التدريس بين التثمين والتبخيس

التدريس بين التثمين والتبخيس
الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 - 17:28

ينصب جام غضب الأستاذ في كثير من الأحيان على التلميذ(ة)، ونعته بأقبح الصفات وأسوأ الأخلاق. يشكو لا مبالاته وقلة اهتمامه، وضعف وازع الاحترام الواجب لمعلمه، والأسرة التي انسحبت من حياة أبنائها، وأوكلت أمر تنشئتهم إلى مؤسسات انحصرت وظيفة جلها في حراسة الطفل انتظار عودة أهله، في وقت تحمست مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأهلية للبرامج التنموية ذات الطابع الاقتصادي، وتركت حبل التربية يلتوي على عنق الأستاذ في بيئة تمتنع عن الاعتراف بمكانته ودوره التاريخي في بناء الوطن والمواطن. وهو تحليل يخلي مسؤولية الأستاذ ويريح ضميره، والاستسلام إلى منطق: «ما كينش معا من». مما يدفع البعض أن لا يلقي بغيث معرفته وخبرته إلا لمن أبدت تربته قبولا لامتصاصه والانتفاع به بشكل أو بآخر.

الاستجارة من رمضاء العام بنار الخاص

كل الآباء والأمهات يطمحون إلى تأمين تعليم متين وذي جودة لأبنائهم. وسعيا لتحقيق هذا الهدف، يلتجئ البعض لخدمات القطاع الخاص، بعدما عرت تقارير وطنية ودولية المستور من اختلالات التعليم العام، ولم تترك شاردة ولا واردة تبرز إفلاس وانحطاط مردوديته إلا وأبرزتها وتفانت في تعميمها في زمن الإعلام المفتوح، بعدما كان ومازال مشتلا لأطر تعدى عطاؤها هذا البلد إلى مختلف بقاع العالم التي احتضنت خريجيه، الذين يتبوؤون حتى اليوم مراتب متقدمة في مسابقات دولية. في المقابل تنصح بأهمية خدمات القطاع الخاص وكفاءته المهنية، وجودة مردوديته التربوية، لما له من مقدرة وحكامة مزعومة أصبحت محط تساؤل ونفور منه سنة عن أخرى، حيث تسرب منه هذا الموسم نحو القطاع العام ما يناهز 52 ألف متمدرس، بفعل جشع المستثمرين فيه، وضعف التكوين المسجل على مستوى الفاعلين والمستفيدين من خدماتهم.

ولقد واكب هذا التحول خصخصة خاصة للقطاع العام، وخصوصا على مستوى التعليم الثانوي. حيث يتم الحديث اليوم بين التلاميذ عن لجوء بعض المسؤولين بالمؤسسة إلى تجميع أبنائهم مع بعض المحظوظين في أقسام وتخصيصهم بأجود الأطر التربوية التي تضاءل عددها باختيارها التقاعد النسبي. فمثل هذا الأسلوب (أبناؤنا وأبناء الأغيار)، يجعل قيم الإنصاف والمساواة والعدالة في الاستفادة من الخدمات العامة في مهب الرياح. وهي قيم كان التعليم دوما حامل لواء الدفاع عنها وترسيخها وينبغي أن يبقى كذلك، بلسان الحال قبل المقال. وهو ما يحافظ على القيم الوطنية تدب في أوصال الأجيال، ويغذي روح الانتماء لديه. أيضا يعطي للفاعل التربوي بها، المكانة التي يستحقها، والوقار والتبجيل الذي كان موضوع إشادة وإنشاد سارت بذكره الركبان.

تآكل الأدوار التنموية التقليدية للأستاذ

الأستاذ كان دوما رمزا للعطاء والتضحية، ليس داخل المؤسسة التربوية فحسب، بل على جبهات عدة: اجتماعية وسياسية وجمعوية… تجده في الصفوف الأمامية حين يتعلق الأمر بالتضحية والتطوع، ويتوارى إلى الخلف حين توزيع الغنائم وعائدات النضال. ولطالما شُبه بالشمعة التي تحترق لتنير دروب الآخرين، معطاء كريما غير بخيل بما منحه الله من معرفة ومهارات، يصدق عليه قول الإمام الشافعي: «رأيت العلم صاحبه كريم ولو ولدته آباء لئام»، يمنحها بسخاء وحب لكل من طلبها من تلامذته، وعموم أفراد مجتمعه بكل أريحية وسخاء. لا يرتاح له بال إلا بعد أن يطمئن أنه وفّى ولم يقصر في تبليغ ما هو مطلوب منه لكل من توسل معرفته، وقصد فصله الدراسي للنهل من خبراته، موظفا في ذلك كل السبل البيداغوجية والخبرات الديداكتيكية، علما منه أن المتعلمين مختلفو المدارك، متفاوتو الذكاء والميولات، ليسوا على قدر واحد في انجذابهم نحو العلم أو ضرب منه. فتجده طبيبا يعطي لهذا وذاك ما يلبي حاجته ويفي بغرضه، محاولا الرفع من مستويات الإدراك، باتا الدافعية في من فقدها، ومحفزا الهمم لطلب العلا وعدم الرضى بالدنى من المطالب والطموحات.

و«الشيء من معدنه لا يستغرب» كما يقال؛ ففي الأثر، أن كل شيء ينقص بالإنفاق إلا العلم فإنه يزداد بالإنفاق. وهذا ديدن وغاية كل معلم ومتعلم في مسعاهما اليومي، «وقل ربي زدني علما»، بمفهوم المخالفة، يعني أن تزيد في إنفاقه وبذله للناس، لأن المدرسة ليست «مجرد مؤسسة لتقديم الخدمة المعرفية مقابل أجر».

هذه الصورة الممجدة والمبجلة لمهام الأستاذية، التي تبوئه مكانا عاليا اعتباريا واجتماعيا، لم تعد بذلك النقاء والصفاء الذي رسمه الرواد وهم يؤسسون لمدرسة وطنية، همها استقطاب أكبر عدد من المواطنين «للنهوض بالبناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للوطن».

فنتيجة الوضعية المادية الهشة التي وجد الأستاذ فيها نفسه، وما أنتج حولها من ثقافة متداولة على أوسع نطاق، شعبيا ونخبويا، وعلى أكثر من منبر، ساهمت في خدش الوضعية الاعتبارية التي تمتع بها الأستاذ لعقود خلت، ومازال الكثير مستميتا في الدفاع عنها، رغم شراسة الهجوم وقلة وضعف آليات الدفاع، التي دفعت البعض إلى التفكير في الخلاص الفردي، والانعتاق من هذه الزنازين التي حدت من تدفق سيل عطائه مدرسيا ومجتمعيا، باللجوء إلى المتاجرة النقدية فيما يملكه من قيم رمزية معرفية، بعدما أعياه الاحتجاج والتظاهر أمام عتبات الحكومة، وحصر بضاعته على ذويه ومن يدفع له. ويجبر التلاميذ بطريقة أو أخرى «على دروس الدعم خارج المدرسة، في بيته أو في مراكز الدعم والتقوية التي انتشرت في كل مكان، انتشار المحلبات ومحلات الأكلات السريعة» (نجيب الخالدي).

المدرس والمتمدرس يرسمان صورة بعضيهما

إن ما يلاحظ من مواقف المتعلمين، سواء المحمودة منها أو الممقوتة، تجاه الفاعلين التربويين، ما هو إلا حصيلة ومنتوج لمسار تربوي انطلق من الأسرة ولا يقف حتما عند عتبات المدرسة. وفي هذه المحطات تجد الراشدين هم من يسهرون على تجهيزه بكل ما يصدر عنه، ضمنا أو تصريحا. لذا ركزت الكثير من الأدبيات التربوية على أهمية القدوة في البناء التربوي للناشئة، التي تتحقق باحترام شخصية المتعلم عامة، والمراهق خاصة، بتجنب إهانته، بل الإعلاء من شأنه، وتثمين إنجازاته، بفتح المجال له لإظهارها وتشجيعه على المواصلة. وبمهارة الأستاذ وحنكته البيداغوجية، يمكن أن يزرع فيه الرغبة في استكمال تكوينه الذي لا يتسع المجال لكل متطلباته خلال الحصص الدراسية الرسمية، بعيدا عن كل أشكال الضغط غير المرغوب فيها. فـ«مهنة التدريس معقدة ومهمة لا تتمثل فقط في نقل المعارف والمهارات وإنما تتمثل في التربية على القيم وتنمية وتطوير الكفايات والتربية على الاختيار».

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41

مباشر | نتائج انتخابات المغرب