أوكرانيا.. داوود وجُلياتْ

أوكرانيا.. داوود وجُلياتْ
الثلاثاء 1 مارس 2022 - 00:59

تقديم:

“فخرج رجل مبارزٌ من جيوش الفلسطينيين، اسمه جُليات، من جِت؛ طوله ستةُ أذرع وشبر، وعلى رأسه خوذة من نحاس؛ وكان لا بسا درعا حَرشفيا، ووزن الدرع خمسة ُآلاف شاقل نحاس، وجُرموقا نحاسٍ على رجليه، ومِزراق نحاس بين كتفيه، وقناة رمحه كنَولِ النساجين، وسِنان رمحه ستمائة شاقل حديد؛ وحامل الترس كان يمشي قدامه.

فوقف ونادى صفوفَ إسرائيل وقال لهم: “لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب؟ أمَا أنا الفلسطيني، وأنتم عبيد شاؤول؟ اختاروا لأنفسكم رجلا ولْينزل الي.

فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيدا، وإن قدرتُ أنا عليه وقتلته تصيرون أنتم لنا عبيدا وتخدموننا”.

تستعيد هذه الحكاية التوراتية بعضَ ملامحها اليوم؛ فمن جهة ينتصب “الجليات” الروسي “بوتين” مدججا:

أولا بالتاريخ:

إذ بسطه مفصلا في مقال له مطول -5000 كلمة- منشور بموقع الكرملين في شهر يوليوز 2021.

مقال يغطي أزيد من ألف سنة، من تاريخ الشعوب السلافية -خاصة الشرقية: الروس، الأوكرانيين والبيلاروسيين، يراها قد تمخضت -سلما وحربا- لتلد الجمهوريات السوفياتية السابقة، ثم وريثها الاتحاد الروسي.

لكن الأهم فيه كونه يجُبُّ أوكرانيا جَبا، وينفي كلية أن يكون لها شعب خالص، بهوية عرقية وسياسية، خارج القومية السلافية الروسية.

ورغم النشر الواسع لهذا المقال -وهو يذكِّر، إلى حد ما، بكتاب “كفاحي” لأدولف هتلر- فإن الازدراء الغربي، لِما يكاد يعتبره مجرد سقط متاع من الاتحاد السوفياتي المفكك، لم ير فيه ما يستدعي القلق، وطلبَ التوضيح، لانطلاق نقاش في العمق؛ عمق الطموح الخطير لرجل دولة بخلفية مخابراتية سوفياتية، لم تشتغل، واقعا، ولن تشتغل، طموحا، إلا في دهاليز الظلام والخفاء.

حتى الجنود الروس وصلتهم نسخهم الشخصية من المقال؛ مما يدل على أن الأجراس في روسيا لم تعد تقرع لله فقط، وأن يوم القيامة/القومة حالٌّ قريبا.

ومدجج ثانيا:

بالمنطق الأمني الاستراتيجي.

وهو نفس المنطق الذي جعل الولايات المتحدة، تعترض على نشر الصواريخ السوفياتية بكوبا سنة 1962؛ رغم أنها هي السباقة إلى نشر صواريخ “ثور” و”جيبتر” في كل من بريطانيا وإيطاليا وتركيا سنة 1961. وصل العالم وقتها إلى شفير الحرب النووية.

في دجنبر2021 أبان “بوتين ” للاتحاد الأوروبي، ومن خلاله للولايات المتحدة، عن كونه يرغب بكل حزم، في تسييج كل حدائق الجمهوريات السوفياتية السابقة، بما فيها دول أوروبا الشرقية.

وقوفا في وجه توسع الاتحاد الأوروبي شمال وشرق ألمانيا.

ووقوفا في وجه تمدد الحلف الأطلسي.

مرة أخرى يُستضعف الطالب، ويستكثر عليه المطلوب؛ رغم كونه لم يدخر جهدا في إظهار ترسانة حربية متطورة جدا، في جميع المناسبات الوطنية. “ترسانة الصدمة” كما تسميها وكالة “سبوتنيك”. (6000 قطعة سلاح نووي، بري، بحري وجوي، 1600 منها كاملة الجهوزية، في أي لحظة؛ في مقابل: 5600 للولايات المتحدة، و300 لفرنسا..).

إغراق السمكة:

تحدث بوتين أخيرا بسخرية عن محاوريه، رسل السلم المزعومين، خصوصا الرئيس الفرنسي “ماكرون”؛ فهو يراهم يغرقون السمكة، ويُنسون فيها بالاستدراج إلى أحاديث هامشية لا تشغل باله إطلاقا. يتخذون لهم، على حدوده، مقاعد للسمع، ومنصات للقصف، ومدمرات لتسوية القائم بالمنبسط؛ ثم يعرضون عليه ألا يرى، حتى وهو بعيني زرقاء اليمامة؛ وألا يعض وهو بفك تمساح.

إن من تملَّك صواريخ استراتيجية خارقة -القيامة، الشيطان، الاسكندر..- لم يعد يعنيه في شيء حديث تفكيك الخردة القديمة المتجاوزة، وضمانات كاذبة يراها لا تساوي قيمة ورقها.

ومن يطالب بتقهقر الاتحاد الأوروبي -بزمن لا يقل عن ثلاثين سنة- إلى خرائطه قبل سقوط جدار برلين: 1989 لم تعد تعنيه الدعوة إلى الحوار مع أوكرانيا التي يراها لا حروف لها خارج الأبجدية الروسية؛ أحبت أم كرهت.

يراها سلافية روسية منذ ألف سنة؛ ولا خروج لها من العصمة السوفياتية، ولو المنهارة والمفككة.

يردد بوتين، دوما، لمقربيه ما معناه: “من لا يحن للاتحاد السوفياتي ناقص الوطنية؛ ومن يريد استعادته، كما كان، أحمق”.

ربما يراه أحمق لأنه يريد استعادته فقط؛ والحال أن في الوسع بناء ما سيكون أوسع وأقوى منه.

ومدجَّجٌ ثالثةَ بالردع النووي:

نعم لم يتردد منذ الحرب العالمية الثانية؛ ومنذ أزمة خليج الخنازير، حديثُ الردع النووي المنتصب للردع فعلا؛ وليشرب العالم المصدوم بحاره.

بعد أن هدد بوتين مهاجميه المحتملين -ليس الأوكرانيين- بما لا قِبل لهم به من سلاح؛ غداة الاكتساح ؛عاد يوم الأحد 27 فبراير2022، ليصرح بأنه أصدر أوامره لوزيره في الدفاع، باستنفار كل أذرع الدمار الشامل النووية.

دولة نووية، بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وبحق الفيتو؛ وشريك في الحوار النووي، الغربي الإيراني، تهدد بالسلاح النووي، في مستهل القرن الواحد والعشرين. (إزاء هذا التهديد الخطير، تردد بعض الجهات أن الولايات المتحدة هي السباقة إلى وضع ترسانتها النووية في حالة استنفار).

كل أوزان “جليات” من النحاس، وكل ترسانته من المضاء، كما تذكر التوراة، حاضرة؛ لكن في وجه من؟

هل الشعب الأوكراني الذي يتقمص هنا دور داوود، الراعي المستضعف؟

أم إله داوود؟

هذا الحلف الأطلسي الذي لا يخفي ابتهاجه وسخريته بتمدده شرقا ودوسه على كل هيبة الستار الحديدي السوفياتي.

الحلف الذي يراه بعض المحللين الاستراتيجيين، اليوم، ساذجا وهو يتوهم أن المادة الخامسة في ميثاقه، كافية لزرع الطمأنينة في أفئدة كل الراحلين

إليه من المعسكر الشرقي السابق؛ بما فيه الجمهوريات السوفياتية.

في انتظار التحاق أوكرانيا، ليكتمل الطوق: تطويق عنق “جليات” بسلاسله النحاسية.

فعلا كان داوود قد شرع في الرقص مع دوائر مقلاعه، القاذف للحجر المبارك الذي شج -في التوراة- جبين العملاق.

أي موقع لأوكرانيا الآن في كل هذا؟

على عكس ضعف داوود الجسدي في الحكاية التوراتية، ورثت أوكرانيا أغلب الترسانة النووية السوفياتية؛ لولا أن جليات الروسي استكثر عليها هذا الإرث -ثالث ترسانة نووية في العالم- بل رأى فيه كل التهديد للاتحاد الروسي؛ خصوصا والغرب المنتصر، أيديولوجيا، على الأبواب.

كانت معاهدة لشبونة سنة 1994، بين واشنطن وموسكو، القاضية بتخفيض الترسانة النووية، بمثابة الضربة النووية لهذه الترسانة؛ مقابل تعهد الولايات المتحدة وبريطانيا بحماية أوكرانيا من أي اعتداء روسي.

“لو كانت أوكرانيا لا تزال تحتفظ بأسلحتها النووية، لربما لم تكن لتفقد؛ لقد تخلت عن ترسانتها الاستراتيجية مقابل ورقة بلا قيمة؛ وحصلت في الأخير على غزو من قبل جارتها النووية القوية. ” (والتر راسل: خبير العلاقات الدولية الأمريكي).

حق للشعب الأوكراني البطل، اليوم، أن يشعر بأقصى درجات الخذلان؛ فكل الدعم السياسي والاقتصادي والميداني، الآن، لا يجبر كرامة البلد التي أهدرها الجار العملاق، دون أدنى اعتبار لضمانات الدفاع الغربية الكاذبة.

وكل الانزال العسكري الآن في خرائط النيتو بأوروبا الشرقية؛ لا تعني إلا شيئا واحدا: “خذ أوكرانيا وكُفَّ”.

قيل مثل هذا لهتلر، في خرائط أخرى وزمن آخر، ولم يكف.

ولم يشهد التاريخ ديكتاتوريا مستبدا أقنعه مجرد الكلام المتوسل، بالتخلي عما عض عليه، حربا بالنواجذ.

بل بفك تمساح بعيون دامعة.

إن الساحة الأوكرانية اليوم، بالنسبة لبوتين، مجرد ركح مسرحي يتدرب فيه، ويختبر مدى هشاشة حلف أطلسي، فعلت به الأسطورة كل أفعالها؛ وما هو في الحقيقة سوى فيل بلا نابين، لم يعد له من سلاح سوى ثقله الرخو.

يرسم الشعب الأوكراني اليوم، وحيدا تقريبا، لوحات بطولة قل نظيرها.

وغدا سيذكر التاريخ أن بادية مأساة العالم الثالثة -بشقيه الحر والمقموع- كانت من هنا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • روليت كود
    الأربعاء 2 مارس 2022 - 01:37

    بحملة موجة الربيع العربي دخل على الخط متاخرا الشيعي ادريس هاني يلقي تصوره للمرحلة و الح على بقاء بشار و اندحار فرضيات السنة بتنحيته على اساس الايديولوجيا التي طرح بها التحدي وفعلا توالت اصداراته تجمع بينه كمغربي متحول شيعي و المرحلة و الصراع من زاوية تصوره و انتهى بخرجة مرئية مشحونة بايحاءات شيعية انهت سلسلة ظهوره بالفترة صورة و قلم و ثاني او ثالث مقالاته بعد تذوقه النقد الرمادي بكل حلاوته تشنج فخاطب المشلمين يشير عليهم بالشين فتم التعقيب عليه ان المشركين كانوا يلقون التحية بالسام عليكم و كتب ايضا يجيب المسلمين بالكافي و بحار العلوم و تمت عليه الردود و عاد و ردوا عليه بالسنة و عاد يتحدى بالتشيع و دواليك مرت المناقشات مفيدة تم التعرف على المذهب الصفوي من منتسبيه على الشاشة على شط البحر قد يكون كان المشهد الخلفي من السنة الى الشيعة تحول و الضعوطات المصاحبة و كانت تجربة الكتابة على الموقع و تمادت الاديولوجيا بنفس المسار بين المذهبين يتصارعان بحدة الاصطفاف و التكتل و الاولويات بالتموقف مع من وجبت الاصطفافة و على مصالح جيوستراسية البناء بتلك المرحلة عليها و المسير طبعا و الاثر الكثير

  • mise de nuit
    الأربعاء 2 مارس 2022 - 08:37

    العقدين الاخيرين بما لهما دون كثير تعمق في التفصيل شهدا مقاربة طبية نفسية عصبية سلوكية تطول سرديات تنزيل كل تمفصلات المتابعة بالمقاربة بالعقدين بما وصما به و هي مقاربة حربية متقدمة التقارب كمثال تعاطي الجنود اقراص وقف البراز لمواصلة الحرب و اخرى للتغوط و اقراص للنوم و ضده كمثال اما ميدان الارهاب الداعشي و رعب الارهاب الحقيقي صاحبه انزال كتفنيد موازي للتسليح مخدرات صلبة للدواعش بجودة عالية و بوفرة افقدت الاسعار و كعودة على الشيخ بوخبزة اضطرته ظروف اللمز و الايذاء بالعقدين و ظروف التضييق بهما و الاتهامات المتطرفة و على غيره من مقامه و كل المسلمين زيادة على تلبيد الاعلام بالتغليف و التلبيد بطعون النكوص و التزمت اضطره الافراط في الازعاج الغير منقطع و المنع اللجوء الى النفسانيين بالنصيحة فوصفوا له اقراص نوزينان الشهيرة بعلاج التصورات الخيالية و توهم الاشياء و تهيئها و سماع اصوات غريبة و كل ما يجعل من الانسان مهما يكن تافه بحق لكن و كل الايذاء لا يعلو على حقيق واقع الشيخ و من عرف الشيخ عن معرفة بمستقصى المعرفة على ان الاحاطة لا تحصى بالموضوع او لا يكاد بها الالمام

  • Amaghrabi
    الأربعاء 2 مارس 2022 - 10:56

    مع الاسف الخوف سيطر على الافراد وعلى الجماعات وعلى الدول مما جعل البشر في حرب دائمة منذ ظهور هذا الكائن البشري فوق هذه الارض السعيدة.اليوم لماذا نرى تكلات الدول لها ايديولوجية معينة تستعد على الدوام لتهزم تكلا تراه يهددها باديولوجية مختلفة وتحاول ان تحاصره في عقر داره.اليس هناك عقلاء في عالمنا يفهموا ان القضية الاساسية في هذا الكون هو العيش المشترك وايجاد الطعام لكل ساكن فوق الارض؟الانسان لا يحتاج الا الى العيش الكريم وبالتالي فلماذا ضياع الاموال الطائلة في التسلح واسلحة المار وتسويق الاسلحة الى الدول المتخلفة لتتحارب فيما بينها حتى اصبحت اليوم الدول العظمى هدفها هو الاستلاء على الاسواق في الدول الفقيرة والنامية من اجل ان تبيع لها اسلحتها التي ترهق ميزانية الدول الفقيرة وذلك على طهور مصالح الشعوب المقهورة.والله كما قال الشاعر المعري”والذي حارت البرية فيها ,حيوان مستحدث من جماد”هذا الانسان الاناني الطماع الذي حار فيه المعري اصبح على الدوام حيرة حينما تراه يبدع في المؤامؤات والعداواة والعمل الدؤوب من اجل الحروب وخلق بؤرا للتوتر رغم انه في كثير من الاحيان تراه يدعو الى التجمعات من اجل محا

  • اطير محمد
    الأحد 6 مارس 2022 - 09:26

    حين ارى مطالب روسيا وبوتين في أوكرانيا وأتذكر خريطة المغرب ، مغرب استقلال 1956 ، اشعر بالاختناق ،وبضيق التنفس ،وبانزعاج شديد ،،صحيح لا مجال للمقارنة لا جيوسياسيا ولا استراتيجيا ، ولا في قيمة ومستوى الجيران ، لكن يبقى المجال الاول للمغرب كسجن ابدي ، بلد كبير بجغرافيا ظالمة، لم يتكفل القدر بإنجازها ، فقط في ضعف لمضي ، انفلت الامر،لكن جاء وقت وحين لحظي لتصحيح الوضع وتفويت الفرصة والفرص على الاخرين،بالإرادة والاصطفاف الجيد والرويءة النيرة وضعف الاخرين ، وتجاوز الزمن لهم ، وتحمس وتضحيات الشعب المغربي العظيم ، تم حسم الامر على الارض ليبقى الحق في الدردشة من حين لآخر مع من سيطويهم التاريخ حتما، والخرائط تحددها قوة الشعوب وتمددها التاريخي الأصيل في الزمن وفي التربة ،وليس من نبت في ستينيات القرن الماضي هو من سيعلمنا الحكمة والمبادىء والحدود وبعض مصطلحات الكلام الفارغ الذي لا ذراع يسنده فقط النيف الطويل الذي ينبغي على الدوم أخذ الحذر منه والعمل على تجاوزه بالتنمية الصادقة في كل مجال وفي كل المجال لتقوية النسيج المجتمعي والحفاظ على وحدة الوطن الممتد والمتراخيي على المحيط ،اخبار الاخرين هناك ذكرى

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 3

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38 4

تفاصيل دعم النقل