التلفزيون المغربي...

التلفزيون المغربي...
الخميس 20 غشت 2026 - 14:48

الاستثمار في المحتوى لا يقاس بالكلفة وحدها

يتجدد النقاش، مع كل موسم تلفزيوني، حول الميزانيات المرصودة للإنتاجات التلفزيونية المغربية، ويشتد هذا النقاش بشكل خاص خلال شهر رمضان، بالنظر إلى حجم الإنتاجات التي تعرضها القنوات الوطنية والإقبال الجماهيري الكبير عليها.

ولا شك أن مناقشة طرق تدبير الموارد المالية المخصصة للإنتاج التلفزيوني أمر مشروع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالإعلام العمومي. غير أن اختزال هذا النقاش في حجم الميزانية وحده يظل قراءة محدودة لطبيعة الصناعة التلفزيونية وللدور الذي يمكن أن يؤديه المحتوى المغربي في الاقتصاد والثقافة والإشعاع الوطني.

فالاستثمار في الإنتاج التلفزيوني لا ينبغي أن يُقاس بالكلفة وحدها، وإنما بالقيمة التي ينتجها هذا الاستثمار، سواء من حيث جودة الأعمال، أو حجم الجمهور، أو فرص التشغيل، أو القيمة الإعلانية، أو الأثر الثقافي، أو قدرة المحتوى المغربي على الوصول إلى المنصات الرقمية والأسواق الخارجية.

المحتوى في قلب التحول الإعلامي

ينبغي قراءة مستقبل التلفزيون المغربي ضمن التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة في مجالات الثقافة والصناعات الإبداعية والإعلام والاقتصاد الرقمي، وفي إطار الرؤية الملكية التي تجعل الثقافة والرأسمال البشري والإبداع والإشعاع المغربي عناصر أساسية في التنمية وتعزيز القوة الناعمة للمملكة.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء قطب إعلامي عمومي قوي لا يمكن أن يقتصر على تدبير شبكات البرامج، بل يتطلب الانتقال إلى مفهوم أكثر تطوراً يقوم على صناعة المحتوى المغربي القادر على المنافسة.

فالمغرب يتوفر على طاقات إبداعية ومهنية مهمة في مجالات الكتابة والإخراج والإنتاج والتمثيل والتقنيات السمعية البصرية، ويحتاج إلى منظومة إنتاج قادرة على تحويل هذه الطاقات إلى أعمال ذات جودة عالية، قادرة على مخاطبة الجمهور المغربي، والوصول إلى الجالية المغربية، والحضور في العالم العربي وإفريقيا، والاستفادة من الفرص التي توفرها المنصات الرقمية.

إن الاستثمار في المحتوى أصبح اليوم جزءاً من الاستثمار في صورة المغرب وحضوره الثقافي والإعلامي.

الإنتاج التلفزيوني ليس دعماً سينمائياً

ومن الضروري أيضاً التمييز بين تمويل الإنتاج التلفزيوني ونظام الدعم السينمائي الذي يمنحه المركز السينمائي المغربي.

فالدعم السينمائي يخضع لمنظومة خاصة مرتبطة بالسياسة السينمائية الوطنية وبإنتاج الأفلام وتطوير الصناعة السينمائية وتوزيعها واستغلالها.

أما الإنتاج التلفزيوني، فيرتبط بمنظومة مختلفة تقوم على حاجيات القنوات إلى المحتوى، وبرمجتها، والتزاماتها تجاه جمهورها، وقدرتها على المنافسة في سوق إعلامية أصبحت تعرف تغيرات متسارعة بفعل المنصات الرقمية وتوسع المحتوى الدولي.

وبالتالي، فإن تخصيص موارد مهمة للإنتاج التلفزيوني لا ينبغي اعتباره امتداداً للدعم السينمائي، وإنما استثماراً ضرورياً في صناعة تلفزيونية وطنية قادرة على إنتاج الدراما والبرامج والمحتويات التي تنافس الإنتاجات الأجنبية.

ولا يمكن في الوقت نفسه المطالبة بمحتوى مغربي قوي وعالي الجودة، ثم التعامل مع تمويل هذا المحتوى باعتباره عبئاً في حد ذاته.

ارتفاع الكلفة جزء من تطور الصناعة

ارتفعت خلال السنوات الأخيرة كلفة عدد من مكونات الإنتاج السمعي البصري، من معدات التصوير والإضاءة والصوت، إلى الديكورات والملابس والتنقل والإقامة والخدمات اللوجستيكية والتقنية، إضافة إلى أجور مختلف المهنيين المشاركين في الإنتاج.

كما أن تطور ذوق الجمهور وارتفاع مستوى المنافسة يفرضان على الأعمال التلفزيونية معايير تقنية وفنية أكثر تطوراً.

غير أن ارتفاع الميزانية يجب أن يرافقه ارتفاع في القيمة الفنية والإنتاجية للعمل.

فالميزانية الأكبر تفرض بالضرورة مستوى أعلى من الجودة، سواء في الكتابة أو الإخراج أو الصورة أو الديكور أو الأداء أو التنفيذ التقني. وكلما ارتفعت تكلفة الإنتاج، أصبح من الطبيعي أن ينتظر الجمهور عملاً أكثر احترافية وقدرة على المنافسة.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في ارتفاع تكلفة العمل، وإنما في غياب التناسب بين حجم الاستثمار والنتيجة النهائية.

