاليهم، وأقربائهم والهواء الطلق، والنّسيم العليل، وزرقة السّماء، ونور الضياء ، بل ليُحْرَموا كذلك قوتهم اليومي لسدّ الرمق، والعيش الهانئ الرّغيد، وما إنفكّت الأنفس تتنفّس الصّعداء، وتعدّ العدّة للمراحل القادمة من كفاح هذا الشعب .
المسألة ،مسألة بقاء أو لا بقاء ليس إلاّ، الأشقاء والإصدقاء الأبعدون والأقربون منهم فقط يذرفون الدّموع حرّى ساخنة، وينزوون بأنفسهم لينظموا كلماتٍ مسجوعةً ، مشحونة بالغضب والإنتقام.. وتمرّ الأيام، وتتوالى الليالى، وفي رحمها، وزخمها، وخضمّها تتولّد، وتستجدّ الأحداث، وينسون أو يتناسون ما فات،المآسي ما زالت تترى، وتنثال أمام أعينهم، وعلى مرأىً ومسمعٍ منهم ،فيشاطرهم العالمُ طوراً أحزانَهم، وأحياناً يجافيهم.. ويكتفون بالتفرّج ،والتحديق، والتصفيق، والتهليل،والتعليل، والتحسّر،والتأثّر بلغة باكية شاكية كئيبة حزينة مذلّة ، أمّا الآخرون فإنّهم يتعنّتون، ويتمنّعون، ويتمسّكون بكلّ شبر سطوا عليه، وبكلّ مدينة طاهرة عَلِقوا بها، يبسطون نفوذَهم، وتأثيرَهم ليس على الأرض وحدها، بل على العقول، والألسن، والأفئدة، والقلوب، وهم ماضون في غطرستهم، متمادون فى تبجّحهم ،مُمْعِنُون فى كبريائهم وخيلائهم .
ما أكثرَ لوحات الشّرف التي يزهو بها الأقربون والأبعدون ، وتمتلئ بها دورُهم ، وتعلو جدرانَ قصورهم، وبيوتاتهم ، وما أكثرَ النياشين، والأوسمة التي تنمّقُ صدورَهم ، وما أكثرَ ما يعودون القهقرى لنعانقَوا التاريخَ ، ويستلهمون منه العبرَ والدروسَ، ويستشفّون منه معنوياتٍ جديدةً لإستئناف مسيرتهم، وتضامنهم.. !
إنهم قومٌ رحماء بغيرهم،يذوذون عن حوضهم وجيرانهم بسلاحهم، وهم قوم مشهود لهم ومشهورون بالصّفح والتسامح..! رحماء بالصّغير والكبير، والقويّ والضعيف ، معروفون بهذه الثنائية المركبّة التى تجمع بين الجَلد واللين، والبأس والشدّة، والقوّة والرّخاوة، والصّلابة والطراوة.!.
أمّا الآخرون.. فلقد إقتدّت الرّحمةُ من قلوبهم، وكأنّها قلوب صيغت من فولاذ ،لا يفرقون بين الصّغير والكبير، إنّهم ينكّلون بدون تمييز، ويسجّل التاريخُ عليهم همجيّة “المجازر” ويدوّن لبني طينتنا روعة “المفاخر”، ورونق المظاهر..وما إنفكّ العالم يتفرّج بدون إكتراث ،ولا مبالاة .!
الأشقّاء والأصدقاء ما إنفكّوا يتستّرون،ويستذرّون عطفَ العالم ويَسْتَجْدُون رحمته ، ويصفون له فداحةَ الأهوال،وسوءَ الأحوال وقساوة الفظائع التي تُرتكب في حقّ شعب لم يعان شعب آخر ممّا عاناه، إنّهم قومٌ حالمون ، ما برحوا مُنشغلين بأمورهم ، مُنبهرين مَشدوهين بالأوار المستعر وسط ساحاتهم،وميادينهم، وحول مرابضهم، وأرباضهم ، وداخل بيوتاتهم، وأحيائهم، وأفئدتهم. أمّا الآخرون فمنذ أن دنست أقدامُهم أرضَ السّلام، ما إنفكّوا يفتكون وينكّلون .
