مقدمة:
تراهن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على بناء المدرسة العمومية الرائدة من خلال ستة محاور للتطوير؛ فأما المحوران الأول والثاني، فمتعلقان بالتلميذ، ويراد بهما التأسيس لممارسات صفية ناجعة لتفادي التعثرات المحتملة، وتقديم الدعم التربوي لتجاوز التعثرات المتراكمة؛ وأما المحوران الثالث والرابع، فيُهِمّانِ الأستاذ من حيث العمل على تكوينه تكوينا مستمرا ناجعا ذا فعالية، ومَدِّه بحقيبة بيداغوجية متكاملة؛ وأما المحوران الخامس والسادس، فلهما ارتباط بالمؤسسة التعليمية ككل، على أساس أن تكون مجهزة بالشكل المطلوب لتوفير الظروف الملائمة للاشتغال، إضافة إلى تحفيز الفريق التربوي العامل فيها.
وارتباطا بمحاور التطوير هاته، تضع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أربعة مشاريع خاصة بالمدرسة العمومية الرائدة، وهي: أولا، التدريس وفق المستوى المناسب الذي يُطلق عليه اختصارا TaRL (Teaching at the Right Level)، وذلك باعتباره مقاربة علاجية لتدارك التعثرات المسجلة في صفوف المتعلمين ودعم التعلمات الأساس لضمان التعلم للجميع؛ ثانيا، التدريس وفق مقاربة الأستاذ المتخصص من منطلق أنها مقاربة اختيارية تتوخى الاستثمار الأمثل لقدرات الأطر التربوية وميولاتهم؛ ثالثا، التدريس الناجع من حيث كونه مقاربة وقائية تمكن جميع المتعلمين من بناء متين للتعلمات، وذلك باعتماد استراتيجيات ومنهجيات ناجعة توفر للأستاذ والمتعلم جميع آليات وأدوات الاشتغال؛ رابعا، علامة الجودة، أي الرفع من نجاعة أداء المؤسسة التعليمية من خلال ترجمة رؤيتها إلى عمليات قابلة للأجرأة والتطوير المستمر وقياس الأثر.
هكذا سأقتصر في هذا المقال على مشروع التدريس الناجع، أو بالأحرى استراتيجية التدريس الناجع، لأن مصطلح “استراتيجية” أدق من مصطلح “مشروع” في هذا السياق. ومن ثم، سأحدد مفهوم التدريس الناجع، وبعد ذلك سأتحدث عن مبادئ التدريس الناجع، وعن التزامات الوزارة الوصية بشأنه ومحطات تنزيله، لكن قبل ذلك سأحاول الإجابة عن السؤال الآتي: لماذا المدرسة العمومية الرائدة؟ وذلك انطلاقا مما ورد في العرض الذي أعدته وزارة التربية الوطنية بعنوان: “رزنامة مشاريع بناء نموذج: المدرسة العمومية الرائدة”، لن أقف عند ركاكة هذا العنوان الذي جاء عبارة عن متتالية من “المضاف” و”المضاف إليه”، وإنما أستحضره هنا بمبناه من باب التوثيق والضبط، ولأنني قد عدت إلى مضامين العرض المشار إليه في أثناء الحديث عن مشاريع بناء المدرسة الرائدة، كما أنني سأعود إليه لاحقا.
لماذا المدرسة العمومية الرائدة؟
يبدو واضحا أن بناء المدرسة الرائدة يقتصر على المؤسسة التعليمية العمومية دون الخصوصية في أدبيات وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وهذا اعتراف ضمني بأن التعليم الخصوصي في المغرب يعرف بعض النجاحات على مستوى جودة التعلمات والمخرجات، عكس التعليم العمومي الذي ما يزال دون المتوسط على مستوى مؤشرات الجودة من جهة، والتصنيف ضمن نتائج الدراسة الدولية حول القراءة PIRLS-2016، ونتائج الدراسة الدولية حول الرياضيات والعلوم TIMSS-2019 من جهة أخرى. ولقد ورد في العرض المشار إليه أعلاه أنه بناء على نتائج روائز TaRL بخصوص المستوى الخامس من التعليم الابتدائي، فإن نسبة 23% من التلاميذ فقط يستطيعون قراءة نص مكتوب باللغة العربية من 80 كلمة، ونسبة 30% يستطيعون قراءة فقرة بسيطة مكتوبة باللغة الفرنسية من 16 كلمة، ونسبة 13% يستطيعون إنجاز عملية قسمة بسيطة.
