تعد أزمة التعليم في المغرب من أعمق الأزمات في البلاد، بل أصبحت ستدعي ضرورة الاهتمام والبحث الجاد أكثر من غيرها من الأزمات، حيث تواجه البلاد تحديات كبيرة تؤثر على نوعية التعليم وفرص التعلم للشباب. والواقع إن هذه التحديات، في أصلها، راجعة بالأساس إلى غياب الإرادة السياسية الحقة لدى المسؤولين السياسيين، ما جعل المشهد التعليمي اليوم يبدو معتما، لدرجة أننا لم نعد نعرف أي تعليم ترغب فيه الدولة ؟ وإلى أين نسير بقطاع كان وما زال يشكل قطب رحى التطور والتقدم عند الأمم المتحضرة؟
والأكيد، عطفا على ذلك، أن وراء تعثر المنظومة التعليمية في المغرب مجموعة من العوامل والتحديات، نعرض لبعضها وأهمها في هذا المقال بما يسمح به المقام، مع اقتراح بعض السبل الكفيلة بتحقيق مدرسة وطنية عمومية قادرة على كسب رهان التطور من أجل مجتمع حداثي ديمقراطي عادل.
أولا – التحديات
1 – نقص التمويل : يعتبر نقص التمويل أحد أكبر وأهم التحديات التي تواجه التعليم في المغرب، بحيث إن الدولة لا تريد الاستثمار في هذا القطاع البتة، لأنها تنظر إليه من منظار توصيات المؤسسات المالية المانحة، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، باعتباره قطاعا غير منتج.
إن تأثير ضعف التمويل، في نوعية التعليم، في المغرب، وفي فرص الوصول إلى تعليم ذي جودة عالية ونوعية، يعد سببا رئيسا في اختناق واحتقان المنظومة التربوية والتعليمية المغربية على مدار أربعة عقود من الزمن أو يزيد. يبدو هذا واضحا على مجموعة من المستويات، جعلت الوزارات المتعاقبة تدخل في سلسلة من الإصلاحات التي تعبر بالملموس عن فشل توجهات واختيارات الجهات المسؤولة على القطاع. بين أهم مظاهر هذا الفشل، في بعده التمويلي، الضعفُ الكبير على مستوى توفر الموارد الأساسية في المدارس، والمؤسسات التعليمية، مثل الكتب والمعدات والبنيات التحية من أقسام ومرافق مصاحبة، ناهيك عن ضعف المناهج الدراسية المقررة، بما يؤثر سلبا على مستوى القراءة والكتابة والمهارات الأساسية الأخرى للتلاميذ والطلاب.
بالإضافة إلى ذلك، يظهر تأثير نقص التمويل في التعليم، على المساواة بين الطبقات الاجتماعية في الوصول إلى تعليم متكافئ ومتوازن، حيث إن للعوامل المالية دورا كبيرا في قدرة الأسر على تأمين فرص التعليم لأبنائها.
2 – التفاوت في جودة التعليم: يعاني النظام التعليمي في المغرب من التفاوت في جودة التعليم بين المناطق الحضرية والريفية، من جهة ، وبين التعليم العمومي والخصوصي من جهة أخرى.
والحق إن وراء هذه الفجوات الواضحة في جودة التعليم، بين مختلف المناطق في المغرب، عوامل عديدة: اقتصادية تتمثل في سوء توزيع الموارد والتمويل، واجتماعية، تتمثل في الوضع الاجتماعي والثقافي والجغرافي المتباين بين جهات المملكة المغربية، وكذلك عوامل تحفيزية، تتمثل في غياب الحافزية لدى المعلمين والمعلمات ، فضلا عن ضعف البنية التحتية التعليمية القادرة على خلق جاذبية لهذا القطاع. ومن ثم، فإن لهذا التفاوت تأثيرا واضحا على التلاميذ والطلاب ومستوى تحصيلهم الدراسي وفرصهم في الحياة العملية في المستقبل. إن سوء توزيع الموارد التعليمية، وغياب برامج تحفيزية لتعزيز جودة التعليم في المناطق المحرومة، يسهم بشكل كبير في تفاقم أزمة التعليم بالمغرب، ناهيكم عن أن جودة التعليم في بلادنا، تعرف تتفاوتا واضحا، حتى داخل المجال الحضري نفسه، نظرا للتمييز الحاصل بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، وهذا عطب ناجم بالأساس عن اختيارات سياسية تستوجب المراجعة وإعادة النظر فيها.
3 – تحديات التكنولوجيا: في عصر يتسم بالتطور التكنولوجي السريع، أصبحت التكنولوجيا شريكاً أساسياً في مجال التعليم. فقد أدخلت التكنولوجيا تغييرات جذرية على كيفية نقل واستيعاب المعرفة. لذلك بات من الضروري على الوزارة الوصية أن توفر البنية التحتية الضرورية لضمان استخدام التكنولوجيا في مجال التعليم، ذلك أننا ما نزال نعتمد في مؤسساتنا التعليمية، على الوسائل التقليدية، التي أصبحت متجاوزة اليوم، كالسبورة والطبشور والأقلام اللبدية والكتب المدرسية الورقية وغيرها من الوسائل المتقادمة.
إن من أهم الفوائد التي توفرها التكنولوجيا في التعليم اليوم، في الدول المتقدمة، هي الوصول إلى المعرفة بشكل أوسع وأسرع. فبفضل الإنترنت والأدوات التكنولوجية المتطورة، يمكن للتلاميذ الوصول إلى مصادر التعلم بسرعة فائقة، والتفاعل مع محتوى تعليمي متنوع من مختلف الثقافات والمجتمعات. فضلا عن أن التكنولوجيا تساعد على إيجاد بيئة تعليمية تفاعلية تشجع التلاميذ على المشاركة والتفاعل. فمن خلال استخدام التطبيقات المتاحة، والألعاب التعليمية، يمكن للتلميذ تعزيز مهاراته بطريقة ممتعة وشيقة، كما تقول بعض النظريات الحديثة، بل إن التكنولوجيا تمكن المدرسين من تكييف العملية التعليمية وفق احتياجات التلاميذ المختلفة، إذ من خلال استخدام البرامج والتطبيقات التعليمية المخصصة، يمكن تقديم محتوى تعليمي متنوع يتناسب مع مستوى وأسلوب تعلم كل تلميذ أو تلميذة، بما يساعد على تعزيز مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات لدى التلاميذ، من خلال توفير بيئة تعليمية تحفز على التفكير الإبداعي والاستقصاء والتجريب.
باختصار شديد، أقول إن من أهم التحديات التي تواجه تعليمنا اليوم، هو كيفية توظيف التكنولوجيا في التعليم باعتبارها خطوة حاسمة نحو تحسين عمليات التعلم وتحقيق أهداف التعليم في القرن الحادي والعشرين.
4 – التحديات اللغوية : يواجه نظام التعليم في المغرب العديد من التحديات اللغوية التي تؤثر على جودة التعليم وفاعليته، الشيء الذي يفرض على المسؤولين ضرورة التعرف على هذه التحديات وفهمها بعمق للتمكن من اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين الوضع.
ومن بين أهم الإكراهات التي تواجه مدرستنا المغربية، التنوعُ اللغويُّ، الذي يميز بلدا كالمغرب، والذي، على الرغم من إيجابياته الكثيرة، أضحى تحديا كبيرا في نظامنا التعليمي، حيث أصبحنا، كأساتذة مزاولين، نلاحظ أن استخدام التلاميذ لعدة لغات مختلفة في حياتهم اليومية (العامية، الأمازيغة، الفرنسية، لغة الشات)، يؤثر سلبا على تعلمهم وفهمهم للمناهج الدراسية. ناهيك عن الفجوة القائمة بين اللغة المدرسية واللغة الأم في بعض المناطق الجبلية الأمازيغية أو الناطقة بالأمازيغية، حيث يجد التلاميذ صعوبة كبيرة في فهم المواد الدراسية التي يتم تقديمها باللغة الرسمية ، خصوصا في مرحلتي التعليم الأولي والابتدائي، مما يؤدي إلى تدني الأداء الدراسي، وزيادة معدلات الرسوب.
عامل آخر ينضاف إلى هذه التحديات اللغوية، يتمثل في التحديات اللغوية الثقافية والاجتماعية، بما تتضمنه من عوامل نفسية واجتماعية تؤثر مباشرة على عملية التعلم، مثل ضعف الدعم المجتمعي للتعليم، والتمييز اللغوي بين التلاميذ. فمن الآثار السلبية على نفسيات التلاميذ، بما يُضعف المردودية، هو تفوق أبناء الطبقة الميسورة على أبناء الفقراء، من حيث إتقانهم للغات الأجنبية المُدرَّسة، بسبب تعلمهم لها منذ الصغر، بسبب توفر الإمكانيات المادية، وهو ما لم يكن متاحا لأبناء الفقراء الذين يجدون أنفسهم، في الأخير، متأخرين جدا مع هؤلاء الأقران.
ثانيا – بعض سبل التطوير
1- وضوح الرؤية: ينبغي على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في اتخاذ قرار سياسي سيادي تاريخي، يعتبر التعليم قضيتنا الوطنية الأولى بعد الصحراء، بعيدا عن المزايدات السياسوية، وبعيدا عن تدخلات المؤسسات المالية المانحة، بما يعزز الإرادة الحقيقية والفعلية في أي إصلاح سنقوم به.
2 – مناظرة وطنية : انتهاج مقاربة تشاركية بين كل المتدخلين في العملية التعليمية والتربوية في البلاد، من خلال عقد مناظرة وطنية حقيقية، تحدد نوع التعليم الذي نريده في المغرب.
3 – الزيادة في التمويل : الإيمان المطلق بحقيقة أن التعليم قطاع منتج، ويجب الزيادة في الاستثمار فيه، مع ضرورة توجيه الأموال المرصودة له بفعالية وحكامة لتحسين بنية المدارس، وتوفير الموارد التعليمية اللازمة، وتجويد المنتوج التعليمي. والأكيد أن هذا الأمر يبقى مرهونا بزيادة الميزانيات المخصصة للتعليم، مع تحسين إدارة الموارد المالية المتاحة لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من المتمدرسين في التعليم بجودة عالية.
4 – التكنولوجيا وسيط أساس : ضرورة استخدام التكنولوجيا في التعليم بما يعزز التعلم الذاتي ويشجع على التفكير النقدي وحل المشكلات، ويمكِّن الطلاب من الاستفادة من البرامج التعليمية التفاعلية، وتعزيز التواصل والتعاون بين التلاميذ والأساتذة، سواء داخل الفصل الدراسي أو عبر الشبكات الاجتماعية والمنصات التعليمية عبر الإنترنت.
5 – برامج منتظمة لتدريب الأساتذة : ضرورة توفير برامج تدريب نوعية ومستمرة للأساتذة والأستاذات، في الأسلاك الثلاثة، لتحديث مهاراتهم وتعزيز قدراتهم التعليمية.
6 – تعزيز التعليم في المناطق النائية : يجب تطوير برامج خاصة لتعزيز التعليم في المجتمعات الريفية، مع تقليل التفاوت الحاصل بين المناطق والجهات، من خلال اتخاذ تدابير فعالة، وتوجيه الجهود نحو تطوير نظام تعليمي شامل، يُمكِّن المغرب من تحقيق تقدم في مجال التعليم، ويُمكِّن الشباب من تحقيق إمكانياتهم الكاملة.
في النهاية، أقول إن التغلب على التحديات المستشرية في التعليم في المغرب، يتطلب جهودا مشتركة من قبل الحكومة والمؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي والمدني لضمان توفير بيئة تعليمية شاملة ومنصفة لجميع المتمدرسين والمتمدرسات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.