إقالة وزير أو وزيرة

إقالة وزير أو وزيرة
صورة: أرشيف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 11:41

إقالة وزير أو وزيرة: حين تتحول المسؤولية الحكومية إلى سؤال عن الكفاءة والمحاسبة!

ليست إقالة وزير أو وزيرة مجرد إجراء إداري عابر، ولا ينبغي أن تمر باعتبارها تفصيلاً صغيراً في تدبير الشأن الحكومي؛ إنها، في بعض الحالات، لحظة سياسية كاشفة تضع أمامنا أسئلة محرجة عن معايير اختيار المسؤولين، وعن مدى استيعاب الأحزاب والمؤسسات لخطابات عاهل البلاد، وعن جدية الالتزام بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فما جدوى الخطب والتوجيهات الملكية إذا ظلت الممارسة السياسية عاجزة عن ترجمتها إلى سلوك مؤسساتي مسؤول؟

إن اختيار الوزراء ليس مكافأة حزبية، ولا امتيازاً يمنح على أساس الولاء أو التوازنات أو الحسابات الانتخابية الضيقة. إنه تكليف وطني يفترض الكفاءة والنزاهة والتجربة والقدرة على تدبير قطاع من قطاعات الدولة. ومن ثم، فإن فحص السير الذاتية للمرشحين، والتدقيق في مساراتهم المهنية والسياسية، وتقييم مؤهلاتهم الفعلية، ليست إجراءات شكلية يمكن تجاوزها تحت ضغط التوافقات، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تسبق التعيين ولا تأتي بعد وقوع الخطأ.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف يصل شخص إلى موقع المسؤولية الوزارية، ثم تنتهي التجربة إلى إقالته في ظروف تستدعي المساءلة؟ هل يتعلق الأمر باختلال في التقدير عند الترشيح؟ أم بضعف في آليات المراقبة والتقييم؟ أم بأن بعض الأحزاب ما زالت تنظر إلى المناصب الحكومية باعتبارها حصصاً تفاوضية، لا مسؤوليات تقتضي الاستحقاق؟

إننا لا نصدر أحكاماً على أشخاص، ولا نختلق وقائع لا نملك بشأنها معطيات مؤكدة؛ لكننا نرفض أن تتحول الإقالات إلى نهايات صامتة، تُطوى معها الملفات، وتُنسى الأسئلة، ويُترك الرأي العام أمام فراغ التفسير. فمن حق المواطنين أن يعرفوا، في حدود ما تسمح به القوانين والمعطيات الموثوقة، أسباب هذا القرار، وطبيعة الاختلالات التي استدعت اتخاذه، والجهات التي تتحمل مسؤولية الاختيار والتقييم والتدبير.

إلى رئيسة الحكومة، إذا كانت الإقالة المقصودة قد جرت في سياق حكومتكم: فما الذي وقع بالضبط؟ وأين اختلت معايير الاختيار؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن هذه السابقة؟.

إن السؤال ليس موجهاً إلى رئيسة الحكومة وحدها، بل إلى الأحزاب التي رشحت، والمؤسسات التي قيّمت، والجهات التي زكّت، وكل من اعتقد أن الوصول إلى المنصب هو نهاية المساءلة، لا بدايتها. فالمسؤولية لا تبدأ يوم يتسلم الوزير حقيبته فحسب، بل تبدأ منذ اللحظة التي يُقترح فيها اسمه، وتستمر طوال مدة تحمله الأمانة العامة الملقاة على عاتقه.

ولنكن واضحين: ليست العبرة في أن يُقال وزير أو وزيرة، وإنما في أن نعرف لماذا وصل إلى المنصب أصلاً، وما الذي تحقق خلال توليه المسؤولية، ولماذا انتهت التجربة إلى الإقالة إن كانت مرتبطة باختلال في الأداء أو تجاوز يستوجب المساءلة. أما إذا كانت الأسباب مختلفة، فإن احترام الحقيقة يقتضي توضيحها، حتى لا يتحول القرار إلى مادة للتأويل السياسي أو لتصفية الحسابات.

إن أخطر ما يمكن أن يقع في الحياة السياسية ليس خطأ مسؤول بعينه، فالأخطاء واردة في كل تجربة بشرية ومؤسساتية، بل أن يصبح الخطأ بلا تفسير، وأن تتحول المحاسبة إلى إجراء انتقائي، وأن تُختزل المسؤولية في مغادرة المكتب دون مساءلة سياسية واضحة عن أسباب الوصول إليه ومآلات التجربة..

لقد تعب المواطن المغربي من وعود الإصلاح التي تتكرر، ومن الخطابات التي ترتفع سقوفها بينما تظل الممارسة أحياناً دون مستوى الانتظارات. وهو اليوم لا يريد مجرد أسماء جديدة في مواقع قديمة، ولا تغيير الوجوه حفاظاً على صورة المؤسسات؛ بل يريد قواعد واضحة للاختيار، ومعايير معلنة للكفاءة، ومحاسبة عادلة لا تستثني أحداً.

ولذلك، ينبغي أن تتحول هذه السابقة، إن ثبت أن وراءها اختلالاً في الاختيار أو التدبير، إلى درس سياسي ومؤسساتي لكل المتورطين في إنتاجها، لا إلى حادثة عابرة تُستهلك إعلامياً ثم تُنسى. درسٌ مفاده أن المنصب العام ليس ملكاً لحزب، ولا غنيمة انتخابية، ولا فرصة لاختبار الكفاءة على حساب مصالح المواطنين.

فالخطب لا تُقاس بحرارة التصفيق لها، وإنما بمدى تحول مضامينها إلى قرارات وممارسات. والمؤسسات لا تثبت جديتها بكثرة شعارات الإصلاح، بل بقدرتها على منع الاختلال قبل وقوعه، ومحاسبة المسؤول عند ثبوته، وتفسير القرارات للرأي العام حين تستدعي المصلحة العامة ذلك..

إننا لا نطلب إقالة من أجل الإقالة، ولا نطالب بالإدانة قبل التحقق؛ إننا نطالب بالوضوح، وبالمسؤولية، وبحق المواطن في معرفة ما يجري باسمه ومن أجل مصلحته.

فيا رئيسة الحكومة، ويا أحزاب الأغلبية والمعارضة، ويا كل من يطمح إلى تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام: إن المغرب لا يحتاج إلى مسؤولين يصلون إلى مناصبهم ثم نكتشف متأخرين حدود كفاءتهم، بل يحتاج إلى مؤسسات تحسن الاختيار قبل التعيين، وتراقب الأداء أثناء المسؤولية، وتكشف الحقيقة عند انتهاء التجربة.

ذلك هو الدرس الذي ينبغي أن يبقى: لا حصانة سياسية ضد السؤال، ولا منصب فوق المحاسبة، ولا إصلاح حقيقياً من دون شفافية. أما المواطن، الذي يدفع ثمن الاختلالات من ثقته ومستقبله، فلم يعد يقبل أن يُطلب منه التصفيق للخطاب، ثم الصمت أمام الممارسة..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 3

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب