لننخرط جميعا في معركة التغيير

لننخرط جميعا في معركة التغيير
الجمعة 13 غشت 2021 - 02:08

خلافا للمرات السابقة في السنوات الماضية، سيجد المغاربة أنفسهم، خلال هذه السنة وفي غضون أقل من شهر، على موعد مع استحقاقات انتخابية أخرى مباشرة ومغايرة، لكونها تأتي في ظروف عصيبة تتميز بانتشار فيروس كورونا المستجد وما تلاه من سلالات سريعة الانتشار وشديدة الخطورة، كما هو الشأن بالنسبة لمتحور “دلتا” صعب الاحتواء.

وإن المسجلين في اللوائح الانتخابية، الذين يقدر عددهم حسب الإحصائيات الرسمية بأزيد من 15 مليون، مدعوون يوم الأربعاء 8 شتنبر المقبل إلى اختيار ممثليهم في الجماعات ومجلس النواب، مع ما يستلزم الوضع الوبائي المتدهور من حيطة وحذر واحترام الإجراءات الاحترازية والوقائية، حفاظا على صحة وسلامة الجميع.

وتكمن أهمية هذا الموعد الانتخابي أو الاستحقاق الوطني في كونه يشكل ليس فقط محطة سياسية تستأثر باهتمام الرأي العام وتحظى بتغطية إعلامية واسعة؛ بل لأنه يجسد أيضا منعطفا حاسما في تاريخ بلادنا التي تتأهب إلى تنزيل النموذج التنموي الجديد وتعميم الحماية الاجتماعية تحت إشراف الملك محمد السادس، فضلا عن أنها مطالبة بمواجهة ما خلفه تفشي جائحة “كوفيد -19” وطفراته الأخيرة من تداعيات اجتماعية واقتصادية موجعة. مما يقتضي منا جميعا حسن اختيار الأفضل من البرامج الانتخابية القابلة للتطبيق والأنسب من المرشحين ذوي الكفاءة والحس الوطني الصادق، القادرين على تحمل المسؤولية ورفع تحديات التنمية، للارتقاء بالمغرب إلى مصاف البلدان المتقدمة.

صحيح أن هناك استياء عميقا من عمل المؤسسات المنتخبة والفاعلين السياسيين، الذين لم يكونوا طوال العقود الماضية في مستوى تحمل المسؤولية، من حيث الوفاء بوعودهم الانتخابية والاستجابة لانتظارات الشعب، والانكباب على ترجمة شعاراتهم وبرامجهم إلى حقائق ملموسة. حتى أن عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، أبى هو الآخر لغيرته الوطنية إلا أن يدخل على الخط ويؤكد على ذلك منذ أسابيع، مرددا ما سبق لأعلى سلطة في البلاد نفسها أن وجهته إلى الأحزاب السياسية من انتقادات لاذعة، محملا إياها مسؤولية فقدان شريحة واسعة من المغاربة الثقة في المسؤولين والمؤسسات ونفورها من العمل السياسي وعزوفها عن المشاركة في الانتخابات، لفشل العديد من مدبري الشأن العام في الاضطلاع بمهامهم كاملة وتجاوزاتهم، كما أثبتت ذلك تجارب سابقة عديدة انتهى بعضها بتفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحسوبية” في حق من ثبت تهاونهم أو تورطهم في نهب وتبديد المال العام.

بيد أن هذا لا يعطي الحق لأي كان بأن يجعل من الممارسات المشينة لبعض منعدمي الضمير والمتهافتين على المناصب والمكاسب مبررا للتواري إلى الخلف وترك الحبل على الغارب؛ لأننا جميعا مسؤولون بشكل أو بآخر على ما يحدث من فساد واستهتار بالمسؤوليات، وعلينا أن ننخرط بقوة في معركة الإصلاح والتغيير من أجل تحصين المكتسبات وانتزاع الحقوق المشروعة.

ولن يتحقق ذلك الهدف إلا بالمشاركة الواسعة والفعالة في انتخابات شتنبر 2021، والإدلاء بأصواتنا بكل حرية من أجل قطع الطريق على الجبناء والانتهازيين والمفسدين ومحاربة كل أشكال الريع والمحسوبية…

فما لا ينبغي أن يغيب عن أذهان المتحاملين على الانتخابات وينادون بمقاطعتها كلما حلت مواسمها أو الذين يفضلون البقاء في بيوتهم وتزجية أوقاتهم في المقاهي والحانات هو أن المشاركة في الانتخابات وحسن اختيار المرشح الأفضل هما الوسيلتان الكفيلتان بفرز نخب جديدة من الشخصيات الوطنية ذات القدرات العالية في تحمل المسؤولية والمتميزة بالاستقامة ونكران الذات، إلى جانب دعم تلك التي أبانت في التجارب السابقة عن روح المواطنة الصادقة وتفانيها المستمر في العمل الجاد والدؤوب بما يمكن أن يساهم في تشكيل جماعات ومؤسسات قوية ومنسجمة… عوض أن نتذرع بمبررات من قبيل أن لا فرق بين فلان وعلان وأن لا فائدة ترجى من مشاركة لن تأتي سوى بمؤسسات مشلولة، أو نعتبر أن الكثيرين ممن يتعاطون السياسة اليوم هم فقط فئة من الوصوليين الذين يجعلون من العمل السياسي مرقاة لبلوغ أهدافهم وتحقيق مصالحهم الذاتية والحزبية الضيقة.

وإذا كانت الانتخابات واجبا وطنيا وحقا من الحقوق السياسية المهمة، فهي أيضا من أبرز الدعائم الأساسية في بناء صرح الديمقراطية التي يمكن بواسطتها اختيار ممثلي الشعب الحقيقيين داخل المؤسسات المنتخبة القادرين على صياغة القرارات الحاسمة واقتراح القوانين وتجويدها، سواء في الانتخابات الجماعية أو التشريعية.

وفي هذا الإطار، تنص المادة الحادية والعشرين من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: – لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون في حرية. – ولكل شخص بالتساوي مع الآخرين حق تقلد الوظائف العامة في بلده. – وأن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة وبالتصويت السري.

إن تخلفنا عن الموعد الانتخابي المقبل لن يعمل سوى على إتاحة الفرصة للمفسدين وسماسرة الانتخابات في الهيمنة على النتائج. ومن ثم، تتواصل مآسينا وتتعمق جراحنا؛ فلا يعقل أن نستمر في إدارة ظهورنا للعمليات الانتخابية، وننتظر منها أن تأتينا بمجالس ومؤسسات متجانسة وفاعلة، إذ لا مناص من توسيع دائرة المشاركة والإسهام في اختيار من يمثل طموحاتنا ويسهر على تحقيق آمالنا وتطلعاتنا، حتى لا نجد أنفسنا مرة أخرى نلعن حظنا التعيس الذي نكون ساهمنا في صناعته باستخفافنا أو سوء اختياراتنا، ونهاجم ضعف الحكومة التي لم نشارك في انتقاء مكوناتها. ثم ماذا جنينا من عنادنا غير المبرر، وتمادينا في العزوف عن الانتخابات ومقاطعتها طوال كل هذه السنوات الماضية؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • عبد النور سلا
    الجمعة 13 غشت 2021 - 19:30

    نتمنى ممن يأكلون سحت أن يتقوا الله وماياخدوش دراهم مقابل بيع صوتهم بل يجب ان نختار بعناية من يمثل تطلعات الأمة المغربية بصدق وتجرد من أجل مصلحة الوطن الغالي ، لا من همه الكراسي والمناصب ،أما المناصب فتدرك بالجد والاجتهاد والعمل المتفاني في خدمة هذا الوطن وختاما
    الله الوطن الملك شعارنا الخالد .

  • Hassan
    الجمعة 13 غشت 2021 - 21:45

    لازلت أتذكر مقولتك “”* هذه بتلك و لكن …””*و هي تنطبق على نعم للمشاركة في الحياة السياسية لكن مع تخليق الحياة العامة . المقاطعة تعبير حر عن رفض المشاركة فقط لرفع نسبة التصويت دون إحداث تغيير في المنظومة السياسية التي لا تسعى إلى إشراك المواطن في تدبير الشأن المحلي . عدم المشاركة يمكن أن تعوض بالبطاقات الفارغة أو الملغية حتى لا نتهم بالسلبية و السوداوية و . و . و

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام