المغرب الوثائقي : في الحاجة إلى قناة وثائقية مغربية

المغرب الوثائقي : في الحاجة إلى قناة وثائقية مغربية
الخميس 25 فبراير 2010 - 01:59

لا يختلف اثنان في كون القرن الذي نعيشه سيكون قرن التميز بالنسبة للفيلم الوئائقي، ذلك أنه إذا كان القرن الذي ودعناه قرن سبر أغوار الدراما بامتياز، فإنه أمام ما نكابده من وحشية العولمة التي وضعت ضمن ترسانتها توحيد الثقافات وتوجيهها حسب نزواتها وجعلها في يد قطب واحد متحكم، خصوصا مع فتور بل زوال الصراع الكلاسيكي الإيديولوجي بين الاشتراكية والرأسمالية، ومع اندثار الأولى وسيادة الثانية، وبالرغم مما قدمته الدراما السينمائية العالمية والتي كانت تحركها تلك الإيديولوجيات بشراهة طبعا أمام تشجيع مادي ومعنوي لكلا الطرفين، فإن شبه الفراغ الحاصل الآن على مستوى التناول الدرامي وعلى مستوى صراع الإيديولوجيات، جعلنا أمام إنتاجات عالمية وعلى إمكانياتها وترفها وقوتها… تتناول أنماطا من السيناريوهات التي هي أقرب من الوثائقي منها إلى الدراما السينمائية وأصبحنا، أمام إنتاجات عالمية تركز على فناء العالم وعلى كائنات ستقطن الأرض في المستقبل وأن مآل الإنسان بين كفي عفريت …. الأمر الذي جعل خصوصيات كل الأمم في مهب رياح عاتية لا تعترف بالتعدد، بل وأمام انتكاسة حقيقية اسمها طمس الهويات، هاته الأخيرة التي تعتبر في نهاية المطاف أحد مظاهر جمالية هذا العالم وقوته بل استقرار آمنه .


أمام هذا الهول الذي تسعى تلك السيناريوهات تحقيقه، تبقى خطابات الصورة ذات فعالية : فكيف إذن نواجه مثلك تلك الخطابات التي قد تغنينا على تصفح عشرات الكتب والبحوث؟ وبالتالي يبقى من حقنا أن نقول كلمتنا من منطلق خصوصياتنا والتي هي جزء لا يتجزأ من الخصوصيات التي تشكل المنظومة الأنتربولوجيا والأركيولوجيا الكونية….. لهذا العالم الذي هو أيضا من أولوياته التفاعل مع تلك الخصوصيات على الرغم من تناقضاتها ؟ تم ما هي سبل مواجهة حالة الانفلات هاته التي يعيشها المشاهد المغربي جراء عدم استقراره كمتلقي على جهة بصرية تضمن هدوءه وبالتالي تكرس خصوصياته مع التركيز على كل عناصر الجمال التي يجب أن تطبع ما سينقل من صور ؟


إن تشبث المشاهد المغربي بثقافة الوثائقي له ما يبرره، فهي تذكره بشيء من كيانه وفي كثير من الأحيان واقعه وصورته، تشبت يؤشر على تطور هذا الذوق ورقيه .. لا يوازيه تفكيرنا في خلق قناة وثائقية ببطاقة تعريف مغربية، وأعتقد أن ذلك لن يكلف في شيء بنفس تكلفة قنوات أخرى هي أقل مردودية ومشاهدة، إن كبرى قنوات الأفلام الوثائقية العالمية اليوم والتي تشد أنظار المشاهدين المغاربة حاليا شدا، لن تثنينا على القيام بنفس ذلك، لأن أغلب تلك القنوات شيدت نجاحها على الاستهلاك والاستيراد أكثر من الإنتاج ، وهذا ليس عيبا أن نرى قناة وثائقية مغربية تنهج نفس النهج، بل إن الأمر قد يفتح لنا أبواب أخرى أكثر فعالية وأكثر جاذبية وإنتاجية وإبداعية وجمالية.


إن من شأن إنشاء قناة وثائقية مغربية أن يفتح الباب أمام إنتاجات وطنية لمبدعين شباب من طينة مخرجي الأفلام الوثائقية والأفلام الوثائقية/الدرامية، وبالتالي سنكتشف عوالم من تاريخنا وجغرافيتنا مازلنا لم نفك طلاسمها بعد…. وطبعا بالاعتماد على ما هو مطمور في الأرشيفات التاريخية والطبيعية والأركيولوجية …. والتي هي حق طبيعي لكل مواطن نريد أن نكرس في دواخله روح المواطنة بل ونريد أن نغرس فيه السلوك المدني المطلوب… لأنها هي جزء منه وهو جزء منها .


ولنا من الأفلام الوثائقية المغربية ومن المسلسلات الناجحة ما نحن محتاجون له اليوم أكثر من أي وقت مضى لمشاهدته لنا ولهاته الأجيال التي ظلت الطريق نعم طريق الخصوصية المغربية، إن من شأن إنشاء قناة وثائقية مغربية أن يجعل ثلة من مشاهدينا أن يولوا أعينهم وعقولهم بل وقلوبهم صوب هاته القناة التي ستنقل لهم عوالم الكون وترمم لهم ما كان مشوشا من معارفهم وما يجهلونه، طبعا وهذا هو الأهم مساعدتهم على الرقي بمستوى تفكيرهم الذي سيكرس فيهم روح الوطنية والمواطنة والتبجح بالهوية المغربية وخصوصياتها والانتماء لها.


إن نظرة من الأعلى على الحصيلة السينمائية التي كان المهرجان الوطني الحادي عشر مناسبة لعرضها لخير دليل على أن ثقافة الفيلم الوثائقي لم تجد طريقها بعد إلى امتلاك الثقة لدى المسؤولين على سياسة الدعم، وهذا طبيعي لأننا لم نبرح أمكنتنا كمستهلكين لهذا النوع من السينما، ديباجة القانون المنظم للمركز السينمائي لا تميز بين الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي الكل لديها سواء، الإشكال في كون هذا الجنس السينمائي لم يجد بعد طريقه نحو النجومية ومنحه الحق في التواجد، خصوصا إذا علمنا أن مخرج الفيلم الوثائقي لم يجهز نفسه بعد لكي يكون في مستوى المتطلب، علما أن المخرج يعتبر جزءا لا يتجزأ من فيلمه، إذ لا قيمة لفيلم وثائقي من دون مخرجه، فبقدرما يتميز الفيلم الوثائقي بطابعه الثقافي والجمالي بقدرما لم يتكرس لدينا مخرج بمواصفات ثقافية وفلسفية تجعله يدافع عن حقائق ووقائع ذات أهمية تخدم الوطن كما المواطن، ولدينا من الباحثين وأساتذة علم التاريخ والجغرافية والفيزياء والأنتربولوجيا والأركيورلوجيا والجمال وغيرها من العلوم….. ما يسهل علينا امتطاء صهوة هذا الجنس الفني الراقي .


خلو الحصيلة السينمائية لموسم 2009 من دعم لمشاريع أفلام وثائقية لا يعني أن هذا النوع الفني غير ذي قيمة، بل بالعكس إن مشاريع من ذلك النوع لم ترق إلى ما هو مطلوب، ولكن لدينا اليقين أن التفكير في إنشاء قناة وثائقية مغربية سيكون له بالغ الأثر في احتضان مشاريع أفلام وثائقية مغربية، وبالتالي سنخلق أجيالا ربما ستكون محط ثقة جهات مدعمة .. كالمركز السينمائي المغربي الجهة الرسمية .. بل وحتى من جهات منتجة عامة أو خاصة … إن النتيجة المتحصل عليها في نهاية المطاف أمام إنشاء قناة وثائقية وأمام ازدياد ثقة الجهات المدعمة، أولا الرقي من قوة وإشعاع ومساعدة مجموعة من الملتقيات والمهرجانات المهتمة بثقافة الوثائقي : وما المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخربيكة إلا نموذجا للاحتفاء بالأعمال الوثائقية الرائدة، كي تساعده على انتقاء الأجود للتمثيلية أمام مشاركات وازنة لضيوف يحملون ثقافات بحمولات وإيديولوجيات مختلفة هدفها الأسمى نشر ثقافة الحوار ونبذ كل أشكال التطرف الفكري طبعا عبر ثقافة الفيلم الوثائقي.


والنتيجة في الأخير : تصحيح المسار ورأب الصدع أمام التصدعات التي يشهدها شبابنا أمام هاته الموجات البصرية التي لا تعترف بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية …. رغبتنا جامحة في الأخير أن يزف لنا خبر إنشاء قناة وثائقية مغربية أو حتى التفكير فيها : تمزج – مناصفة – ضمن برامجها بين الإطلالة على حضارة وخصوصية الآخر وبين خصوصياتنا وهويتنا وتاريخنا الذي نحن في أمس الحاجة إلى استحضار أبطاله في كل لحظة وحين وإماطة اللثام على جزء من ذاكرتنا الوطنية ونفض الغبار عنها …لنفكر في ذلك جيدا، لنجرب وسوف نرى .

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • محمد بونوار
    الخميس 25 فبراير 2010 - 02:01

    أوافق الأخ حسن مجتهد أن العولمة كانت وستكون الخطر العملاق, ليس على الاقتصاد والسياسة بل الأدهى من ذالك فهي تهدد ـ فلسفة العولمة ـ ما يسمى ب الهوية .
    كيف يتم ذالك ؟
    عبرألياتها التكنولوجية كالانترنيت وأفلام الخيال العلمي والصورة المتحركة والهاتف النقال،تخترق العولمة الثقافات والهويات فتهشمها،وعبر شركاتها المتكثلة تخترق البلدان والقارات فتقزمها .
    ومن ثم وجبت ضرورة الوعي بأهمية الصورة وثقافتها ومشتقاتها التي تشكل الجزء الأكبر من االلعبة الثقافية التي تساهم في الحوار مع الأخر وفي تكوين هوية متميزة وصامدة ومواجهة لغزو العولمة .
    إن الحرب اليوم هي حرب إعلامية محضة بحثة خالصة في كل الميادين ،ومن تم وجب على الدول العربية والاسلامة تخصيص مقدارمن ميزانياتهم للترويج لصورة جيدة عن الحضارة والثقافية والديانة عن طريق الصورة طبعا لدى الأخر.
    والصورة اليوم كما لا يخفى على أحد هي الوسيلة التي تلف العالم وتقتحم بيوت الناس بدون إذن ،وهي أي الصورة تتحول من وسيلة للفرجة والتشويق إلى وسيلة للتثقيف وتصبح ألة للسرد التاريخي.
    كاتب المقال يريد أن ينبه الجمبع بأن الذرع الواقي والحافظ على الهوية في ظل العولمة هو خلق قناة المغرب الوثائقي كقناة خاصة بعرض الأفلام الوثائقية من صنع مغاربة شباب بدأوا يتعاطون لهذا النوع من الابداع الثقافي المميز.
    الحق يقال أن الثقافة البصرية دخلت حيز التنفيذ في المجتمعات العربية والاسلامية زهاء 40 سنة ، ومن الأخطاء التي ارتكبت في حقها هو التخفيف بها وبأثارها وبالتالي عدم إلائها الاهتمام اللائق بمكانتها كإحداث مدارس ودورات تدريبية مستمرة،الأمر الذي يجعل تهويد الاستخفاف المتبني من جهة المسؤلين في فهم ماهية وكنه الثقافة البصرية المؤثرة بشكل خطير في عقول الناس مع الخطر المحذق الذي تنتجه أليات العولمة يستفحل يوم بعد يوم .
    الصورة هي الحبل المباشر الذي يفضي للتواصل مع المجتمع ، ولإستعاب العملية لابد من الرجوع إلى الوراء.

  • محمد بونوار
    الخميس 25 فبراير 2010 - 02:05

    في الأزمنة السحيقة ، تم العثور على الصورة بأشكال مختلفة ، تارة بالرموزوالرسوم وتارة بالنحوت والثماثيل.وهي مهما اختلفت تضاريسها فإنها تشكل الأداة التي عبر بها الانسان عبر العصور عن مشاعره واهتماماته وأوقات فرحه وقرحه ،والأداة هاته ليست إلا الصورة بكل تقلباتها.
    وهكذا ،سواء تعلق الأمر بالديانات أو الحضارات ،فإن الصورة هي المؤرخ والمدون والمرجع الوحيد الذي يؤرخ لجميع مراحل التاريخ ، الغابرة والظاهرة ،القاهرة والباهرة.
    الأفلام الوثائقية ،هي الحجر الأساسي الذي يستخدم الصورة في التوعية والتثقيف . موضوع رائع لكن مع الأسف لا يمكن أن أتجاوز القدر المسموح .
    مدير ومحرر موقع المغرب الوثائقي.

  • Amigo
    الخميس 25 فبراير 2010 - 02:03

    المغرب في حاجة الي محاربة البطالة والفقر وغلا المعيشة،محاربة حرب الطرق وقوارب الموت والسكن
    العشوايي في مدن وقري مغربية.
    محاربةالرشوة و الفساد الاداري والمحسوبية والزبونية ،الهجرة السرية والمتسولين في شوارع مدن المملكة.
    محاربة البوليزاريو وكل من يطمع في تقسيم الوحدة الترابية للمملكة الشريفة. 

  • مواطن غيور على وطنه
    الخميس 25 فبراير 2010 - 02:07

    كفانا من الضحك على الذقون هل حققت القنوات الأخرى ادنى نسب المشاهدة حتى نفكر في إنشاء قناة جديدة فقنواتنا لابد أن تضع عنوان طبيب نفساني بدل الشريط الذي يمر أسفل الصورة حتى يتسنى لكل من شاهدها العلاج من الاكتئاب الذي قد يصيبه من منا يشاهدها الا في المناسبات نأخذ كمثال القناة7 التي ينبق عليها غمض عينيك لاتعمى

  • ياسين
    الخميس 25 فبراير 2010 - 02:09

    نعم نحن بحاجة الى قناة وثائقية مغربية ..فهيلها مردود جيد ..وخصوصا اذا تناولت تاريخنا و حضارتنا بالاضافة الى العلوم بكل انواعها..بدل قناوات السهرات و المسلسلات المختلفة الثقافات كوري وتركي ومكسيكي و فرنسي واسباني..المواطن في حالة من الضياع بين كل هذه الثقافات..الله يهديكم المسؤولين

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط

صوت وصورة
المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:41 7

المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح

صوت وصورة
مراسيم تعيين الحكومة الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:26 9

مراسيم تعيين الحكومة الجديدة

صوت وصورة
''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:46

''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى

صوت وصورة
تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:05 7

تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة