باحثون يرصدون كُفرا بالسياسات وعجز الدولة عن تطويق الاحتجاجات

باحثون يرصدون كُفرا بالسياسات وعجز الدولة عن تطويق الاحتجاجات
السبت 23 دجنبر 2017 - 01:30

نظم مختبر الدراسات القانونية والسياسية لدول البحر الأبيض المتوسط، بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، ندوة بعنوان “المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات السابع أكتوبر 2016″، بحضور مجموعة من الأكاديميين والباحثين والأساتذة الجامعيين.

وناقش المتدخلون جملة من الإشكاليات المتعلقة بالفعل السياسي الرسمي والحراك الاجتماعي؛ ففي مداخلة الباحث عباس بوغالم، الذي اختار سؤال السياسة كمدخل لمقاربة موضوع المشهد السياسي المغربي، أكد أن “مأزق السياسة بالمغرب أضحى يرتبط بموضوع السياسة ذاتها، بفعل هيمنة نزوع مفرط نحو إلغاء كل مداخل التسييس المستقل، مع فتح بعض الهوامش الضيقة والمؤطرة بدورها بحدود لا ينبغي تجاوزها”.

ونبه إلى مخاطر تحييد السياسة واغتيالها على طبيعة النسق، بل على الدولة والمجتمع معا، وليس أقلها سيادة حالة من “الكفر” بالسياسة والسياسيين، ما يفتح الباب مواربا أمام جنوح بعض القوى الاجتماعية إلى التعبير عن مواقفها السياسية من خلال استعارة مفردات غير سياسية كتعويض عن غياب السياسة، قبل أن يضيف أن “الأخطر من ذلك جنوح الصراع السياسي لأسلوب العنف كنتيجة حتمية لإلغاء السياسة من خلال إلغاء مخرجات العمليات الانتخابية”.

وأضاف بوغالم: “هناك جملة من الاختلالات التي تعرفها الممارسة السياسية في المغرب منذ حكومة التناوب، من قبيل محدودية الانتخابات، واستمرار تواجد مناصب وزارية محجوزة، واحتفاظ مسؤولين مدنيين بالقدرة على التصرف بشكل مستقل عن الوزراء المنتخبين، واحتفاظ الأجهزة الأمنية باستقلالية عن الحكومة وتوفرها على سلطة خاصة بها لا تخضع للسلطة المنتخبة”.

فيما أكد الباحث محمد الرضواني، من خلال مداخلته حول الانتقال الحكومي الذي يعرفه المغرب، أنه “انتقال سلطوي ومزيف يعرقل تحول باقي الأنظمة الجزئية”، وزاد أن “ترويج مقولة الانتقال البطيء أو الطويل وهم كبير تراد به التغطية على الفشل على هذا المستوى، باعتبار هذا الانتقال الجزئي لا يمكن انتظار تحققه لحوالي 20 سنة”.

وحول الفضاء العمومي ذهب الباحث يوسف أشلحي إلى أن “تنامي الفعل الاحتجاجي يسائل جدوى الدولة وأفقها، أمام عجز كل البُنى التقليدية والميكانيزمات التي حشدتها النسخة السياسية للدولة التي تولدت عقب الاستعمار عن استيعاب الأصوات الحيوية التي يعج بها الفضاء العمومي في شكل اعتراف عمومي قادر على تحقيق اندماج أفضل داخل الفضاء العمومي”.

وأردف: “إن من الأسلم تجريب مدخل جديد يعين على تثوير الفضاء العمومي وضخ حيوية وثّابة داخل نسق الدولة، وذلك عن طريق إتاحة فسحة رحبة للجمهور، وفسح المجال للمجتمع المدني لكي يدلي بدلوه في إنقاذ أفق الدولة من النفق المسدود الذي بلغته”.

بدوره، تطرق الباحث محمد سعدي، من خلال مداخلته التي تفاعل معها الحضور، إلى موضوع حراك الريف، معتبرا إياه “حراكا كاشفا”، إذ أصبح “محكا صعبا يسائل بشدة المصير المقلق للبنيات السياسية التقليدية، وستكون له تداعيات عميقة الأثر، إن لم نقل أنه سيكون هناك ما قبل وما بعد الحراك”.

واستطرد المتحدث بأن “الحراك مفعول كاشف يضع اليد على الجروح ويرفع الغطاء عن الكثير من الأقنعة بخصوص عوائق التغيير والإصلاح في مغرب القرن الحادي والعشرين، وحالة التردد التي أصبحت تطبع النظام السياسي، وتجعله دائما يحاول البقاء في المنطقة الرمادية بين اعتماد إصلاحات هجينة وتجديد سلطويته بشكل مستمر”.

وزاد: “من وجهة نظر العلوم الاجتماعية ومن منطلق قراءة تشخيصية أولية يمكن أن نجادل بالقول إن الحراك قادم من عمق المجتمع المغربي، وهو يفرز سياقات سوسيو سياسية جديدة هي قيد التشكل سواء على المستوى المحلي أو الوطني”.

وزاد محمد سعدي أن “تضخم الجدل حول حمل الرايات يثير الكثير من القلق وبالخصوص عبر انتشار الثنائيات المانيكيانية العنيفة: الوحدة / الانقسام، الوطني/ الانفصالي، الولاء/الخيانة، السلم / الفتنة، إلى غيرها؛ وهو ما يجسد الإخفاق المرير في إبداع العيش المشترك مع وبهويات متعددة”، معتبرا أن تشكل وحدة وطنية حقيقية لا يمكن بدون الاعتراف بالتنوع والتعدد وبدون وجود ميثاق اجتماعي جامع لكل المغاربة.

وأضاف المتحدث أن “حراك الريف هو في جزء منه صرخة من أعماق التاريخ من أجل الاعتراف بلغة أكسيل هونيث، والاعتراف الرمزي والمعنوي بقيمة الشباب المستاء والساخط على الوضع الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي لن يتم إلا باعتماد سياسات اعتراف حقيقية على المستوى التاريخي والاقتصادي تمنحهم الثقة في النفس وتكرس احترام الذات، ما ينتج تقديرا للذات ويولد مشاعر الرضا والآمان النفسي والاجتماعي”.

ووجه سعدي خطابا مباشر للدولة قائلا: “على الدولة اعتبار الحراك فرصة تاريخية ينبغي انتهازها للتصالح مع المجتمع، وخصوصا الشباب، وعليها أن تنخرط بجدية في ديناميات هذا الحراك بالبدء في إرساء عقد اجتماعي جديد يكرس تحولا ديمقراطيا حقيقيا بالمغرب”.

وفي ورقته المعنونة بـ”الحركات الاحتجاجية بنفس تاريخي: حراك الريفي نموذجا”، اعتبر الباحث رشيد شريت أن ما يميز حراك الريف هو الحضور الطاغي للتاريخ، ليفتح بعدها الباب أمام عدد من الأسئلة والإشكاليات الرئيسية، من قبيل: هل تم استدعاء التاريخ أم ما حدث هو استمرارية تاريخية أم المزاوجة بين الأمرين معا؟ وهل حضر التاريخ فقط في خطابات وممارسات الحراك الريفي أم أيضا حضر في مقاربة السلطة، ولماذا حضر التاريخي في الحراك الريفي بينما غابت أو همشت في باقي الحركات الاحتجاجية؟.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • عمر
    السبت 23 دجنبر 2017 - 06:20

    ليس هناك كفر بالسياسة و إنما فقدان المصداقية لكراكيز المسرح السياسي المغربي. و الدولة لا تسمح لأي وجه سياسي أن يظهر دون إفساده أو سجنه مثل الزفزافي

  • امازيغ سوسي
    السبت 23 دجنبر 2017 - 06:31

    احمدوا الله واشكروه انكم في المغرب وتتمتعون بحرية الراي والتعبير . لو كنتم في بلد كالجزاءر لفهمتم معنى الحرية التي تعيشون فيها لدرجة ان بعض ما يسمى بالحقوقيين والجامعيين والباحثين والنشطاء تجاوزوا كل الخطوط الحمراء قولا وفعلا . اجركم يفوق 40 الف درهم شهريا وكل ما تتقنونه هو النقد وكان اولى بكم ان تقدموا للدولة اقتراحات .

  • مانولو
    السبت 23 دجنبر 2017 - 08:07

    شكرا لكلية الناظور على تنظيم هذه الندوة ، وكطالب في الماستر استفدت كثيرا من مداخلات الأساتذة ، ما أثار انتباهي وانتباه الطلبة الباحثين هي مداخلة الأستاذ السعيدي من كلية الحقوق بوجدة حول الحراك بالريف والتي كانت محل نقاش واسع وسط الحاضرين والطلبة، وقد استطاع أن يجمع بشكل عجيب بين مفاهيم علم السياسة وعلم الاجتماع والبحث الميداني ليعطي لنا بعض المعطيات والحقائق المثيرة حول شباب الحراك والتي استمع إليها لأول مرة من قبيل أنه بعد الحراك تراجع نسبة الإجرام وتعاطي المخدرات بحي أفزار الشهير بكونه شكل قوة ضاربة للحراك بالحسيمة . الأستاذ يدافع بقوة عن شباب الحراك لكنه يعتبر أن خطابات الزفزافي كانت فها الكثير من الأخطاء واللاعقلانية. أرجو أن نطلع قريبا على هذا البحث السوسيولوجي الذي يبدو أنه سيكشف عن أشياء هامة حول حراك الريف.

