الاستجمام العشائري بالمغرب: شاطئ الواليدية نموذجا

الاستجمام العشائري بالمغرب: شاطئ الواليدية نموذجا
الثلاثاء 18 يوليوز 2017 - 18:31

عند حلولنا بشاطئ الواليدية يوم الأحد 16 يونيو، فوجئنا بطريقة اصطياف عشائرية فوضوية، لا علاقة لها بالأساليب الراقية في الاصطياف التي تحافظ على مقومات الاستجمام. ويتجلى الاستجمام نظريا في إيجاد ظروف الراحة وسياحة البصر في مناظر البحر والاستمتاع بأشعة الشمس، بل هناك شعوب تستأنس بالكتاب والقراءة للحفاظ على هدوء الشاطئ والإصغاء إلى صخب الأمواج بين الفينة والأخرى.

تلك هي المقومات الغائبة بشاطئ الواليدية الذي شهد اليوم زحف ساكنة عبدة ودكالة، حيث تناثرت المظلات الشمسية، كما تصاعدت أعمدة الدخان فوق الشاطئ، وكأن السائح منا يتجول بحي صناعي تقوم معامله بإنتاج مواد كيميائية، لكنها في الواقع هي مشاوي السردين على شاطئ الواليدية تلوث الرمال والجو والماء. فبالرغم من طزاجة الأسماك ولذتها في الأكل، هل يعتبر هذا مبررا مقنعا كاف لتحويل الشاطئ إلى دخان متصاعد ومزابل عظام ورؤوس أسماك مشوية هنا وهناك، ورمال فقدت لون الذهب ليكسوها رماد أسود؟

أين نحن من الاصطياف في الدول المتقدمة التي ترسم مظلاتها الشمسية وكراسيها ومصطافيها لوحات هندسية فوق رمال ذهبية، بممرات ومساحات فارغة بين المصطافين حتى لا يزعج بعضهم البعض؟

ما شاهدناه يوم الأحد هو اصطياف عشائري بامتياز تطغى عليه سمات القبيلة؛ إذ إن أغلب المظلات الشمسية تأوي نفرا من حوالي عشرة أفراد على الأقل، يجلسون في أشكال هندسية مبعثرة فوق الرمال، دون ممرات أو مساحات فارغة، والكل منهمك في الأكل والدردشة أو الدربكة والغناء، ناهيك عمن ذهب إلى السباحة أو لعب كرة القدم بعد التهام المشاوي.

تصوروا لو نزل سائح أجنبي إلى شاطئ الواليدية! سيتفاجأ حتما بسلوك قبلي غريب، يتجلى في ترحيل أثاث وأواني المنازل إلى الشاطئ؛ فهناك من الأسر الممتدة التي رحّلت متاعها إلى الشاطئ من “كاشات” ووسادات وغيرها من الأواني المطبخية، وهكذا تحولت المظلات الشمسية إلى بقع تم رسم حدودها بالقماش، وتأثيثها من الداخل بالفراش والأغطية، ثم وضعت المجامر أو صنعت من الحجر فوق الرمال على جانب البقعة، وبدأ شيّ السردين، أو طبخ الطاجين. ومن خلال مسح سريع للوجبات التي يتم تحضيرها من طرف المصطافين على الشاطئ، هناك مشاوي السردين أو طواجين الدجاج المحمر.

وخلال جولتنا بالشاطئ، لم ترمق عينانا ولو كتابا واحدا، مما يدل على أن الهدوء والتأمل فارقا الحياة على شاطئ غمرته أمواج الضوضاء ولوازم الأكل ومزابله، هكذا انقسم المشهد بشاطئ الواليدية إلى جموع تدردش وهي تلتهم السردين أو الدجاج المحمر، أما من انتهى من الأكل، فينهض للعب الكرة أو السباحة في البحر، وقد ينزوي بعضهم فوق المناطق الصخرية لتدخين الكيف، أو قضاء لحظات رومانسية مع صديقة.

ما هي نتائج هذا الاصطياف العشوائي غير المنظم؟ أولا، هناك عبث المصطافين بنظافة الشاطئ وتلويثهم للرمال والبحر. ثانيا، ترسيخ مفهوم الجمهرة والازدحام كنموذج سلوك اجتماعي مقبول وإعادة إنتاجه في الفضاء العام عوض خلق جو من الانضباط والاصطفاف باعتبارهما بدائل سلوكية ممكنة.

إن السؤال المطروح هنا: أين دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لتأطير عملية الاصطياف؟ أين تدخل المستثمر لتنظيم عملية الاصطياف في ديناميكية اقتصادية قابلة للاستهلاك وفي متناول الشرائح الاجتماعية التي تزور الشاطئ؟

على شاطئ الواليدية، مع الأسف، يتبخر الحلم بمجتمع منضبط يمشي بخطى ثابتة نحو تغيير فوضى الازدحام في الفضاء العام… بل على العكس، يظهر المجتمع على هذا الشاطئ منهمكا في الأكل والهرج والمرج، يعبث بنظافة الرمال والبحر، مما يبين بالواضح أن المؤسسات والبنيات الاجتماعية غائبة، ولا تقوم بدورها في تمرين العضو الاجتماعي على الانضباط والاصطفاف واحترام حق الآخر في تقاسم الفضاء العام: هذا هو “وحش الغابة” بامتياز في أغنية الأمير نظيف.

إن فوضى شاطئ الواليدية هو مرآة منكسرة صادمة لما يقع في الإدارات المغربية من فوضى الازدحام، خصوصا في المقاطعات والجماعات، ناهيك عن الأقسام التعليمية المكتظة، وغيرها من الأماكن العامة. ولا يجب أن ننسى في الأخير أن نشير إلى أن معظم الأعضاء الاجتماعيين قد تمرّنوا جيدا على خطاطة الازدحام منذ نشأتهم الأولى في بيوت عشائرية ممتدة مزدحمة، وفي نظام قبيلة مخزنية، تعتمد إدارتها على الجماعة والتحالف في بناء العلاقات الاجتماعية.

* أستاذ بجامعة شعيب الدكالي – الجديدة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • خبراثور
    الثلاثاء 18 يوليوز 2017 - 19:50

    شكرا لك ايها الكاتب المحترم

    الي زغبوا يمشي البحر في هذه الايام

    فلا صوت يعلو على صوت الاوس والخزرج

  • الموضوعي
    الثلاثاء 18 يوليوز 2017 - 20:47

    سبق لك ان أصدرت حكما خاطئا عن الريف
    وعن الثقافة الشعبية والآن عن القبيلة.فما تقوله عن الشواطئ صحيح، ولكن ليس مرتبطا بالقبيلة بل بأزمة المدينة .وهذه الملاحاظات تدخل في اطار تبادل الافكار

  • ماسينيسا
    الثلاثاء 18 يوليوز 2017 - 20:52

    من يحدثون الفوضى في الشواطئ ، لا يقرؤون أصلا ، لذلك لا سبيل لأن يصلهم هذا المقال.

  • salim
    الثلاثاء 18 يوليوز 2017 - 22:29

    C vrai tt s'est détérioré ces dernières années, le respect , la tenue , le comportement .et c pas que sur la plage c partout,au marché ,même dans la rue.j'allais à Rabat dans les années 70 il était plus civilisée que maintenant .actuellement il n'ya pas de différence entre un village et une ville je sais pas si c parce que les gens de la campagne ont envahi la ville, ou l'augmentation de la population le chomage

  • RADDAD
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 00:34

    شواطئنا تحولت بفعل المسخ الثقافي الذي تعرض له البلد منذ سلمته فرنسا لأبنائها من العلمانيين الى سوق تتمثل فيه جميع الامراض النفسية والاجتماعية التي يعاني منها هذا الشعب المبهدل.فبين معرض اللحوم البشرية الانثوية واستعراض العضلات الذكورية هاهو كاتبنا العزيز يساهم أيضا باستعراض عضلاته الفكرية .مستنكرا للتلوث برائحة الشواء والفحم وجاهلا او متجاهلا لتلوث أعظم وأنكى كرسه ولا يزال يكرسه أمثاله من حملة الفكر التغريبي ألا وهو التلوث الاخلاقي الذي دمر المجتمع بأكمله .أما الشاطئ فليس إلا تجليا من تجلياته الكارثية ومعرضا مصغرا للتخلف المقصود الذي أريد لهذا الشعب.العقلاء يعرفون جيدا أن من يحترم نفسه او يريد المطالعة لايقصد الشواطئ خصوصا في هذه الايام .

  • مواطن
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 00:35

    على طول شاطئ الجديدة لن تجد بضع سنتيمترات فارغة لتتأمل في البحر ،المكان مملوء عن آخره بالفراشة كما لو كنا في سوق أسبوعي في البادية. المأساة أن هذه المظاهر تحدث بمباركة السلطة .

  • mohammad
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 00:44

    هذه الظاهرة التي تطبع الإصطياف ليست مقصورة على منتجع الوليدية بل هي ظاهرة زحفت على كل الشواطئ تقريبا ،قبل سنوات خلت كانت شواطئ المتوسط من كابونيكرو إلي ما بعدها في إتجاه سبتة المحتلة محظورة على أي كان كذلك كان الأمر بالنسبة إلى شاطئ طنجة البلدي كما كان يسمى في السبعينات ،وإذا كانت شواطئ في الاتجاه الشمالى لم تعد خاصة ،فقد تم غزوها بعد معارك نضالية نعم نضالية ونعم النضال ،من طرف من لاثقافة له في الإصطياف أو ثقافة البحر ،بحيث أصبحت أعيننا تلوث بما هو بئيس ومتخلف سلوكا ومظهرا ، إنها ثقافة البداوة المتخفية في تمثل ديني متخلف أيضا ،ينتج عنهم كل الموبقات والسلوكات الهمجية من تحرش وإجرام بيئي …..إلا حد أن الأسر الراقية والاجانب هجروا هذا الشواطئ ليكتسحها أهل نهب وعبث ويكفي أن نمر بكورنيش طنجة الذي تمت تهيئته بشكل جميل وجذاب لنري ما يترك به من أزبال وأوساخ يرمي به الصغار وهم في حضرةوالداتهم المحجبات ياحصرة .إن مايقع في شواطئنا وطرقاتناـ الدليل تعاظم حوادث السير آخرها ربما فاجعة تريبتور طنجة ـهو نتيجة لحال التردي الذي أصبحنا نعيشه بفعل فوضى الفهم للحق والواجب …

  • mehdi
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 13:03

    أين المشكل حتى بدول أوروبا يقومون بنصب المشاوي في الحدائق و المنتزهات الخضراء، بأمريكا يلتهمون ديكا روميا أو بطة مشوية أمام أعين الناس دون أي حرج، المشكل في ترك الأزبال و المخلفات بعد الذهاب ، أفضل أن أخيم بجانب عشيرة دكالة أو قبيلة عبدة في أجواء ريفية بدوية على أن أخيم بجانب قبيلة بني عريان (المثقفة) (المتحضرة) التي ترتدي البيكيني و تتصفح المجلات ( أو الكتب كما ذكرت)

  • متوكل
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 15:54

    ما عليك الا ان تقصد شاطئ الحسيمة وستجد راحتك وستكتشف ان ناس الحسيمة هم ناس دو سلوك سلمي حضاري يحافظون على الهدوء وجمالية الشواطئ

    اما الاجنبي إن زار شاطئ الوالدية سيكون مسرورا وسعيدا جدا لانه سيعيش عالما فنطازيا و غرائبيا وسيحمل معه البوما غنيا بالصور العجيبة وحكايات أغرب سيتحف بها اسرته واصدقاءه وسينشرها في فايسبوكيه

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا