صحافة وسخافة!

صحافة وسخافة!
الخميس 16 مارس 2017 - 09:43

في إحدى الجلسات مع صديق لي بالمقهى سألني عن رأيي في الصحافة الثقافية المغربية وهل هي تحقق رغبات القراء المهتمين، أم مجرد صفحات تملأها مقالات ونصوص لا تسمن ولا تغني من جوع؟ كنت أدرك مدى ذكاء هذا الصديق في استفزازي وإدخالي في قضية قيل فيها الكثير، ومازال يقال في بعض المناسبات. كنت أعرف أيضاً أنه أراد إحراجي باعتباري كاتب ينشر بعض مساهماته فيها بين الفينة والأخرى ولو كانت ضئيلة وقليلة مقارنة ببعض الأسماء الكثيرة التي داومت النشر بالصفحات الثقافية بالجرائد المغربية منذ سنوات لم تستطع مغادرتها وكأنها ارتبطت بها ارتباطاً دموياً وكوَّنت معها علاقة غرامية. لست هنا بصدد نقد المساهمات الإبداعية والنقدية والفكرية لأصحابها، بقدر ما أنا بصدد وضع اليد على صحافتنا بصفة عامة دون أن أخصص القضية في الصفحات الثقافية أو غيرها.

حاولت استدراج صديقي إلى الحديث عن صحافتنا عامة بإعادة طرح سؤال جديد بصيغة أخرى غير التي طرحه بها في بادئ الأمر، فقلت له: اتركنا الآن من الصحافة الثقافية ولنتحدث عن صحافتنا بصيغة الجمع، فهل حقيقة هي صحافة تستحق أن تمثلنا خير تمثيل؟ وهل بإمكانها أن تصل إلى مستوى الصحافة في بلدان عربية أخرى؟ أم أنها صحافة لا ترقى إلى هذا المستوى التمثيلي وبالتالي لا يمكنها أن تعبر عنا بطريقة أو بأخرى؟

أجابني بطريقة العالم بأسرار الصحافة المغربية وبما تنشره من مواد على كافة المستويات وفي شتى المجالات، فقال: نعم تمثلنا خير تمثيل، ألسنا مجرد ممثلين في عالم تسوده الخديعة والتضليل والكذب؟ ألسنا نعيش على نفاق سياسي وكذب ممنهج مغلف بالرتوشات والأصباغ المزركشة من أجل تلميع صورتنا؟ هذه هي حقيقتنا، وهذه أيضاً حقيقة صحافتنا التي تريد تلميع المتسخ والعفن فتفشل في ذلك مما يبرز وجهها الحقيقي وأسلوبها المغشوش في ذلك. قاطعته بحدة: لا تعممْ يا صديقي، فالأمر لا يسلم من الأصفياء والأنقياء والصحافيين الحقيقيين الذين يريدون الخير للمجتمع والوطن. يجب أخذ الأمور بنسبية لا بتعميم فاضح يورث الجهل والبلادة. ثم ما بالك تتهم الناس بهذه التهم الكبيرة وأنت لم يسبق لك أن كنت صحافياً أو كاتباً أو حتى قارئاً حقيقياً، أنا أعرفك جيداً، أنت مجرد قارئ للصفحات الرياضية ولصفحات الحوادث التي تجد فيها متعتك الخاصة، بل إنك لا تكاد تترك شبكة للكلمات المتقاطعة إلا وملأتها كلها حتى صرت تداوم على المقهى في الصباح الباكر قبل أن يصل إليها أحد آخر قبلك؟

لم يعجبه كلامي الذي أردت منه أن يكون حاداًّ ليوقفه عن اتهاماته بالجملة، ورغم أنني أتفق معه نسبياً حول بعض الأوصاف التي أطلقها على بعض الجرائد المغربية التي تدعي الحياد والاستقلالية بينما هي غارقة في الانتماءات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية التي لا نعرف أصلها ولا فصلها، فإنني أربأ به أن يعمِّم الأمر على كل الجرائد وعلى كل الصحافيين الذين نعرف البعض منهم والذين أفنوا حياتهم في هذه المهنة المتعبة وتركوا بصماتهم فيها سواء كانوا غادروها إلى دار البقاء أم تقاعدوا منها وتفرغوا لحياتهم، أم تركوها إلى وجهات أخرى من أجل الاستمرار في الحياة. لكن وجه الاتفاق معه يتجلى في أنني أؤكد على هذه الأوصاف التي أطلقها جملة على البعض الذين يجملون القبيح، ويسخِّفون الجميل، ويساهمون في صعود نجوم الأوغاد والمجرمين والفاسدين، ويحطمون آمال الرجال والمناضلين الأوفياء للمجتمع والوطن، ويتسترون على فضائح الكبار، ويفضحون أفعال الصغار الذين سقطوا في المصيدة على أيدي الكبار الذين برؤوهم في صحفهم وبمقالاتهم الملفقة… هذا ما أتفق معه فيه، وهذا ما يمكننا أن نسميه السخافة المغربية التي يبدعها العديد من بيننا تحت عناوين براقة وأسماء وهمية وقضايا كاذبة وملفقة ضد الشرفاء والنخب المثقفة.

أما الحديث عن الصحافة الثقافية فهو حديث قد يجلب العديد من ردود الفعل التي لا يحمد عقباها وقد تترك الكثير من الغضب وقد تنتج كرهاً لا يستطيع “صابون تازة” (وأستعير الاسم من رواية الصديق الروائي الكاتب إبراهيم الحجري) أن يغسله. ولذلك سأكتفي بالقول إن الصفحات الثقافية في الجرائد المغربية لا تلبي حاجيات القراء ولا تحقق الحد الأدنى من المتعة الأدبية التي يريدها القراء عموماً بمختلف أنواعهم وثقافاتهم، فأغلب هذه الصفحات وحتى الملاحق المتخصصة في الثقافة لا تنشر إلا مقالات وانطباعات لكتاب محددين، بل لا تنشر إلا نصوصاً قليلة جداًّ بالمقارنة مع ما كان ينشر من النصوص الشعرية والقصصية والمسرحية منذ عقود، وكأني بأصحاب الجرائد ورؤساء تحريرها يقولون لقرائهم إنكم لا تقرأون ولا يهمكم من الثقافة شيء. فما بالكم بالشعر والقصة وما شابه من أجناس الأدب الأخرى. ما يهمكم هي أخبار الرياضة والجرائم والفضائح الجنسية والمالية التي يسيل لعاب الصحافيين عليها وقد يدفعون من أجلها مالاً للحصول عليها من مصادرها.

فلو تمعنا جيداً وحللنا أغلب ما ينشر بصحافتنا الورقية المغربية لوجدنا أن أغلبه مجرد كلام فارغ وحديث تافه عن سياسة لا هي كالسياسة، وعن رياضة لا هي كالرياضة، وعن جرائم ضحاياها دائماً من أفراد المجتمع البسطاء. فأين هي الجرائم الكبرى التي تحصد الأخضر واليابس ولا تجد من يواجهها ويفضحها ويقف مرتكبيها؟. ولماذا لا تتكلم عنها صحافتنا الموقرة المحترمة كثيراً في بلد لا يحترم فيه الفقير والبسيط والموظف العادي ورجل التعليم والطفل والمرأة والشيخ الكبير… وغيرهم؟. يبقى التساؤل دون جواب لأنه يكمن في التفاصيل الدقيقة، وهي بالأحرى غير مصرح بها أو على الأقل ليست في علمنا ولا يمكنها أن تكون أبداً…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الطالب الباحث .
    الخميس 16 مارس 2017 - 19:17

    ..تحية للكاتب وتحية لكل القراء كل من يغرب في تحييد الابهام وتحييد الضباببية ومعرفة ماهية الماهيات والاحداث والوقائع التي تحيط وتحاط بغية الممعرفة سواءكانت هذه الاحداث وقائع حقيقية او اشاعات من نسج خيالات اشخاص .. لا يسعنوي في هذه الحالة حالة نشر الخبر الا ان ادلي بقول متواضع المخرج .. هذا القول يود ان يقول ان الاحداث تسترسل وتتوالى والحياة تستمر بحلوها ومرها . نسال الله ونسال عبيده ان يجعل مافيه الخير لهذا البلد الامين وان يبدله لما هو احسن وان يسير به الى الخير والى الامن رحمناالله واياكم .

صوت وصورة
ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:20 4

ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب

صوت وصورة
نهائي ''أورنج تالنتس'' بالدار البيضاء
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:11

نهائي ''أورنج تالنتس'' بالدار البيضاء

صوت وصورة
حشود تستقبل أخنوش بتافراوت
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 14:24 30

حشود تستقبل أخنوش بتافراوت

صوت وصورة
الإقبال على الشاطئ في شتنبر
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 11:31 6

الإقبال على الشاطئ في شتنبر

صوت وصورة
"النخلة" تتواصل في بنمنصور
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 09:30 4

"النخلة" تتواصل في بنمنصور

صوت وصورة
"السنبلة" يعد بدعم الفلاحين الصغار
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 00:00 4

"السنبلة" يعد بدعم الفلاحين الصغار