  • طالب
    السبت 23 دجنبر 2017 - 08:57

    ما يلاحظ أن الجميع أفراد /جماعات / منظمات / مراكز … يدقون ناقوس الخطر من خلال التشخيص الدقيق لوضعية بلدنا الحبيب على جميع المستويات ، لكن ما يلاحظ أيضا أن السلطات بمستوياتها أيضا تجهل أو تتجاهل هذه التحليلات/ الصرخات

  • 555
    السبت 23 دجنبر 2017 - 09:30

    دور الانتلجنسيا أساسي في كل المجتمعات. .ما أحوج المغرب لمثل هذه الأعمال وخاصة في هذه المرحلة. ..إن علمنا ان التحولات داخل المجتمعات تصنعه الأفكار. وليس الشعبوية التي اكتسحت مع الأسف كل مناحي حياتنا. ..في الشارع والمساجد والمقاهي والأسواق والمدرسة. ..وحتى مواقع الانترنت. …في الوقت الذي تعمل فيه الشعوب على تسريع وتيرة تنميتها الشاملة والمستدامة. …

  • متتبع.
    السبت 23 دجنبر 2017 - 09:46

    شكرا لكم سي الرضواني وبقية الاساتذة الاجلاء الذين جاؤوا من وجدة ومكناس…شكرا ايضا لانكم اعدتم الينا دفئ المحاضرات التي تلقيناها منكم.
    دمتم اوفياء للقلم والرأي الحر.

  • سي محمد الباس
    السبت 23 دجنبر 2017 - 10:41

    فعلا تفاجأت حضور هسبريس لتغطية الندوة التي حضرتها صدفة لأنني كنت مدعوا الندوة موازية توثق تاريخ الريف و سؤالي حول مكان الندوة باعتباري أحد الزائرين الجدد الجامعة و وجهت إلى هاته الندوة فعلا تفاجأت بمستوى النقاش الذي كان أكاديميا و موضوعيا في تناوله ملف الحراك الاجتماعي في الريف و المغرب تفاجأت مستوى الذي تجاوب به الطلبة مع الضيوف وهو ما يجعلنا متفائلين ان الجامعة مازالت بخير و الإعلام المستقل بخير ففي نقاش مع الطلبة عن عدم تعميم مثل هذه الأنشطة وتوجيه دعوة للاعلام العمومي انفتاحا عن المحيط الخارجي كان الجواب شكرا هسبريس لتلبية الدعوة و اما الآخرين يحضرون فقط في حضرة الوزير وعادت بي الذاكرة ل25 سنة وفقط وقلت لهم فعلا شكرا هسبريس ومعها كل الإعلام الحر الذي يشجع المبادرات فزماننا لم نجد مع من نتقاسم صرخات

  • موزروس
    السبت 23 دجنبر 2017 - 11:17

    شكرا للمختبر وللكلية على هده الندوة الهامة كانت هناك مداخلات هامة قدمت قيمة مضافة ونوعية لموضوع حراك الريف اخص بالذكر مداخلة الاستاذ السعدي ورشيد شريت.

  • MAGHRIBI
    السبت 23 دجنبر 2017 - 18:26

    الندوة اعادت ،من جديد ،مفهوم هم و نحن ،حتى على المستوى الاكاديمي ،اشار منظم الندوة و رئيس المختبر ،عدم تلبية الدعوة من طرف بعض الاكاديميين ،لان الكلية من المغرب غير النافع ،و ليست مغرية ،لكن المواضيع التي تُنوولت ،رغم بعدها عن عنوان الندوة ،و هو ذكاء ،يحتسب للمنظمين ،اثارت حساسيات صحية جدا. تناول احدى المتدخلات الجمعويات ،الكلمة بالامازيغية ،مؤسس لما بعده ،شرط ان لا يمطط سلبا

  • محمد طلحا
    الثلاثاء 26 دجنبر 2017 - 11:34

    هكذا يجب ان تكون جامعاتنا عنوانا للتميز ومواكبة الواقع عبر تحليلات اكاديمية رصينة، الغايات منها الوقوف على مختلف القضايا الراهنة والاجابات العقلانية الممكنة، فعلا الندوة عرفت نقاشات وسجالات في مستوى الحدث، وتفرعت عنها اسئلة واشكالات، هي مواضيع للبحث آنيا ومستقبلا، نتمنى ان تتكرر مثل هكذا اخراقات على مستوى الفعل الاكاديمي..

صوت وصورة
ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:33

ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب

صوت وصورة
وهبي يكشف قائمة المنتخب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:12 1

وهبي يكشف قائمة المنتخب

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30 2

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 5

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 2

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي