تشظي العالم العربي

تشظي العالم العربي
الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 00:25

لم يكن انهيار جدار برلين 1989 وتفكك المعسكر الشيوعي مجرد أحداث عابرة وبسيطة في القاموسين السياسي والاستراتيجي؛ بل شكّلا زلزالا قويا دمر منظومات إيديولوجية، وأقبر تحت الأنقاض أنظمة بكاملها. كما أن فشل البروستروكا، التي سعى إلى تطبيقها غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي سابقا، لا يمكن تفسيره على أساس أنه سقوط لمشروع شخصي؛ بل هو انهيار لنظام ونموذج سياسي واقتصادي وعسكري وثقافي، لم يتمكن من تجديد نفسه وعجز عجزا كليا على تطوير بنيات إنتاجه المادية والرمزية، كما فشل في توقع الانهيار المأساوي لقطب اعتبر على مدى أكثر من 70 سنة أحد عوامل التوازن العسكري والاستراتيجي، ما أفسح المجال أمام اندفاع تاريخي وجامح غير مسبوق للنيو-ليبرالية.

اللافت للنظر هو أنه حينما كشف مخائيل غورباتشوف عن المفاصل الأساسية لخطته التأهيلية التي وصفت بالثورية والتي حملت اسم “البروسترويكا والغلاسنوست” ومقابلها “الإصلاح وإعادة البناء”، صفق له العالم من أقصاه إلى أقصاه، وظهر بمظهر المصلح المجدد، الذي جاء ليضخ دماء جديدة وليعطى نفسا قويا للمنظومة الشيوعية، ولإضفاء طابع من الجدية على مشروعه الإصلاحي، عمد إلى تضمين أفكاره في كتاب تصدر آنذاك قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وتحول الرئيس السوفييتي فجأة من رئيس إمبراطورية معني بتدبير شؤون دولة عظمى توجد على شفا الاندحار إلى نجم إعلامي أبهرته الألقاب والمناقب التي ألصقت به، لكن أضواء الإعلام وسحر النجومية لم يصمدا طويلا أمام قوة الواقع وعناد الوقائع وبسرعة قياسية تفككت القوة العظمى واهتزت المؤسسات والمنظومات والبنيات وتشظت الإيديولوجيا وبهتت النظرية الماركسية –اللينينية وانعكس ذلك على كل الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، وسرعان ما صحا غورباتشوف على هول المأساة عندما اكتشف سراب وخدعة. الأضواء التي سلطت عليه والتصفيق الذي قوبلت به ظاهرة البروسترويكا غير مكترث بمقولة نيكيتا خرواتشوف: “عندما يصفق لي الغرب أعرف أنني اقترفت خطأ فادحاً ليلة أمس”.

العودة إلى نهاية الثمانينيات، وما عرفته من أحداث مفصلية غيّرت وجه العالم وخلخلت موازين القوى وتوازن الرعب، لها علاقة بما يحدث في الوقت الراهن في المنطقة العربية، وما تشهده من تصدعات وانقسامات وصراعات وإعادة تشكيل جيو-ستراتيجي على كافة المستويات؛ فمنذ اندلاع ما عرف بثورات الربيع العربي، والمنطقة تحقق إنجازات مهمة على صعيد انهيار الدولة الوطنية وتلاشي المؤسسات واختفاء معالم التمدن، وتحول المواطنين في أكثر من دولة إلى عشائر متناحرة متحاربة ومتنافسة بشكل جنوني لإثبات فعاليتها في التدمير والتخريب واجتثاث مقومات الاستقرار والعمران بالمفهوم الخلدوني.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي مست رقعة كبيرة في العالم العربي تم العامل معها في البداية على أساس أنها عملية ثورية جاءت لتصحيح الأوضاع ووضع حد للاستبداد والفساد على اختلاف مظاهره، بما في ذلك توفير شروط سياسية واجتماعية واقتصادية لانبثاق أنظمة ديمقراطية تستند إلى الشرعية الشعبية والانتخابية، ما كان يعني تفكيك المنظومات والبنيات التي كانت سائدة ومهيمنة على مفاصل وأجهزة الدولة، ومتحكمة في كل القطاعات والأنشطة الحيوية.

مؤكد أن الأحلام والآمال التي عقدت على حراك الشارع العربي كانت كبيرة وصادقة على أكثر من مستوى. كما أن فئات عريضة رأت في ذلك الحراك خلاصا وتحريرا لها من ربقة الظلم والإهانة والإذلال والعسف وهضم الحقوق وانتهاك الحريات؛ لكن كل شيء انقلب إلى كوابيس وصدمات، وبسرعة فائقة تطورت الأحداث إلى الأسوأ ووجدت مجتمعات نفسها أمام مشاهد قيامية مذهلة، حيث تحولت الحضارة والعمارة والتجارة إلى فوضى عارمة أتت على الأخضر واليابس، وفتحت أبواب المجهول واسعة أمام مصائر البلدان والعباد.

وهكذا، تم تعميم نموذج للتدمير الممنهج وقفت وراءه عوامل داخلية وخارجية، تاريخية وراهنة، وشارك في إعداد تصوره فاعلون بأجندات متباينة ومصالح متفاوتة، وهؤلاء صفقوا للحراك بحماس منقطع النظير وأغدقوا عليه المدائح والصفات التي تثلج الصدور وتريح العقول، واعتبروه فتوحات ديمقراطية، جاءت في الوقت المناسب، بعد أن نضجت الشروط لتدفن وإلى الأبد أنظمة شمولية مطلقة ومستبدة ومتخلفة بكل المقاييس، فوقع للثوار والنشطاء ما وقع لمخائيل غورباتشوف، عندما سلطت عليهم الأضواء وتحولوا إلى نجوم وأيقونات عابرة لكل المؤسسات والفضاءات وانخدعوا بسحر وجاذبية الإعلام الدولي وسلطة الصورة وبالقوة الضاربة لمواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الشعبية التي حظوا بها، باعتبارهم بديلا تاريخيا، وحده الذي يملك القدرة والإمكانية الفعلية لإقامة دولة الحق والقانون والمواطنة، التي عجزت عن تحقيقها الأحزاب والحركات الاحتجاجية التقليدية؛ لكن لحظات الانتشاء والسعادة كانت قصيرة جدا، بسبب الانزياحات الخطيرة التي انزلقت إليها ثورات الربيع العربي، حيث وجدت مجتمعات عربية نفسها تحت طائلة حركات إرهابية وتنظيمات أخذت صفة الدولة، واختلطت الأوراق، وتداخلت الحسابات الاستراتيجية واشتغلت أجهزة استخبارات متعددة لتحصين مصالح دولها، وحشد ما يكفي من المعطيات والمعلومات بهدف التموقع الجيو-استراتيجي المريح..

وهكذا، وجد الجميع نفسه في مواجهة حقائق موجعة على الأرض، وتطورات من الصعب إيجاد تفسير منطقي ومقنع لها، فكيف يمكن فهم تحول تنظيم إلى دولة مشكلة من عدة جنسيات، وكيف استطاع هذا التنظيم تحقيق انتصارات على الجيوش النظامية والتحالفات العسكرية الدولية وقضم مساحات تفوق في امتدادها مساحة فرنسا؛ بل أكثر من هذا كيف امتلكت هذه التنظيمات كل هذه القوة والأسلحة والعدة والعتاد والمقاتلين، وكيف تناسلت وتكاثرت لتتحول إلى كابوس يقض مضاجع كل دول العالم؟

عندما يتعلق الأمر بالمصالح الكبرى والحيوية، لن يرحمك الغرب بكل مكوناته، وهو مستعد لتدمير دول بكاملها، وإشعال حرائق وحروب بين أبناء الشعب الواحد، ومستعد للعب دور الحارس الأمين على الاستقرار والسلم العالميين وفق فهمه، وتماشيا مع حساباته، وهذا الغرب نفسه الذي وفر لإسرائيل كل شروط الأمن والحماية، لن يتردد في العودة بالدول والمجتمعات العربية إلى عهود البداوة والتخلف والدرجة الصفر من الحضارة، وهذا ما يتطلب من الجميع يقظة دائمة ووعيا استثنائيا ومنسوبا عاليا من الحكمة والتعقل، لتفادي السقوط في مخطط دمار شامل لا أحد يعرف مآلاته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • elias
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 02:54

    تتمة
    والغريب هو اننا نرى من ينتقد الغرب يقلدون الغرب في كثير من الامور كلباس costume et la cravatte و غيرها بالرغم ان هناك نصوص صريحة في مخالفة الكفار في الباس. قال محمد"ما نهيتكم عنه فانتهوه و ما امرتكم به فاتيعوه" فهاهو نهاهم عن عدم لباس الكفار لكنهم لم ينتهوا. و هذا يدل على التناقض و الانفصام الذي يعيشه هؤلاء. فكل ما تنتجه حضارة من اباس و ماكل ومشرب و تكنولوجية هو محمل باشياء تتعلق يتلك الحضارة رغم اننا لانرى تلك الاشياء.

  • ابن طنجة
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 04:48

    يقال حب الظهور يقسم الظهور والكل في تحول وتغير مستمر ولا شيء ثابت في هذه الحياة هذا التغيير يمر عبر مراحل مختلفة وفي ترتيب متسلسل وبديهي وتؤثر فيه عوامل داخلية وخارجية سلبا او ايجابا مثال ذلك انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه الى دويلات سقوط بغداد مهد الحضارة ابان حكم صدام حسين ثم تشظي العالم العربي لكن من الافضل بكثير ان نكون واقعيين لا ان نكون سلبيين او متفاءلين فيما يقع في وطننا العربي لان التغيير دايما يولد الشك وهذا الشك يعطينا انطباع الخوف

  • Monada
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 05:51

    هذا هو المقال الثاني في اليومين الاخيرين الذي يهاجم الغرب و يصوره كسبب المشاكل و الاٍرهاب الذي يهدد الأمن العالمي الان.
    ما دام المواطن البسيط و المثقف أيضا يدافع عن فكرة المؤامرة و يلعب دور الضحية و يرى سبب مشاكله عند الاخر الغير المسلم فلن تزداد الأمور الا تدهورا و تعقيدا.
    كن صريحا مع نفسك و اعترف بان الداء في الكتب الاسلامية التي لم تعد صالحة بتاتا بل أصبحت مضرة جدا،و لا تبحث عنه عند ناس تبعدنا عنهم آلاف السنين الضوئية حضارة.
    و شكرًا

  • WARZAZAT
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 12:55

    "العالم العربي" مصطلح إخترع في القرن 19 للتمييز بين الولايات العثمانية المشرقية التي استعمروها و ليس كيانا حضاريا منسجما ذو نظام سياسي وإقتصادي وثقافي متجانس. دول متناثرة ومتشردمة تختلف عن بعضها البعض سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا وإثنيا وثقافيا وكثيرا ما تتناحر فيما بينها.

    ''العالم العربي'' فتنة غربية إستعمارية تباع كوهم سرابي لاشغال الشعوب عن قضاياها الحقيقية المصيرية اكثر منه ما تكون حقيقية تاريخية و واقع موجود على ارض.

    ما العامل المشترك بين مصر و العراق والمغرب والصومال… لا شيء! …الحديث عن عالم عربي هو كالكلام عن عالم لاتيني يجمع سويسرا مع الموزمبيق و تشيلي و رومانيا مع الفلبين و الكاميرون في شعب واحد!!…أو عالم جرماني يجمع أمريكا و أوغندا مع الهند و المانيا و تنزانيا في أمة واحدة!

  • mohammad
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 14:52

    إن ما يحدث في العالم هوتطبيق لمخطط جهنمي للتقسيم والتفتيت تحت يافطة الحرية والديمقراطية ولم يكن التخريب العربي إلا مدخلا لتحقيق هذه الغاية ،والأكيد أن أن ما صاحب هذه العنملية هوشعارات ثقافة الأقليات والفروق الدينية والمذهبية عن طريق إذكائها بكل الممكنات التواصلية الحديثة وخاصة المرسلة منها لفاعليتها وقدرتها على خلق حاله من الإستياء العام والتذمر داخل المجتمعات أو الدول المستهدفة ،وربما يتذكر ما صرح به رئيس المواساد الإسرائيلي بل إن الأكاديمي المغربي كوهين صرح في إستجواباته وتدخلاته ما يحاك ويصنع ضد بلدان عربية بل إن هناك مشاريع جاهزة للتطبيق والإنجاز .من خلال تجييش الغوغاءوالدهماء تحقيقا لتوسع نيوليبرالي جديد إقتضاه منطق التوسع المالي للشركات العابرة للقارات .أكيد أن مواجهة هذه المخططات يستدعي إرساء للحكامة الإقتصادية والثقافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ،شعار استهلك اسعتمالاولم ينفذ تطبيقا لعدالة اجتماعية متوخاة .إن الغرب براكماتي في علاقاته بما يعتبره مجرد هوامش إتنوغرافية تثير لديه حب الإستطلاع وإكتشاف الغرائبي والعجائبي في ثقافات الآخرما داما لا يقترنان بالعقلانية .يتبع

  • mohammad
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 15:18

    تتمة..عقلانية مؤسسة على تراكم ثقافي وعلمي تجريبي وإستكشافي يمتد لأكثر من خمسة .قرون .ما زالت تثري إلى حد اليوم بالجديد من المنجزات الحضارية الدقيقة،هذه الأمم واللاحقة بها من جنوب شرق آسيا حددت موقفها من الماضي فتنظر إليه بكل تجرد فلم تخرفه أو تأسطره كما فعلت أمم أخري التي ما ترهن حاضرها لاجتهادت تجاوزها التاريخ لكونها لم تعد في مكنتها ولا في مقدورها الاستجابة للحاجات ولا تشكل حلا للمطامح .عقلانية الغرب تتمظرفي عمرانها ،في نظافة إنسانها في جمالية ساحاتها وشوارعها وتنظيم السير والجولان فيها إذ تحدد أوقاتا لتوزيع السلع والمنتجات بالمتاجر…..تفاديا لزحمة السير ،إذ لا وجود لمنبهات السيارات ليلا…عقلانية الغرب تتأسس علي هذاالجماع …فأين عقلانيتنا حن؟

  • sifao
    الأربعاء 19 يوليوز 2017 - 18:56

    متى كان "عالمك العربي" متحدا حتى اصبح اليوم متشظيا ؟ حتى المعطيات الجغرافية الثابتة تتنكر لها ، فماذا سيتبقى من مصداقية لكلامك على عالم مفترض لم يوجد يوما ما ؟ ماذا يجمع الدول المسماة عربية حتى نوحدها على شاكلة عالم قائم بذاته ، الجغرافيا ، التاريخ ، الوحدة السياسية ، التكامل الاقتصادي ، العرق ، المذهب الديني ..ام ماذا ؟
    هل العالم بحاجة الى ضامن للاستقرار والسلم ؟ اذا كان الجواب ، نعم ، من ترى انه أهل للقيام بهذه المهمة ؟ الليبيرالية المتوحشة ام الاشتراكية الاستبدادية ام التطرف الاسلامي ؟ عبر التاريخ ، وحتى في ممالك الحيوانات ، مهمة الحفاظ على السلم توكل الى الاقوى ، طبعا القوي سيفرض تصوره حسب مصلحته وهذا طبيعي جدا ، تصور كيف سيصبح العالم اذا امتلك التنظيم الذي اصبح في رمشة عين دولة ، ما تملكه امريكا ، مثلا ، من قوة عسكرية ، سيعود بالعالم الى عصر ما قبل التاريخ ، الى عصر العبودية في اكثر صورها نذالة ، فهل تطلب من العالم المتقدم ان يلعب دور الجندي في مملكة افلاطون لتسحب عليه صفة "المصلحي" او المسعتمر ؟ وهل العرب كانوا ارحم على الشعوب التي استعمروها عندما أُتيحت لهم فرصة امتلاك القوة؟

  • لا مشكل
    الأحد 23 يوليوز 2017 - 12:36

    لا عليك هذه سحابة صيف العرب بخير
    جميع التعاليق تبين
    ان العرب هنا أصبحوا شوكة في حلق البربر

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 9

احتجاج يندد بالتطبيع

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 2

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 8

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 5

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 12

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع