اللغة العربية في خضم الوسائط الإعلامية الجديدة

اللغة العربية في خضم الوسائط الإعلامية الجديدة
الأربعاء 20 دجنبر 2017 - 07:56

لا حاجة للتأكيد مسبقا على سرعة الانتقال التكنولوجي والمعلومياتي وتحول نظم المعرفة والنظم الاجتماعية وقياسات تطور الإنسان الاتصالي، على النحو الذي يشكل طفرة بليغة التعقيد، خصوصا في ما يتعلق ببنية التفكير الإنساني وارتكانه إلى النسبية وعدم اليقين والشك في جدوى عصر المعلومات الجديد وخائلياته.

من أجل محاولة تفكيك نظرية الانتقالية التي أخفت بلؤمها التكنولوجي الهلوسي وإفراغها عوالم متاهة العقل البشري من اللاوعي الفردي النفسي إلى اللاوعي الجمعي التراثي والثقافي، لا بد من فصل الخطاب المستتر الكائن بين جدليتين قائمتين بداهة؛ التساوق الدلالي الذي يضع المعرفة على رأس أو قمة الوعي بالهوية، ووحدة الأخلاق التي توجه بوصلة تحقيق الهوية ذاتها، بما هي ذات تجسد أداة سابرة لصناعة المجتمع الواقعي، حسب مفهوم بيتر برجر مع بعض التصرف.

ولا تستعصي المسألة في الاتجاه الذي نضع فيه اللغة كباعث لانتقال المعرفة وتشكلها الوجداني وارتقائها في مستوى الوعي والحركة والاشتباك والحوار وهندسة الحياة. ولهذا أولى علماء اللغة والسميولوجيا أولوية إستراتيجية لحدود التأثيرات ودراسة العلاقات بين الأسماء والأفعال وتحكم اللغة؛ وهو أمر يتوطن عميقا في قوة ونفوذ العربية كمشروع بياني كوني، يشمل وقود استقبال وقابلية مدهشة، وانسيابا قطيعيا معجزا، كوطن بحقيبة سفر جاهزة. تلك السمة الثقافية الإنسانية الناهضة التي تتمدد بخشوع راق وبديع، تمسك بالروح فتلهبه وتغشيه سحابا في سحاب.

لا تجد اللغة العربية في التدافع المعلومياتي السحيق، الذي أضحى مؤسسا سييرانيا في آليات التحويل الإعلامي وسرعة اندلاقه وتعاليه، (لا تجد) غضاضة ولا بأسا من التناغم والتوسع والاستئثار حتى. وهي خصيصة سوسيواجتماعية وثقافية، موزاييك من الأخلاق الثاوية والتناظر الأريب، تجود بها لغة الضاد عن استحقاق ورهان خليق بالمعنى والأفضلية.

ولا نتردد في التعبير عن هذا الشرط الصارم الذي تبلغه العربية في امتداد الزمان وراهنيته وتطور علاماته، في درجات التواصل وشفافية منهجه، وفي اقتداره على مواجهة التأثيرات الجديدة، المعرفية والمفاهيمية، وسريان المعلومات وانعكاس كل ذلك على واقع المجتمع الحقيقي.

إننا إزاء هذا السؤال الإشكالي يمكن تحويل مجال التقاء اللغة بالتكنولوجيا من مجرد علاقة افتراضية تواصلية بالحداثة، إلى بنية جدلية في مواجهة المعلومات وتكنولوجيا المعلومات. وهي الأزمة التي تؤطرها نظرية هيبرماس التي تجعل من علاقة اللغة بالتكنولوجيا علاقة امتداد لإنتاج وصناعة فكر وترسيخ أوضاع. من ثمة تكون اللغة تجديدا للوعي بالمرحلة التاريخية وتقييما معرفيا سيروريا يعيد تشكيل مثل الاستقبال وتطور العقل واكتساب المعرفة الجديدة.

إن صورة اللغة العربية ضمن الصورة العامة للثقافة إياها تختزل جوانب خفية وظاهرة، وأخرى مغلوطة ورافضة، تقابلهما انتقائية في الولوج التكنولوجي والمحاورة والتناظر، على مستويات مطبوعة بالغياب والتقصير، أو البناء والتوجيه، وهو ما يضع صورة الثقافة العربية في وسائل الإعلام المتاحة الجديدة في مأزق حقيقي، يمس صورة الإنسان العربي ونمط تفكيره وعلاقته بالتحولات الكونية والثقافة العولمية ومنظومات التثاقف والتنوع الثقافي، وتحقق الحرية الثقافية والاعتقاد الديني وحقوق الإنسان.

الأمر لا يتعلق بمواقع تطوير البرمجيات العربية ولا بمستويات إدماج اللغة العربية في مكون الإبحار الافتراضي عبر وسائل الاتصال الحديثة، ولا بحدود الجاهزية الفنية والتقنية لهذا التداول، كما يقول المفكر المصري نبيل علي، بل ما يعاب على خطابنا الثقافي في وسائل الإعلام الجديد، بما فيه الأنترنيت، من انعزالية وتشتت معرفي وتاريخي، إذ “ينأى عن الدراسات التقابلية الجادة، منطويا على ذاته، لا يطرح قضاياه في سياقات ثقافية – وحضارية وإنسانية ـ ولغوية أوسع” *

[email protected]

https://www.facebook.com/ghalmane.mustapha

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • sifao
    الأربعاء 20 دجنبر 2017 - 09:55

    "…لا حاجة للتأكيد مسبقا على سرعة الانتقال التكنولوجي والمعلومياتي وتحول نظم المعرفة والنظم الاجتماعية وقياسات تطور الإنسان الاتصالي، على النحو الذي يشكل طفرة بليغة التعقيد، خصوصا في ما يتعلق ببنية التفكير الإنساني وارتكانه إلى النسبية وعدم اليقين والشك في جدوى عصر المعلومات الجديد وخائلياته…"
    هذه التوطئة،التي كان من المفروض ان تحدد بدقة معالم الموضوع ، توضح ازمة التاب العرب ، قديما ، كلما كان الكلام موزونا ومقفى الا وأعتبر المنطوق في غاية العلم والاهمية بغض النظر عن صدق او كذب او تناقض حمولته المعرفية،شكل الكلام اهم من مضمونه،واليوم ، ونسجا على منوال شبه مستنسخ، يُعتقد ان تنميق اللغة والاكثار من المفاهيم،حتى خارج حقولها الدلالية ، من الابداع والانتاج الجيد ، إْقرأ ثم اعد قراءة الفقرة ، وكذا ما سيأتي بعدها من كلام ، لن تفهم شيئا ، اذ ستحتاج الى لغة ما ورائية méta langage لتحاول فهم لغة يُراد لها اهلها ان تواكب المستجد التقني والمعلومياتي ، والمقال نموذج للعبثية اللغوية ، تكتب او تتكلم دون ان تقول شيئا مفيدا ، السهل الممتنع ، وليس المعقد الفراغ ،هو الاسلوب الافيد لايصال الامانة

  • Yahya
    الأربعاء 20 دجنبر 2017 - 15:52

    المغاربة تعبوا من سماع اخبار و مشاكل العريبة و الشرق الاوسط !!!
    هل نحن سنحل مشاكلكم بما فيها حتى لغتكم العربية رغم بعد المسافة? في حين تضامنا معكم لامد طويل و ما جنيناه هو انكم فرضتم علينا الفيزا و اغلقتم الحدود و جعلتم حتى تكلفة الحج و العمرة باهضة جدا حيث ثمنها قد يبلغ ثمن السفر نحو العالم باكثر لفترة 6 اشهر من 20 رحلة جوية و في فنادق مريحة. مع ان الدخل الفردي للمغربي هزيل جدا بالمقارنة مع الدخل الفردي الخليجي! و حين ياتي الشرق اوسطيون الى المغرب يصبحون كلهم امراء بمن فيهم عمال النظافة و العاطلين و اللاجؤون في اوربا الذين يعيشون بالنفقات الاجتماعية. فعلا, اخيرا, ياتون السوريون هروبا من الجحيم و كما ترون المغاربة يحاولون ضيافتهم مثل ما فعلوا ادريس الاول, لكنهم يفضلون الاندلس للحصول على Iphone حيث المغرب لا يصنعه.

    ايوا, حاولوا معنا من فضلكم, و خليونا نساعدو اخواننا الافارقة بحالنا! اما انتوما راكوم تعبتونا و طلعتوا لينا في الراس!
    واش غير اللغة لي غادي تجمعنا? و لو انها ماشي لغتنا!خليونا نتجمعوا مع الافارقة المسلمين و المعتنقين !لجدد!
    وكواك اعباد الله! راه انا ماشيعربي. انا امازيغي!

  • جواد الداودي
    الخميس 21 دجنبر 2017 - 01:19

    2 – Yahya

    عرفناك بربري من اوّل كلمة قلتيها ف التعليق ديالك
    استاضف اخوتك الافارقة ف دارك وقسم معاهم ماكلتك
    اما الكلام عل العربية ما متوجه لا ليك ولا لغيرك من البربر
    انت ما حليتي حتى مشاكل لغتك اللي قريبة تنقرض
    وكون كنتي من الناس اللي كيعقلوا عل الخير
    كون كاع ما تقول كلام خايب على اللغة اللي انت لاجئ عندها
    وبلا بيها ما يمكنش تتفاهم مع المغاربة

  • @@ 2 - Yahya
    الخميس 21 دجنبر 2017 - 02:25

    ان كلامك لمليئ بالتناقضات و لا يمكنك ان تكون من البربر الى اذا كنت من الزنوج تم انك تنظر الى العلاقة بين الناس من باب Iphone و فيزا و فنادق مريحة و تكلفة الحج و العمرة ان هذا يعطي فكرة عن سبب احباطك لا علاقة له باللغة العربية بل فكري , Yahya نقترح عليك تغير اسم يحي باسماء الذين تسميهم اخواننا الافارقة بحالنا! ,Yahya ظاهرة انفرد بها المغرب مند الاستقال وهي وجود منتخبين وغير منتخبين اغبياء يدعون الكلام باسم المغاربة فهل وفرت عليهم المزيد

  • KANT KHWANJI
    الخميس 21 دجنبر 2017 - 06:42

    من المعروف والبديهي،أن استصدار قوانين لحماية كائن ما،هو تعبير على أنه مهدد بالإنقراض والزوال، تماما مثل الدب القطبي! وكذلك يسعى التعريبيون، استصدار قوانين زجرية لحماية ما يدعون أنها قوية عظيمة مقدسة خالدة منزلة من السماء السابعة وأول لغة تكلمها الإنسان عبر الخرافي آدم،وآخر لغة يتكلمها يوم الحشر الوهمي و عدن حور وغلمان!
    ثراء وجمالية لغة ما،لا يكمن في تقديم الخبر عن المبتدأ،ولي أعناق النصوص، مثل من يشير إلى أذنه عبر لي ذراعه وراء رقبته.
    من أهم أعطاب العربية:
    – الحرف الذي تكتب به وقواعد النحو الإعراب،فيستحيل حتى على سيبويه قراءة متواصلة لكلمات جملة ما دون شكل،إلا بعد سكوته و إعراب الكلمات.
    – الباسها قداسة من صنع بشري في زمن الظلام والجهل والأساطير، تمام مثل قداسة نصوص و أشخاص عرب وهميين.
    – إن تطوير أية لغة ما، لا يكمن في استنسال بحر من المرادفات حتى يصل عدد المرادفات للأسد ال 500 (عقلية التكاثر من أجل التباهي)!
    – جمالية عمل فني أو أدبي،لا تحتكره لغة ما،وإلا لما استمتعنا بأعمال عالمية،من مختلف اللغات!
    لكن،التعريبيون،لم يتخلصوا من التبعية المشرقية البعثية أو الداعشية،حتى في استدلالاتهم!
    KK

  • Yahya
    الخميس 21 دجنبر 2017 - 09:16

    الى 3 و 4

    فعلا، أنا بربري عجمي مغربي أمازيغي أفريقي و افتخر، اكن لست المهم أنا لست عربي و لا اقطن شبه الجزيرة العربية و لست لاجيء عربي، بل أنا يحيى، مهاجر مغربي في الغربة. و في المهجر، اعرف نفسي بمغربي أمازيغي أفريقي! هل تظنان ان المهاجرين المغاربة يعرفون نفسهم كعرب في المهجر، سواء في الشرق الاوسط نفسه او اوروبا او أمريكا او اسيا او افريقيا!
    انتهى عهد القومجية العروبية و المغاربة في الداخل و الخارج عاقوا!
    أنتما تعلمان جدا ان الرجال العراقيين و السوريين يفرون من المعارك الى أوربا للحصول على IPhone و أموال المساعدات الاجتماعية للسياحة في المغرب، في حين ان النساء الكرديات يكافحن و يقاتلن ضد داعش و غيرهم!

  • @@ 6 - Yahya
    الخميس 21 دجنبر 2017 - 20:12

    نرحب بك اذا كنت حقا كما تزعم بربري عجمي مغربي أفريقي الشي الذي يعني انك زنجي الشيئ الذي سيخالف المواصفات المطلوبة ليجعلك امازيغي حسب المعايير التي وضعهامن فبرك هذا المصطلح الغريب عن البربر باكاديمية البربرية بفرنسا.السؤال لماذا تنعتون انفسكم بالبربر في الخارج وتريدون تحريمها بالداخل وهل القومية البربرية حلال و القومية العربية حرام؟ يظهر من كلامك ان ادمانك على قنوات اللهجات جعلك محدود المعلومات فمزل اب steve jobs عبد الفتاح جندلي مؤسس شركة APPLE لازال قائم بحمص فلما سيترك فلى اضن ان احدا سياتي لقبيلة(بربري عجمي أفريقي و افتخر) من اجل IPhone وسي يحيى كل ما اقترحت عليك حو مادمت تفتخر بقوميتك الافريقية البربرية فلما لا تختار اسم مثل باقي اخوانك الافارقة من كونغو, وا سي يحيى لقد قال من سبقنا كثرة الفهامة كاترجع على مولاها بالندامة خاصة اذا كانوا مثل احبائك الاكراد لا لغة لهم

  • راي
    السبت 23 دجنبر 2017 - 22:35

    الانعزالية والتشتت المعرفي والتاريخي.هي الجملة التي يلخص بها صاحب المقال العلاقة بين العربية وتيكنولوجيا التواصل.ربما يقصد بذلك انه لا وجود لخطاب عربي موحد لان الخطابات حول الموضوع الواحد مختلفة ولا تنتمي الى زمن واحد.فالرؤى متباينة بتباين المرجعيات ونسبتها الى التاريخ.بمعنى ان العقل الذي ترتبط به اللغة العربية غير ناضج وكما لو ان هذه متقدمة عليه .فعلى الرغم مما تحتويه من امكانيات فان هذا العقل غير قادر على توظيفها.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 3

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"