هذه الأرقام والنسب الصادمة وغيرها، جعلت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تسعى إلى تحقيق نسب تفوق 70% من المتعلمين المتحكمين في التعلمات الأساس، خاصة القراءة والكتابة والحساب، وذلك عبر بناء المدرسة الرائدة انطلاقا من خارطة الطريق 2022-2026 التي تتضمن 12 التزاما متمحورا حول التلميذ والأستاذ والمؤسسة التعليمية بنسب وأشكال متفاوتة.
مفهوم التدريس الناجع:
يعد التدريس الناجع من ثمار البحث في مجالي القراءة والرياضيات، لذلك تم تطبيقه في البداية على الرياضيات والقراءة والقواعد والعلوم، وأيضا على التاريخ. وكيفما كان الحال، فاستراتيجية التدريس الناجع مُناسِبة للمعارف التي يمكن تقسيمها إلى مضامين جزئية.
ولعل التدريس الناجع ماكرو-استراتيجية توجه عمل المدرسين، خاصة فيما يتعلق بتدريس القراءة. وتوجد ضمنها استراتيجيات تسيير الفصل الدراسي مثل استخدام قواعد ومبادئ القسم التي يجب احترامها لتحسين الدافعية والحافزية، وأيضا بعض الممارسات التي تؤدي إلى تعزيز العمل الجماعي وتقويته. هناك أيضا استراتيجيات مرتبطة بالعملية التعليمية-التعلمية مثل التغذية الراجعة، والنمذجة، وتقييم التعلمات وغيرها.
ولقد أكدت بعض البحوث والدراسات أن دمج هذه الاستراتيجيات وغيرها خلال الممارسة الصفية تجعل المدرس ناجحا. ولعله بفضل توليف نتائج البحوث المتعلقة بتدريس القراءة والكتابة والرياضيات، تم تحديد هذه الاستراتيجيات التعليمية التي كانت لها نتائج إيجابية ومتقاربة في صفوف المتعلمين الذين يعانون صعوبات التعلم.
ويتم استخدام التدريس الناجع بشكل فعال في الرياضيات، حيث يبدأ المدرس بالتذكير بالمعارف السابقة المرتبطة بالدرس، وينشط الحصة بتقديم بعض المعطيات المتدرجة الصعوبة بشكل تصاعدي. إن المدرس الناجح يشرح باستمرار، ويعطي أمثلة، ويُعِدُّ المتعلمين لاستقلالية الممارسة، كما يتابع ما ينجزونه في أثناء ذلك.
مبادئ التدريس الناجع:
هناك عشرة مبادئ للتدريس الناجع أوردها كما يلي:
1- المراجعة اليومية: تقوي الربط بين مختلف المضامين التي تم التطرق إليها. ولعل التذكير التلقائي بالمعلومات من قبل المتعلم يحفز ذاكرته على المدى القصير، ولا سيما خلال إنجاز الأنشطة التي يراد بها حل المسائل والتعامل مع بعض الوضعيات، كما أنه يحرر طاقاته الإبداعية.
2- تقديم المادة الجديدة عبر مراحل: إن الذاكرة المرتبطة بالعمل والإنجاز محدودة، لأنه لا يعلق بها سوى معلومات قليلة في كل مرة. وهذا يقتضي ضرورة تفادي شحنها بكم كبير من المعلومات. لذلك يُستحسن إضافة معلومات جديدة بعد تقديم المادة المُدَرَّسة بشكل تدريجي، والتحقق من استيعابها من قبل المتعلم.
3- طرح الأسئلة: يقضي المدرس الناجح أكثر من نصف حصة الدرس في الشرح، وفي طرح الأسئلة على المتعلمين. وهذه الأسئلة الدائمة والمستمرة تتيح للمدرس تتبع مستوى تطور الفهم والاستيعاب.
4- إعطاء أمثلة ونماذج: إن التلاميذ في حاجة إلى الدعم المعرفي من أجل مساعدتهم على تعلم المضامين الجديدة. ولتحقيق هذا الدعم يمكن للمدرس أن يستعين بالنمذجة من خلال إعطاء أمثلة كأنه يفكر بصوت مسموع، وذلك ليتمكن المتعلمون من فهم المبررات التي تقف وراء التدخلات والأنشطة المقترحة.
5- الممارسة الموجَّهة: إن المتعلم في حاجة إلى بعض الوقت من أجل إعادة صياغة المعلومات الجديدة وتركيبها بشكل يجعلها تستقر في ذاكرته على المدى الطويل. لهذا فإن المدرِّس الناجح يخصص وقتا مهما للممارسة الموجَّهة.
6- التحقق من الفهم: بعد كل عملية تعليمية، يعمل المدرس على التحقق من الفهم الفردي لدى كل متعلم لكل مرحلة من مراحل هذه العملية، وقد يلجأ إلى الممارسة الموجَّهة عند الضرورة.
7- السعي إلى تحقيق نسبة نجاح مرتفعة: إن بلوغ تعلم أمثل يقتضي أن تكون نسبة نجاح التلاميذ في أداء المهام المرتبطة بهذا التعلم في حدود 80%. وبهذا الشكل يمكن للمتعلم أن يدرك كيفية التعامل مع التحديات المثيرة والواقعية.
8- تقديم المساعدة بخصوص المضامين المعقدة: إن مساعدة المتعلمين من خلال الاستعانة بدعائم محددة هو دعم مؤقت للتعلم. ومن الأمثلة على ذلك: لجوء المدرس إلى النمذجة، أو التذكير بما سبق عبر وسائط بصرية، أو تقديم لائحة للمتعلمين لوضع علامات عليها.
9-استقلالية الممارسة: تساهم استقلالية الممارسة في ترسيخ التعلمات وجعلها تلقائية، مما يؤدي إلى تحفيز ذاكرة العمل وتحريرها.
10-المراجعة كل أسبوع، وكل شهر: إن بذل المجهود من أجل تذكر معلومة تم استيعابها في وقت قريب، يساعد على ترسيخ هذه المعلومة في الذاكرة على المدى البعيد. وكلما استمر هذا التمرين المتعلق باستعادة وتذكر هذه المعلومة، أصبح من السهل الربط بينها وبين المفاهيم والمعلومات اللاحقة.
التزامات الوزارة الوصية بشأن التدريس الناجع، ومحطات تنزيله:
هناك أربعة التزامات وثلاث محطات حددتها وزارة التربية الوطنية بشأن التدريس الناجع؛ فأما المحطات، فهي: تكوين الأساتذة، وتطبيق استراتيجية التدريس الناجع، والإشهاد على التكوين خلال شهر دجنبر 2023؛ وأما الالتزامات، فهي: أولا، تنظيم تكوينات لفائدة الأساتذة لمدة 6 أيام خلال شهر يونيو 2023؛ ثانيا، تنزيل الممارسات الصفية الناجعة على امتداد الموسم الدراسي 2023-2024، وذلك من خلال توظيف عدة التدريس الناجع، وإرساء ميثاق تدبير الممارسات والتفاعلات داخل المؤسسة التعليمية؛ ثالثا، تقديم دروس تجريبية، وإعداد ملف تراكمي Portfolio ؛ رابعا، تقويم وتتبع ما تم إنجازه بشكل دوري.
خاتمة:
لقد اختارت الوزارة الوصية أن تراهن على استراتيجية التدريس الناجع، التي تعد إحدى ثمار البحث العلمي في تدريس الرياضيات والقراءة، والتي كان لها أثر إيجابي على مستوى التحصيل الدراسي لدى المتعلمين، خاصة في المجالين المذكورين. ولعل هذا الاختيار أملته النسب المئوية المتدنية للمتعلمين المتحكمين في التعلمات الأساس كما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه.
إنه رهان ليس بالهين، إذ إن كسبه يقتضي انخراط كافة المتدخلين في العملية التعليمية-التعلمية، وأيضا الأسر والشركاء، علاوة على توفير الظروف والشروط اللازمة لتنزيل هذه الاستراتيجية. فهل سيتحقق المراد في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع التربية والتعليم، لا سيما على المستوى الاجتماعي؛ وهنا أخص بالذكر سيل الاحتجاجات والاضرابات المتواصلة التي تخوضها إحدى الفئات المنتمية إلى هذا القطاع لتحقيق مطالبها التي رفعتها منذ ما يزيد عن 6 سنوات، وما تزال ترفعها؟
اعتقد استاذي المحترم ان الاصلاح الحقيقي الناجح مرتبط بالاقتصاد او بالمال فمن لا يملك الاموال الضرورية للاصلاح فهو ثرثار وحتى اصبح المربون والسياسيون والمصلحون ووو المغاربة عبارة عن ثرثارون يرسمون خططا للطرق الفعالة وينسون ان الدولة لا تملك الشرط الضروري والرئيسي لانجاح كل مشروع سواء كان تربوي او اجتماعي او صحي او ثقافي او رياضي اواو وبالتالي ففاقد الشيئ لا يعطيه.وهذا واضح جدا بحيث لماذا التجأت الدولة الى نظام التعاقد وهو وسيلة فاشلة تفشل المدرسة والمدرسين وهم اساس نجاح التعليم قبل ان نفكر في الاشياء الاخرى سواء كانت تربوية او علمية او او.اعتقد انني انصح دولتي ان تمارس سياسة التقشف في كثير من الاشياء الغير الضرورية فمثلا التخلي عن المستشارين او تقليص العدد الى اقل من 50 عضو والبرلمان لا يتعدى 100 عضو والتخلي عن اللجن المتغيرة والتي تعمل باستمرار لاصلاح التعليم والاقتصار عن لجنة دائمة يقودها موضفون ميدانين كمفتشي التعليم لمراقبة التعليم واصلاحه وتقديم الملاحظات التقريرات للوزارة باستمرار او سنويا لاتخاذ قرارات الاصلاح عن طريق الحكومة والبرلمان اما تبذير الاموال بانشاء فرق سياسية لاصلاح
الأستاذ المحترم ربما لم ينتبه أن مجمل الاستراتيجيات التي تروم إصلاح المنظومة التعليمية و البحث عن جودة التعلمات هي نفسها من تزيد في إرهاق التعليم بالمغرب .
لننظر إلى المحطات السالفة التي أرادت حلحلة المشاكل التي وقفت سدا منيعا أمام انعتاق التعليم
كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع إلى درجة أن المدرسة المغربية أصبحت تنتج أفواجا من العاجزين .
إن وضع الوسائل و الاستراتيجية و التكوينات التي تحدث عنها الأستاذ هي في حقيقة الأمر بابا عريضا يحاول الكثيرون الاختباء وراءه لدرء الفشل
أرى الأستاذ المحترم من خلال عرضه أراد أن يتقمص دور الواعظ و المرشد .إلا أنه للأسف تزامن عمره الاداري مع العديد من الوعاظ و المصلحين و( الأنبياء ) الذين يأكل بعضهم بعضا و ( يكفر ) بعضهم بعضا . و كل من أراد المزاحمة في السلم اللاداري من أجل تحسين الوضع و الكسب المادي .
و سيبقى التعليم ببلادنا بين أيدي المصلحين و الوعاظ و ( النبيئين) .كل يدافع عن عقيدته و الدعاية لها في المحافل و الاجتماعات و التفارير و المؤلفات و ( المصاحف) و لو أنه يعلم أنه لا يؤمن بعقيدته التي يؤطر لها و يدعو إليها و يحاسب من ألحد بها….