مسؤولية القنوات تكمن في الاختيار

لا يمكن تحميل القنوات التلفزيونية مسؤولية كل التفاصيل الفنية والإبداعية للعمل، فهي ليست الجهة التي تكتب السيناريو أو تقوم بالإخراج أو التمثيل أو التصوير.

القناة تضطلع أساساً بدور اختيار المشاريع وتحديد حاجياتها البرمجية والتعاقد مع شركات الإنتاج والكفاءات القادرة على تنفيذ الأعمال وفق المعايير المطلوبة.

ومن هنا، فإن مسؤولية القنوات الحقيقية تتمثل في وضع معايير واضحة للاختيار، وتوسيع دائرة المنافسة، وإتاحة الفرصة أمام شركات الإنتاج والمواهب الجديدة، وربط التعاقد بمستوى الجودة والقدرة على تحقيق النتائج.

كلما كان السوق مفتوحاً أمام المنافسة، أصبح من الممكن الوصول إلى أفضل المشاريع وأفضل الكفاءات، بدل حصر الإنتاج في دائرة ضيقة من الأسماء والشركات.

وهذا الانفتاح لا يخدم المنتجين وحدهم، بل يخدم القناة والجمهور والصناعة السمعية البصرية المغربية بأكملها.

الاستثمار في المحتوى يخلق قيمة اقتصادية

الإنتاج التلفزيوني ليس مجرد مادة تُعرض على الشاشة، بل هو سلسلة اقتصادية واسعة توفر فرص العمل لعدد كبير من المهنيين.

فوراء كل مسلسل أو برنامج يوجد كتاب ومخرجون وممثلون وتقنيون ومصممون ومهندسو صوت وإضاءة ومصورون وملابس وديكور وخدمات لوجستيكية وشركات متخصصة في مجالات متعددة.

وبالتالي، فإن الميزانية المخصصة للإنتاج تعود، بشكل مباشر وغير مباشر، على مجموعة واسعة من المهنيين والشركات، وتساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الإبداعي.

كما أن المحتوى الناجح يرفع من القيمة الإعلانية للقناة، ويزيد من جاذبية البرامج للمعلنين، ويفتح المجال أمام إعادة استغلال الأعمال عبر المنصات الرقمية والأسواق الخارجية.

وهنا يتحول الإنتاج من مجرد تكلفة مرتبطة بشبكة البرامج إلى استثمار يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية وثقافية متراكمة.

من الإنتاج المحلي إلى المحتوى القابل للتصدير

يمتلك المغرب فرصة حقيقية للانتقال من إنتاج محتوى موجه للاستهلاك الداخلي فقط إلى صناعة أعمال قابلة للتسويق خارج الحدود.

فالدراما المغربية والبرامج المغربية يمكن أن تجد جمهوراً واسعاً لدى الجالية، وفي المنطقة المغاربية، وفي عدد من الأسواق العربية والإفريقية، خصوصاً عندما تجمع بين الجودة التقنية والخصوصية الثقافية والقصص القادرة على الوصول إلى جمهور متنوع.

كما أن المنصات الرقمية أصبحت تمنح المحتوى المحلي فرصة جديدة للحياة خارج توقيت البث التلفزيوني التقليدي.

وهذا يعني أن العمل التلفزيوني الجيد يمكن أن يتحول إلى أصل ثقافي وتجاري قابل لإعادة الاستغلال، بدل أن ينتهي أثره بانتهاء عرضه الأول.

المطلوب قيمة أكبر وليس إنفاقاً أقل

النقاش حول ميزانيات التلفزيون المغربي ينبغي أن ينتقل من التركيز على الرقم المجرد إلى تقييم القيمة التي ينتجها هذا الرقم.

خفض الميزانية ليس نجاحاً في حد ذاته، كما أن ارتفاعها ليس دليلاً تلقائياً على سوء التدبير.

النجاح الحقيقي يكمن في تحقيق أفضل جودة ممكنة بالموارد المتاحة، وفي بناء منظومة إنتاج تنافسية، وفي ضمان استفادة المهنيين والشركات، وفي إنتاج محتوى قادر على صناعة الجمهور وتحقيق القيمة الإعلانية والثقافية والاقتصادية.

إن المغرب لا يحتاج فقط إلى تلفزيون ينفق أقل، بل إلى تلفزيون يستثمر بشكل أفضل.

ولا يحتاج فقط إلى إنتاجات كثيرة، وإنما إلى أعمال ذات جودة قادرة على المنافسة، وعلى بناء جمهور مستدام، وعلى الوصول إلى المنصات الرقمية والأسواق الخارجية.

ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار في المحتوى التلفزيوني ليس تبذيراً في الميزانيات، بل يمكن أن يكون استثماراً في الصناعة والثقافة والتشغيل والإبداع والإشعاع المغربي.

وكلما ارتبط التمويل بالجودة والمنافسة والنتائج، أصبح التلفزيون المغربي أكثر قدرة على التحول من مجرد مستهلك للموارد إلى محرك حقيقي لصناعة المحتوى، ورافعة من روافع الاقتصاد الإبداعي والقوة الناعمة للمغرب.

رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل

صوت وصورة
طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:28

طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا