التغيير على ضوء نتائج انتخابات 7 أكتوير: الحصيلة والدلالات

التغيير على ضوء نتائج انتخابات 7 أكتوير: الحصيلة والدلالات
الإثنين 10 أكتوبر 2016 - 17:45

مرة أخرى يتميز المغرب، ويسرق الأضواء من خلال إشعاعه الديمقراطي ونزاهة استحقاقاته الانتخابية الأخيرة، ويكذب كل خطابات التشكيك والمظلومية التي خيمت طويلا في سماء التدافع السياسي طيلة الولايةالسابقة وأثناء الحملة الدعائية للانتخابات التشريعية 2016.

بتصدر حزب العدالة والتنمية نتائج اقتراع 7 أكتوبر متبوعا بغريمه حزب الأصالة والمعاصرة، يؤكد المغرب على عزمه في مواصلة خطواته التي تروم تسريع المسلسل الديمقراطي الطويل والذي انخرط فيه المغرب منذ عقود، وخاصة في هذه المرحلة الدقيقة حيث الحاجة باتت ملحة إلى توحيد كلمة أبناء وكفاءات الوطن، وضمان التئامهم حول مؤسساته الدستورية، وذلك على الرغم من ارتفاع درجة الاحتقان الذي ساد لسنوات بين قيادات الهيئات الفائزة، باعتبارها تمثل تيارات متباينة في الأفكار والمرجعيات، وتسعى كل منها لفرض رؤيتها المجتمعية، وتحقيق مكاسب سياسية خلال البحث عن الشرعية من رحم صناديق الاقتراع، والحال أن الصراع اليوم في المغرب لم يقتصر فقط على السعي وراء احتلال المواقع الحكومية للتأثير في السياسيات العمومية، بل بات خلافا إيديولوجيا له تجلياته المتباينة في عملية التقاطب السياسي بين الهيئات الحزبية المتنافسة.

تغيير الخريطة السياسية :الحصيلة والدلالات

يحيلنا التصدع الذي طرأ على خريطة الأحزاب الكلاسيكية في الانتخابات لأخير إلى المخاض الثقافي العسير الذي يعرفه المغرب، وإلى العوامل السياسية التي تبعث على تغيير المجتمع، والتي تروم إغراء المواطن العادي بالمشاركة في الاستشارات الانتخابية، والذهاب إلى صناديق التصويت لمساهمة في صناعة النموذج المجتمعي الذي تقترحه الإيديولوجيات المتنافسة، إلا أن عدم استجابة الفئات الواسعة من الشعب لنداء المشاركة في التصويت وانقسام الناخبين في انتخابات 7 أكتوبر إلى قسمين، مما مكن حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة من احتلال الصدارة، وتأكيد قطبيتما السياسية، كإحدى المسببات الأساسية التي نتج عنها إخفاق أحزاب الكتلة الديمقراطية في الحفاظ على معاقلها، وقواعدها الانتخابية، وهزالة المقاعد التي حصلت عليها، وتنطوي هذه الحصيلة المدوية على دلالات يمكن رصد أبرزها فيما يلي:

تغيير قواعد اللعبة السياسية، ساهمت عدة عوامل مؤثرة في تغيير واقع الأحزاب المغربية وحولت هذه الأخيرة من مؤسسات لصناعة القيادات والكوادر الحزبية والأعيان وتجار الانتخابات إلى دروع سياسية تقف حصنا منيعا ضد الاختراق الثقافي الذي يبشربه كل حزب غريمه السياسي، وهو ما تفوق فيه حزبي العدالة والتنمية والأصالة المعاصرة، وجعلهما يتصدرا المشهد السياسي بالمغرب من خلال التدافع الأيديولوجي الجدي (الدفاع عن الهوية الحداثية وعن كونية االقيم بالاصطفاف خلف الملك كرئيس للدولة الحديثة في أدبيات البام)، و(الإصلاح السياسي باسم الشرعية الدنية المغربية المصطفة خلف الملك باعتباره أمير المؤمنين، في فكر البيجدي)، ومن تم باتت ثنائية الحداثي والإصلاحي أكثر بروزا من ثنائية الحداثي والإسلامي كمؤشر للقطبية الثنائية وقوة الجذب الذي الذي تميز به حزبي المصباح والتراكتور، مما مكنهما من إغراء زبنائهما بالتصويت لفائدتهما وسرقة أصوات الأحزاب التقليدية، من خلال تغيير قواعد اللعبة السياسية بالاعتماد على المنوارات السياسية، وتبادل الأدوار والمواقع، وممارسة التشهير، واحتلال الفضاء الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي، والقدرة على إعادة تجديد النخب وتكوين الكوادر الحزبية، وتقديم خدمات القرب، والمساعدات الاجتماعية في منحى تصاعدي تميز بمزيد القلق والخوف والتخويف إلى أخر يوم من أيام الانتخابات التشريعية، مع تغييب الرفع من قيمة الأخلاق المتمثل في الالتزام بقيم الصدق والمعقول على حساب جميع أشكال النقاش السياسي حول مضامين الإصلاح وحصيلته، غاياته، وانعكاساته على المجتمع خلال الولاية الحكومية المنتهية .

رهان الشرعية والإصلاح في ظل الاستمرارية، تمثل الشرعية والاستقرار إحدى المنطلقات الأساسية في خطاب البام والبيجيدي، كأفكار كانت حاضرة في أغلب المحطات الدعائية، على وجه الدقة إبان التعديلات الدستورية لسنة 2011. ومنذ ذلك الحين برزت عدة مواقف تعكس إيديولوجيات التيارات المتنافسة مما يكشف عن توجهاتهما ونظرتهما المجتمعية التي تسعى إلى التأسيس لها من خلال التقاطب التنائي إن على مستوى المؤسساتي أو على مستوى الميداني الحزبي والشعبي، مما يعكس عن حجم الأضرار التي خلفها التدافع السياسي المحموم من أجل الفوز برهان شرعية المحافظ على استقرار البلد، والتي نبرز بعضا منها في ما يلي:

أولا: إن انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية ألحق ضررا بليغا بصورة أحزاب الكتلة الديمقراطية وبات يسائلها عن جدوى وجودها وقيامها بأدوارها الدستورية المتمثلة في تأطير المواطنين، وهو ما يستدعي فتح نقاش عمومي حول ظاهرة كثرة الأحزاب وضرورة أصلاحها وإعادة هيكلتها وفق دفتر تحملات تلزمها بالقيام بوظائفها.

ثانيا: شكل فوز حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى ومعه سقوط حزب التقدم والاشتراكية الذي تلقى إنذار من الديوان الملكي قبيل الحملة الانتخابية، مؤشرات واضحة تبرز مدى الأضرار التي ألحقها الحزب الفائز بالمؤسسات الدستورية وعلى رأسها المؤسسة الملكية من خلال اعتماد خطاب المظلومية أثناء توجيه أصابع الاتهام إلى غريمه السياسي، ونعته له بممارسة التحكم، على اعتبار أنها رسائل مشفرة إلى من يهمه الأمر، وهو ما يشكل تناقض صارخ وازدواجية في خطاب رئيس الحكومة الذي طالما أكد انحيازه واصطفافه خلف الملك باعتباره أمير المؤمنين ورئيسا للدولة.

اندحار اليسار وجبهة الرفض واتساع رقعة المقاطعة، على الرغم من إسرار نبيل عبد الله أمين عام حزب التقدم والاشتراكية على المشاركة في حكومة يمينية غير متجانسة معه إيديولوجيا رغبة منه في إنقاذ ماء وجه التيار الذي ينتمي له، وإعادة بعث الدم في شرايينه من خلال إعادته إلى الواجة السياسية، وبعث الأمل في مكوناته، مني المد اليساري بهزيمة مدوية باحتلاله مراتب متأخرة في ذيل الخريطة السياسية وحصوله فقط على 31 مقعد من أصل 395 مقعد، (ذهبت 19 منها للاتحاد الاشتراكي، 10 ولحزب التقدم والاشتراكية و2 لحزب فدرالية اليسار الديمقراطي)، وهو ما يؤشر على رفض الشارع المغربي للبرامج المجتمعية التي تقدمت بها هذه الأخيرة، والتي تجد مصادرها في أطروحات اشتراكية باتت متجاوزة في عالم اليوم، خصوصا مع تشدد صوت حزب العدالة والتنمية تجاه تدخل التشريعات الدولية في الخصوصية الثقافية للمغاربة، ودفاعه عن مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها حامية الملة والدين للوطن، بصورة جعلت فئات واسعة من الشعب ترفض التيار اليساري وتقذف به على الهامش في الخريطة السياسية.

من ناحية أخرى وجدت جبة رفض في تقلص المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ما يبرر موقفها على اعتبار أن عرض الأحزاب التقليدية المتصدرة للمشهد السياسي لم يكن مقنعا بما فيه الكفاية، وأن قراراتها غير مستقلة، فضلا عن حفاظ المؤسسة الملكية بالكثير من الامتيازات، وأن الوضع الاجتماعي لم يتغير كثيرا بحيث تضرر الفئات الوسطى من الإصلاحات التي تم إدخالها على صندوقي المقاصة والتقاعد.

ختاما، يجمع المتتبعين للشأن السياسي بالمغرب على أن نزاهة الانتخابات الأخيرة، والنتائج التي حصلت عليها مختلف الأحزاب، هي مؤشرات حقيقية تحيلنا مباشرة على تحول نوعي في التعاطي مع الشأن السياسي، وإيذانا بانطلاق قطبية سياسية بين اتجاهين متناقضين، الأول حداثي ليبرالي محافظ، والثاني حداثي ليبرالي ديمقراطي، وأن الأيديولوجيا باتت عنصرا أساسيا في معادلة الصراع السياسي بين الطرفين، ومن تمة البحث عن الفوز بشرعية صناديق الاقتراع من أجل انجاز واستكمال الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وبناء النموذج المجتمعي الذي يضمن الاستمرارية في الحكم بالمغرب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • يساري سابق
    الإثنين 10 أكتوبر 2016 - 23:04

    ازمة هذه الاحزاب انها لم تعرف كيف ومع من تتحالف فعاقبها الناخبون..
    البيجيدي سوق نفسه,ولا زال, كحزب مناضل ضد الفساد وضد نهب ثروات الشعب..
    الاستقلال خرج من حكومة البيجيدي في بداية اشتغالها, وكانت انذاك في اوج شعبيتها, فبدا كخادم للوبيات الفساد ومن تم فقد ادى الثمن..
    الاتحاد الاشتراكي, واليسار بصفة عامة, عوقب لانه اصبح متبلد الحس, لا يعرف كيف يقرا هموم الشعب المغربي, وهي بكل تاكيد ليست هموما ايديولوجية, فشعارات النضال من اجل الحداثة والتصدي "للضلامية" التي يرفعها البام نكاية في البيجيدي, ويرفعها معه اليسار, لا تهم رجل الشارع المغربي في شيء..
    بالنسبة المغربي لا يعرف من اليسار الا الاشتراكية..اي الدفاع عن العدالة الاجتماعية والديموقراطية الحقة, اما معارك الحق في الاجهاض وزواج الشواد والافطار العلني في رمضان فليست من همومه..
    المشهد السياسي المغربي يتجه نحو التنائية القطبية, البيجدي من جهة, والبام الذي يمثل مصالح جهات متنفدة من جهة اخرى,وان لم تدع احزاب الكتلة خلافاتها الاديولوجية مع البجيدي جانبا لتتحد معه في جبهة عريضة من اجل الديموقراطية الحقة ومحاربة الفساد فستجد نفسها خارج السياق..

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال