24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

26/05/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
03:3205:1612:2916:0919:3421:04
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟
  1. دفاع الصحافي الريسوني: نتدارس إمكانية الطعن في قرار الاعتقال (5.00)

  2. مقترح قانون ينقل تدبير الخدمات الصحية إلى الجماعات الترابية (5.00)

  3. نعوم شومسكي: أمريكا تتجه إلى الهاوية في عالم ما بعد "كورونا" (5.00)

  4. الشناوي: نيازك الجنوب المغربي تفك ألغاز وأسرار الكرة الأرضية (5.00)

  5. باحثة: المعتقد الديني يضع مواجهة وباء "كورونا" بين الشكّ واليقين (5.00)

قيم هذا المقال

1.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress
الرئيسية | فن وثقافة | ذكرى شيخ الروائيين الإسبان "سيرفانطيس" .. رحلة في عالم الأحلام

ذكرى شيخ الروائيين الإسبان "سيرفانطيس" .. رحلة في عالم الأحلام

ذكرى شيخ الروائيين الإسبان "سيرفانطيس" .. رحلة في عالم الأحلام

صادف يوم 22 أبريل الفارط من السنة الحالية (2020) الذكرى الـ404 لرحيل شيخ الروائيين الإسبان ميغيل دي سيرفانتيس، صاحب أشهر رواية في الأدب الإسباني "دون كيخوته دي لا مانشا".. هذا الرّوائي العبقري الذي طبع العالمَ الأدبي والرّوائي في إسبانيا على وجه الخصوص بطابعه الخاص، الذي لا ينازعه فيه أيّ مبدع آخر من طينته في هذا القبيل. (سيرفانتيس من مواليد 29 شتنبر 1547 بمدينة ألكالا دي إناريس (قلعة النهر) والمتوفىّ بتاريخ 22 أبريل بمدريد 1616).

احتفاليات وتظاهرات

كانت إسبانيا ومختلف الأوساط الأدبية في العالم الناطق باللغة الإسبانية قد احتفلت مؤخراً على أوسع نطاق بذكرى رحيل هذا المبدع الفريد؛ وذلك بتنظيم معرض فوتوغرافي كبير للفنان الإسباني خوسّيه مانويل نافيا تحت عنوان (ميغيل دي سيرفانتيس.. أو الرغبة في الحياة) أمكن لزوّاره أن يقفوا فيه على جميع الأماكن والمواضع أو الجهات والمناطق التي زارها سيرفانتيس أو عاش فيها أو صادفته فيها مختلف أنواع الظروف والملابسات التاريخية التي لها صلة بحياته، مثل وجوده في ليبانتو (خليج باتراس)، أو في الجزائر، أو نابولي، أو ألكالا دي إناريس، (قلعة النهر)، أو مدريد، أو طليطلة، أو في سهول وسهوب أرض "لا مانشا" حيث ينحدر هذا الاسم من الكلمة العربية (المنشأ)، قدّمت هذه الصور للزوّار في مقرّ معهد سيرفانتيس الثقافي بالعاصمة الإسبانية مدريد مختلف المعايشات التي عاشها سيرفانتيس في هذه الأمكنة، والتأثير البليغ الذي خلفه فيها من حيث خلق الأجواء والفضاءات التي لها صلة بروايته، فضلاً عن شخصيات هذه الرّواية وطقوسها أو بعض الأحداث التي نجدها فيها. وقد تمّ نقل هذا المعرض إلى العديد من المدن الإسبانية وبعض العواصم العالمية التي تُعنى بالثقافة الإسبانية.

عاش سيرفانتيس بمدينة فيالدوليد أو (بلد الوليد) في الفترة المتراوحة بين سنتي 1604 و1606، وفيها حصل على الامتياز الملكي لنشر الجزء الأول من روايته الشهيرة. كما عاش قبل ذلك في مدينة طليطلة، حيث تعرّف هناك عام 1584 على المرأة التي ستصبح زوجته وهي كاتالينا دي بالاثيوس التي لم يكن عمرها يتجاوز بعد 19 ربيعاً، في هذه المدينة الفريدة التي عرفت معايشات نموذجية بين الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام إبّان الوجود الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية.

عاش سيرفانتيس إلى جانب زوجته في منزل أحد أقاربها، الذي كان يحمل اسم (ألونسو كيخادا دي سالاثار)؛ وهو الاسمُ و- على ما يبدو أيضاً- الطبعُ كذلك اللذان استوحي منهما الكاتب المادة الخام لتشكيل وصياغة شخصية بطله في روايته دون كيشوت.

سيرفانتيس وشكسبير

وتجدر الإشارة إلى أنه تصادف الاحتفال بمغيل دي سيرفانتيس خلال عام 2016 باحتفال الأوساط العالمية كذلك بعبقريّ آخر في الإبداع السردي والخلق الأدبي وهو وليم شيكسبير الذي كان قد صادف ذلك العام أيضاً الذكرى الـ400 لرحيله، حيث تمّ الاحتفال في كل من إسبانيا وإنجلترا بهذا الحدث الأدبي الكبير، وتمّ تسليط الأضواء على وجه الخصوص على التأثيرات العميقة التي أحدثتها أعمال هذين العبقريين العالميين في الآداب العالمية، كما تمّ في العديد من المناسبات قبل هذا التاريخ دراسة نصوصهما الإبداعية وتحليلها من طرف المتخصّصين في كل من إسبانيا وإنجلترا، ومعروف أنّ تأثيرهما وصورتهما قد أصبحتا أمراً مألوفاً ومعروفاً في الأدبين الإسباني والإنجليزي منذ سنين بعيدة خلت، وكان قد تمّ بهذه المناسبة اختيار اثني عشر كاتباً معاصراً 6 من الناطقين باللغة الإنجليزية، و6 آخرين من الناطقين باللغة الإسبانية، كُلِّف كلّ واحد من هؤلاء بكتابة نصّ دراسيّ نقديّ وتحليليّ لتسليط الأضواء على الأعمال الأدبية لهذين الكاتبين العملاقين؛ وذلك بهدف تتبع ورصد واقتفاء، وإظهار تأثيرهما في العالم، حيث غالباً ما تعود الشخصيات الأدبية من الناطقين باللغة الإنجليزية إلى أعمال سرفانتيس، في حين يتمّ الرجوع إلى شكسبير من طرف الشخصيات الأدبية من الكتاب الناطقين بالإسبانية. وقد أصدر هؤلاء الكتّاب كتاباً يضمّ هذه الأعمال في طبعة باللغة الإسبانية، وطبعة أخرى في اللغة الإنجليزية.

رحلة في عوالم الأحلام

رواية الكاتب الإسباني العالمي ميغيل دي سيرفانتيس ذائعة الصّيت "دون كيخوته دي لا مانشا" نالت إعجاب عباقرة الأدب وفرسان الإبداع العالمي مثل غوته وروسّو وفلوبير ولاروتشي وهين وكوتيير وتين وكونديرا ورولفو وغارسيا ماركيز وباشيكو وبورخيس وميغيل أنخيل أستورياس، والقائمة طويلة. كما كان لهذه الرّواية تأثير بليغ وواسع في الآداب العالمية على اختلافها، وكانت ولا تزال محطّ عناية واهتمام الدارسين والنقّاد منذ صدورها حتى الآن. ومن بين هؤلاء الباحث والقاصّ المكسيكي هيرنان لاسابالا الذي وضع عنها كتاباً مهمّاً تحت عنوان "الحكايات في دون كيخوته" عالج فيه جوانب الحبّ في مختلف أشكاله، والحريّة في معناها الواسع، والخيال المجنّح الطليق.

يتّسم نصّ لاسابالا بالثّراء والتنوّع والعمق، وهو يتطلّب تعدّدية لا حصر لها من القراءات، وقد سلك الباحث عند دراسته لرواية سيرفانتيس أسلوباً نقدياً تحليلياً يعتمد على المقارنة، وتتبّع مختلف القصص والروايات والطرائف والأخبار التي حيكت حول هذه الرواية.

يشير الباحث المكسيكي إلى أنّ رواية سيرفانتيس تقوم في الأساس على ثلاثة محاور أو أبعاد أساسية هي: الحب ّ، الحريّة .الخيال. وهي العناصر التي طبعت حياة بطل الرّواية التائه المتجوّل الهائم على وجهه في قرى ومداشر وضيع قشتالة، في مكان لا يريد أن يتذكّره وهو "لامانشا" (المنشأ).

هناك العديد من النظريات التي تُحاك حول أخبار رواية "دون كيخوته"، وحول مؤلّفها ميغيل دى سيرفانتيس ساهافيدرا. من الادّعاءات التي تروج في هذا السّبيل حول هذه الرّواية أنها لا يمكن أن تكون سوى عمل مسيحي جديد، إذ كما هو معروف فإنّ رودريغو دي سيرفانتيس والد الرّوائي كان جرّاحاً وتلك هي المهنة التي يمتهنها المرتدّون حديثاً. أضف إلى ذلك عنصراً آخر وهو أنّ مؤلّف "دون كيخوته" كان يعشق امرأة كانت تسمّى أنا رودريغو دي روخاس، التي تنحدر من أصل فيرناندو دي روخاس؛ وهو يهودي مرتدّ كذلك، صاحب الرّواية الشهيرة في الأدب الإسباني "لا ثيليستينا". ومن المدافعين عن هذه النظرية الناقد المستعرب والمؤرّخ الإسباني المعروف أمريكو كاسترو، وهكذا يلجأ المؤلف المكسيكي إلى اختيار أمريكو كاسترو كأوّل مصدر في كتابه للإشارة، والاستدلال على تداخل الروايات أو الحكايات في "دون كيخوته". وهناك من يقبل بهذا التداخل، كما أنّ هناك من يرفضه مثل المؤلف سابالا نفسه الذي يلجأ إلى البحث والتحرّي عن الصلة الداخلية بين مختلف الفصول وبين المجموع ككلّ.

إشارات عربيّة

يتتبّع المؤلّف في هذا القبيل "الفهرس التحليلي" للرّواية الذي وضعه "خورخي بارغوا" الذي جمع فيه قصصاً وروايات وحكايات قصّة سيرفانتيس، حيث يشير بارغوا في البداية إلى أنّ "دون كيخوته" نشر لأوّل مرّة على مرحلتين أو دفعتين اثنتين الأولى (1605) في مدريد، وقد أعيد طبعه في العام الواحد خمس مرّات، ثم جاءت ترجماته إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية فضلاً عن 16 طبعة جديدة.

ويشير لاسابالا إلى أنّ النجاح مثل العسل يجلب الذباب، إذ في عام (1614) ظهر ما أطلق عليه بـ "دون كيخوته " المزوّر، الذي شكّل تكملةً أو استمراراً لمغامرات "الفارس المتجوّل النبيل" ظهر في مدينة طرّاغونة وكان يحمل توقيع ألفونسو فيرنانديث دي أفيانيدي.

وكان سيرفانتيس منهمكاً في كتابة الجزء الثاني الذي يكمّل روايته الحقيقية ويعجّل باستكمالها، حيث ظهر هذا الجزء منشورا سنة (1615) أيّ بسنة واحدة قبل وفاته. ويعترف المؤلف لاسابالا بأهمية المعلومات التي قدّمها "بارغوا" في هذا القبيل، حيث نراه يعتمد على تحليلاته الأدبية والتاريخية. كما أنّ المؤلف المكسيكي يلجأ في الوقت ذاته إلى تتبّع كافة الأخبار والنظريات المتعلّقة بالتأثيرات المتداخلة والمتشابكة في كتاب "دون كيخوته"، ويقدّم في هذا الصدد وجهات نظر متعدّدة أخرى حول هذا الكتاب الذي يعتبره من أكثر الكتب قراءةً في العالم. ولإعطاء مثال على ذلك، نجد المؤلف يسرد مصدراً آخر لرواية سيرفانتيس وهو كتاب "أسير الجزائر". ويؤكّد من جهة أخرى التأثيرات العربية في رواية سيرفانتيس، حيث تكثر وتطفو على سطح هذه الرّواية العديد من الأسماء والأخبار والأماكن والحكايات والعادات والتقاليد والأعراف العربية؛ بل حتى مؤلفها ميغيل دي سيرفانتيس يعيد ويكرّر فيها اسما عربيا أو أمازيغيا موريسكي وهو "سيدي أحمد ابن الأيّل" (حسب المستشرق خوسّيه أنطونيو كوندي والباحث عبد الرّحمن بدوي)، أو "سيدي أحمد بن برنجل " وهو اسم عائلة أندلسية من دينية " (حسب المرحوم الدكتور محمود علي مكّي). وقد ورد هذا الاسم في رواية دون كيشوت بحروفه اللاتينية كما يلي: (cid hamete benengeli). ونظراً لغموض بعض النّصوص، فإن سابالا يقول: إنه من الصّعب مثلاً قبول عدم الاكتراث الذي تعامل به مع "سورايدا" والدها (تحريف عن الاسم العربي ثريّا) بحجّة انصرافها إلى أرض المسيحييّن أو النصارى، فسورايدا تبدأ في سرقته ثم تغشّه وتسمح للآخرين بسرقته، وينتهي بها المطاف بالقرار المجحف، وتقبل بأن يصبح أبوها من الرهائن.

إنّ المؤلف لاسابالا في تحليله وتأويله لهذا العمل يرجع بنا إلى شكسبير (1546-1616)؛ ذلك أنّ تصرّف "مُورَا سُورايدا" يشبه بشكل واضح تصرّف "جيسيكا " مع أبيها "شايلوك " في مسرحية "تاجر البندقية " الفرق القائم في هذه الحالة هو أنّه استبدل المغاربة أو المسلمين باليهود.

أضغاث أحلام في المغارة

إنّ بطل قصّة ميغيل دي سيرفانتيس "دون كيخوته" قد تكون نتاج حلم من الأحلام التي تتراءى للنّائم في الكرى. كان الأقدمون يعتقدون أنّ الحلم إن هو إلاّ رحلة الأرواح خارج أسرها الجسد، و"دون كيخوته" عندما ينزل في مغارة "مونتيسينوس" فإنّما هو يقوم برحلة تمتدّ وتستمرّ في أحلامه، أين توجد الحقيقة، وأين يوجد الخيال في هذا الأمر.. ؟

إنّ موضوع الخلق أو الإبداع في الأحلام قد تعرّض له كثيرون منهم خورخي لويس بورخيس الذي يقول: "في الأحلام نبتدع بطريقة سريعة نخادع معها تفكيرنا، ونغالطها بما نحن بصدد ابتداعه". ويقول كذلك: "لا شكّ أنّ الأحلام عملية جمالية، بل إنها أقدم تعبير جمالي للإنسان"، فالظرف الإبداعي لدى "دون كيخوته" يتقوّى عنده بدخوله وانغماسه في حلم طويل في مغارة مونتيسينوس.

إن عنصر الحلم في عصر سيرفانتيس أمر معروف كمصدر أدبي وإبداعي، وهناك العديد من الأسماء الأدبية التي استعملت الحلم كمادة لإبداعاتها، وكمنهل لإنتاجاتها الأدبية مثل لوبيّ دي فيغا وفرانسيسكو كيبيدو وميدرانو وخوان كولونا وبيدرو دي طابلاريس وخوان أنييس وخيرونيمو دي لوماس وبورخيس نفسه، وقبلهم المعرّي وابن طفيل وابن عبد ربّه ودانتي... كل هؤلاء وسواهم جعلوا من الأحلام مواضيع لأعمالهم الأدبية، والفنّان الإسباني الكبير فرانسيسكو دي غويا كان يقول: "إنّ حلم العقل ينجب صوراً غريبة الخلقة".

ودون كيخوته نفسه يروي أنّه عندما كان نازلاً داخل المغارة شعر بنوم عميق. وعنصر الزّمن من الأهمية بمكان في الحلم، فساعة منه قد تساوي أيّاما، وهو الذي يؤكّد لرفيقه "سانشو": "لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال مقارنة شيء بشيء".. إنه بذلك كان يزرع بذور نظرية النسبية أربعة قرون قبل أينشتاين. فدون كيخوته في قصّة سيرفانتيس هو بطل وراوية في آن واحد. والكاتب في خضمّ خياله المجنّح يقف على أرض الواقع، أيّ أنه يبدأ بحادثة قد تكون حقيقية ليعطي لخياله نوعاً من المصداقية، المغارة ومحيطها السّحري والزماني هي في الوقت ذاته: المتاهة، الجحيم، أو العالم الآخر، كما يسمّيه "سانشو" هذه المغارة ليست أفقية، بل إنها عمودية، وعند نزول "دون كيخوته" فيها يعيد إلى الأذهان رحلات عشتار وجلجامش وابن عبد ربه ودانتي وأبي العلاء المعرّي.

إنّ دون كيخوته يجد في الأسفل أشياء تذكّره بما هو موجود في السّطح. إنّ البطل يدخل في قدر يقوده من الحمق إلى التعقل، أي من الحياة إلى الموت.

"أن تنام.. أن تموت"

يقول أحد أبطال شكسبير في عصر قريب من عصر سيرفانتيس: "أن تنام، أن تموت"، وهكذا يلتقي النوم مع الموت، ويفسّر ذاك بذاك؛ فدون كيخوته قد دخل في موت عابر، وحلو يناسب عصره ويتماشى مع زمانه، وبالتالي يمكن قراءته وفهمه واستساغته وقبوله كمخلوق من مخلوقات العالم الآخر، وهو في الجزء الثاني من الرواية يجعله سيرفانتيس يحضر جلسة من جلسات السّحر والتنجيم؛ فهو إذن مهيّأ ومتأهّب للدخول في عالم الأموات - مملكة الكثيرين- كما يسمّيه الأقدمون، والخروج منه، والمسافة تبدو بعيدة وسحيقة في الوهلة الأولى بين عالم اليقظة والحلم، أو بين عالم الأحياء والأموات، وهي في الواقع مسافة قريبة جدّاً، تصفها شاعرتنا العربيّة الخنساء في أعمق، وأبلغ، وأدقّ وصف مجسّدةً بذلك الشعورَ التراجيدي والدرامي المتناوش الضّارب في القدم، فتقول:

حَسْبُ الخليلين نأيُ الأرضِ بينهما / هذا عليها وذاكَ تحتها بالي.

وجاء البيت في رواية أخرى كما يلي :

حَسْبُ الخليلين كون الأرضِ بينهما / هذا عليها وهذا تحتها رِممَا.

إنّ نظرة "دون كيخوته" الزّائغة والضبابية في المغارة لها تفسير علمي لا محالة بعيداً عن خيال الإبداع وقوّته وزخمه؛ فالمغارة بنتوءاتها الجيولوجية الضاربة في القدم توحي بتركيب الأجسام وتشكيلها ببقايا الحيوانات الفوسيلية، والنباتات الفطرية المبللة العالقة بها منذ آلاف السنين والتي لا بدّ أنها قد تحلّلت فأنتجت مواداً كربونية عندما يستنشقها دون كيخوته يشعر بنوع من التسمّم يبدو أثره الأوّل في الشعور بالاسترخاء والرّغبة في النوم، فتتبدّد وتتبعثر الصّور أمامه، فيعتريه بعض الدّوار أو التخدير، وهذه الحالة يذكرها ويكرّرها دون كيخوته من أوّل القصّة إلى آخرها، وهو نفس الشعور الذي يصفه مكتشفو المغارات؛ فالبخار الكاربوني جعل "الفارس المتجوّل النبيل ببلاد المانشا" يفتح مغاليق العقل ويرخي لخياله العنان. ولا بدّ أنّ "دون كيخوته" خلال رحلته التقى ورأى في نومه العديد من الشّخصيات التي يذكرها في سياق مغامراته وشطحاته التي أذهلت وأخذت بمجامع وقلوب الملايين من القرّاء في العالم.

إنّ سيرفانتيس إذا لم يكن قد ثبت أنه قد زار ورأى مغارة مونتيسينوس، فلابدّ أنه عرف مغارات أخرى شهيرة توجد على مقربة من مدينة الجزائر عندما كان أسيراً بها والتي تجعل من يدخلها يشعر بنفس التأثيرات المذكورة.

ويرى الكاتب المكسيكي أليخاندرو أكوستا من جهته معلّقا على هذا الموضوع: أنّ سيرفانتيس في الواقع عندما كتب روايته الشهيرة، فإنّما هو ربّما كان يصف ويسترجع معايشات شخصية، فهو يتحدّث عن الأحداث كأنّه عاشها بالفعل، ولا بدّ أنه ظهرت له رؤى ومشاهدات انطبعت ورسخت في ذهنه وخياله فبسطها في قصّته.

ويشير الباحث إلى أنّ "دون كيخوته" تتوفّر فيه كلّ الشروط بأن يكون رائياً أو مشاهداً أو مبتكرَ أوهامٍ وأضغاث أحلام بقامته، وهامته، ووجهه المستطيل، الذي يذكرّنا ببيت ابن الرّومي المشهور، وعينيه الغائرتين، وحساسيته المفرطة، وطبعه الهائم، وميله للتعظيم والأنفة والخيلاء، إنّ حمقه اللحظي يتفجّر في حالةٍ من الحمق الدائم، ويتساءل الباحث: هل كان سيرفانتيس في حاجة إلى تنويم "دون كيخوته" ليريه شطحاته وخيالاته وأوهامه وهواجسه؛ في حين أنه قبل ذلك في جنح الليل أمكنه مشاهدة طواحين الرّياح العملاقة والعجيبة التي تدور وتدور بدون توقّف..؟!.

* كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم - بوغوتا- كولومبيا.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (10)

1 - محمد الخميس 21 ماي 2020 - 04:17
رجل أدبي وسياسي ولكن لم يستفيدوا منه الإسبان في زمانه، ملاحظة عامة حول النقاد الذين إعتكفوا على تحليل رواياته أرادوا أن يخرجوا أفكار ومضامين لم يكن سربانتس يعرفها أصلا ولن يعرفها ولو طال عمره، من درس التاريخ ثم قرأ عن حياة سربانتس يفهم الغرض من هذا التهويل، بل وصف البعض رواياته بقولة (لا يشبع منه العلماء)
2 - عمر الخميس 21 ماي 2020 - 04:21
كلما مررت من أمام مقر البعثات الاسبانبة ...أقرأ في لوحة "معهد سيرفانتس" تقصي صغير يفضي بي إلى أن الأمر يتعلق بكاتب ملحمي مشهور لدى الاسبان من طينة ويليام شكسبير لدى الانجليز . غير هذه المعلومة الفقيرة لا أعتبر نفسي أعرف شيئ عن هذا الكاتب " وجدت نفسي و عبر باب هذا المقال مدعو لتحميل أشهر كتبه "كيوته ديلامانشا" الحيرة من أمري أنني لا اعرف الاسبانية خصوصا القديمة . حملت نسختين عربية و فرنسية . الصفحات الاولى ستحدد لي أي طريق أسلك. مع العلم أن اللغة الأصلية تظل الروح الذي لا تستطيع أي ترجمة إيفاء حقه. شكرا هسبريس!
3 - mhamed Dz الخميس 21 ماي 2020 - 04:27
muchas gracias por publicar y traducir este artículo sobre un gran Romancero español Miguel cervantes q era capturado con algunos conquistadores gracias a la Marina otomana en Argelia y pasaba 5 años en el cárcel en Argelia q luego su gran obra artística será inspirada en este captura .el artículo era análisis bien detallada sobre el papel de las imaginaciones de don Quijote y el papel de la caverna inolvidable .Me recuerdo la obra filosófica de Platón el mundo del idealismo . Gracias hespres de lo antes por la publicación .
4 - الغزواني الخميس 21 ماي 2020 - 04:30
مقال رائع ينم عن عمق ثقافي وفكري جدير بالقراءة وفقك الله.
5 - Khalid الخميس 21 ماي 2020 - 04:52
كيف لنا ان تختفي باحد اعلام الادب العالمي و نحن نفتح الكازينوهات و الملاهي الليلية و في المقابل نغلق معهد السيرفانتيس للثقافة بطنجة و تجعله يعيش الحجر و الاغلاق لسنوات دون اي التفاتة من الجهات المسؤولة بطنجة
عيب. عار الثقافة شيء كبير علبنا
6 - كيوباسطوط الخميس 21 ماي 2020 - 07:11
كفاش "... الذي يذكرّنا ببيت ابن الرّومي المشهور، وعينيه الغائرتين، وحساسيته المفرطة ..."؟ هل يشير الى اسعد بعيد اخي نسك واسلام او ماذا؟
تحياتي ولعواشر مبرووكة.
7 - عذري مازغ الخميس 21 ماي 2020 - 07:44
هناك مقطع لبيت شعري عربي في الرواية هو: والأذن تعشق قبل العين أحيانا للشاعر العباسي بشار بن برد، وهذا الاقتباس لم يتناوله احد ربما لسياقه في الرواية حيث جاء كجملة استجابية في حوار بالرواية
8 - المغربي الخميس 21 ماي 2020 - 09:43
البارحة كانت ذكرى إستشهاد الملك المنصور محمد بن أبي عامر الذي فتح جميع الأندلس، ورفع الأندلس في علم إلى درجة لم يسبق لها مثيل.
9 - aziz الخميس 21 ماي 2020 - 11:53
مغيل دي ثربانتس سابدرا (Miguel de cervantes saavedra) المولود عام 1574 والمتوفى سنة 1616 مبدع الرواية البكر، في حقل الكتابة الروائية عالميا، اي انها من اوائل ما كتب في هذا اللون الكتابي على مستوى العالم (دون كيخوته) باختلاف الترجمات اذ هناك من يترجمها الى (دون كيشوت) التي عُدَّتْ رابعة اربع من اعاظم ابداعات القرائح وهي: الالياذة لهوميروس والكوميديا الالهية لدانتي، وفاوست جيته ... ترى اهي لمبدعها ثربانتس ام شاركه فيها سيدي حامد بن الجيلي العربي الاندلسي؟ اذا نجد اشارات كثيرة الى ما كتبه هذا الجيلي، او الايلي حسب ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي لهذا السفر الابداعي الثر، وبدوي مولع بالمخالفة، وله رأيه الخاص في النقل والترجمة.
10 - Khalid الخميس 21 ماي 2020 - 17:39
لو كان المقال يناقش خبرا تافه او يعرض صور مغنين و راقصات و ممثلين لراينا تعليقات لا حدود لها و لكن مادام الامر يتعلق بالثقافة الاصيلة فلا تستغرب
المجموع: 10 | عرض: 1 - 10

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.