إخواننا ما فتئوا يعانون مختلف ضروب التعنّت والتنكيل الإسرائيلي على الأرض فى مختلف المناطق والجهات الفلسطينية، كما أنّهم ما برحوا يعانون الشّقاق الداخلي، والتشرذم، والخلافات، وأمسى التصدّع قابَ قوسين أو أدنى من أن يُصيبَ صرحَ الوحدةَ الوطنية المنشودة ، والأمل أبداً معقود على التصالح، والتسامح، والتصافح ، والتقارب والتصافي، وإقصاء التجافي، والتداني، والتفاني، والتفاهم، ورأب الصّدع ، وإلتئام الفصائل، والبحث عن البدائل، وتسخير وتفجير كلّ الطاقات، وإستغلال كلّ الخِبْرات ، والنبش في التراب والتراث. وفى الثّرىّ والثريّا ،
كلٌّ واحد من الأشقاء والأصدقاء يحملً صخرته على كاهله ويمضي، مرسوم على محيّاه الجانب المقطّب من وجه “موناليزا أو”الجيوكاندا” لليوناردو دافينتشي، فلا هو بالحزين، ولا بالجذل، ولا بالباسم ولا الباكي،ولا الشاكي، ، صيفه قائظ مُستعر، وخريفه شاحب مُكفهرّ، وشتاؤه صقيع مُنهمر، وربيعه مُزهر مُزدهر… كلّ يحمل همومَه، وقلقَه، وهواجسَه،ونكده،وضنكه، وأوهامَه ، وأثافيه فوق ظهره ويسير،ولا أحد يبالي به، ولا بآلامه ومعاناته، ولا يكترث بأحزانه،وأشجانه، وعذاباته،ومعاناته !
تاريخهم حافل أثيل، وماضيهم تليد مجيد ، وتراثهم زاخر باهر،. إنهم قومٌ كُثر ، والكثرة قوّة (!) قالها يوما فارسٌ من حيّهم : لا يسألون أخاهم حين يندبهم / في النائبات إذا قال برهانَا… ! وقالها آخر : حشدٌ على الحقّ عيّافُو الخَنَا أنُفٌ /إذا ألمّت بهم مكروهةٌ صَبرُوا….وردّ آخر: وأقسم المجدُ حقّا ألاّ يحالفُهم /حتى يحالفَ بطنَ الرّاحة الشّعرُ.. ! وأردف آخر منهم : تعيّرنا أنّا قليل عديدنا / فقلت لها إنّ الكرامَ قليل…! وبالاضافة لهذه الذخائر، لديهم الأنفة والشّموخ ،والسّؤدد، والعزّة والمجد، والأبراج الشّاهقة التي تناطح عنان السّماء ، و…..ولكنّ أعوادهم هشّة ضعيفة واهية ،إنطلقوا يتوقون بلا بَوْصَلة ولا هادٍ نحو بطولات فردية، دونكيشوتية ،ودانتية،وعلائيّة تمرّدية، وهمية لا طائل تحتها.. !
الاشقّاء..قوم رحماء بغيرهم ، وإن كانت بهم غِلظة وفظاظة. مشهود لهم، ومشهورون بالصّفح والتسامح، وإن كانت بهم أثَرَة وكبرياء . إنهم قومٌ رحماء بالصّغار والكبار،معروفون بهذه الثنائية المركّبة التي طالما تغنّى بها شعراؤهم، ونبغاؤهم،وأجدادهم إنهم ما إنفكّوا يتغنّوْن، ويُطرَبون ويردّدون : ” نحنُ قومٌ تذيبنا الأعينُ النّجْلُ /على أنّا نذيبُ الحديدَا…
طوعُ أيْدى الغرامِ تقتادنا الغيدُ / ونقتادُ في الطّعان الأسودَا…
وترانا يومَ الكريهة أحراراً / وفي السِّلمِ للغوانيِ عبيدَا…”!!!
لقد كشفت لهم الأيامُ مدى ضعفهم، ووهنهم ،وخذلانهم ، فلزمت الكآبةُ مُحيّانهم ، وسكنت الحَسْرةُ قلوبَهم. وعزاؤهم الوحيد أنّ الحرب سجالٌ، والأيّامُ دولٌ…..!!**
*كاتب وباحث ومترجم من المغرب،عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكيّة للآداب والعلوم – بوغوطا- (كولومبيا).
** تحريراً فى حاضرة أبي القاسم المجريطي .. مدريد العامرة 4 أبريل 2016
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.