الثقافة، الثورة المؤجلة

الثقافة، الثورة المؤجلة
الخميس 4 يناير 2024 - 23:10

شهدت منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط انتفاضات سميت “ثورات” سنة 2011، كما سميت “ربيعا”، دون أن تؤدي لما ينبغي أن تؤدي إليه الثورة من تغيير جذري، بل على العكس تماما، فالدول التي كانت سباقة إلى الانتفاضات و”الحراك” الشعبي تراجعت خطوات واسعة إلى الوراء على جميع الأصعدة، وما زالت تتواجد حتى اليوم في أوضاع سيئة، ما جعل الربيع خريفا، والثورة نكوصا، فما الذي جرى تحديدا ؟

كانت انتفاضات 2011 انتفاضات شعبية بتأطير ديمقراطي ضعيف، أو أحيانا غائب في بعض البلدان، وبعقليات لم تنضج بعدُ من أجل التغيير بسبب سياسات الأنظمة التي حرصت على عدم السماح بتطور نسبة الوعي في الاتجاه الصحيح، كما عملت على خلق تيار مجتمعي ضدّ الإصلاح، علاوة على أنّ الكثير من الحشود التي خرجت إلى الشارع كانت تريد التخلص من بعض الوجوه دون أن تعرف تحديدا ما ستفعله بعد ذلك، وهذا يعني أن الثورة الحقيقية إنما ينبغي أن تحدث قبل الشارع في العقول والذهنيات، بتغيير أسلوب التفكير لدى الأغلبية وخلق تيار مجتمعي مهيأ للتغيير الشامل والنهضة الحقيقية، وهذه العملية بحاجة إلى شروط ثلاثة:

ـ نظام تربوي يضع الإنسان في مركز اهتمامه، ويعمل على بناء الوعي المواطن وصقل الشعور الوطني عبر التربية على الحرية والمبادرة والإبداع وحُب الوطن، وعلى النزعة الإنسية المنفتحة على العالم ومكتسبات العصر.

ـ تأطير يومي عبر وسائل الإعلام وكل قنوات التواصل الرسمية وغير الرسمية من أجل جعل المواطن مستوعبا لمشاريع الدولة وبرامجها، ومنخرطا فيها ومشاركا بدينامية ترفع من إنتاجيته، وتجعله يشعر بطمأنينة اجتماعية وبقدر من السعادة، وبأثر عمله على وضعية البلد وتطوره.

ـ تخليص المواطنين منذ الطفولة من كل سلبيات التراث القديم التي تُعطاها للأسف الأولوية وتتمّ إشاعتها بدل كل القيم النبيلة والبناءة. وجعل معيار النظام القيمي هو الحرية والمسؤولية والمساواة على قاعدة المواطنة، وإلغاء كل أنواع التمييز بسبب العقيدة أو اللون أو اللسان أو العرق أو النسب العائلي.

هذه الإجراءات لا يمكن أن تنجح فعليا إذا لم يتم إنجاز خطوات سياسية أخرى على أعلى مستوى، من أجل تفكيك عوامل الجمود والنكوص المتمثلة في:

ـ الطابع المزدوج للدولة السلطوية، التي تعيش ارتباكا يوميا بين تقليدانية متجذرة وعصرانية سطحية.

ـ التمركز المفرط لنموذج الدولة الوطنية التقليدي، على حساب الهوامش المنسية التي تضم أغلبية السكان.

ـ غلبة التاكتيك الظرفي الضيق وغياب استراتيجية واضحة للتنمية والدمقرطة على المدى الطويل.

ـ تكريس استعمال الدين في المجال السياسي (وبمنظور تراثي) كأحد أسس الشرعية، في غياب الشرعية الديمقراطية القائمة على فصل السلطات واحترام الحريات والمساواة التامة بين الجنسين وسمو القانون فوق الجميع.

ـ وجود فساد بنيوي في مختلف هياكل الدولة ومؤسساتها والذي سرعان ما تحول إلى ثقافة وذهنية سائدة في المجتمع تعرقل كل تطور ديمقراطي.

ـ ضيق وتناقض الإطار القانوني بسبب الطابع المزدوج للدولة، وجمود العقل المشرّع أو نكوصه، ورعاية نظام اجتماعي متخلف.

ـ تراجع الأحزاب السياسية وتخليها عن دورها في التأطير وحمل مشعل التغيير، وذلك بسبب إنهاك السلطة لها، وضعف القوى المدنية الضاغطة وتشرذمها.

ـ ارتباط المنظومة التربوية بالحسابات الظرفية للسلطة ورهاناتها التاكتيكية عوض اعتبارها ورشا وطنيا لبناء الإنسان المواطن.

ـ تضخم الشعارات وتراجع الممارسات، حيث توجد دائما هوة كبيرة بين التزامات الدولة وممارستها الفعلية وأسلوب اشتغالها.

ـ تراجع دور المثقفين وضمور الفكر السياسي.

ـ تراجع القيم التي تجمع بين أبناء المجتمع الواحد وخاصة الشعور بالانتماء إلى الوطن المشترك.

إن هذه العوائق المستحكمة نجدها في مختلف بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط بدرجات متفاوتة، ونرى بأن التطور الديمقراطي بحاجة إلى تداركها عبر التمكين الفعلي للسير العادي للمؤسسات، وتوفير مرتكزات المواطنة والحكامة وفصل السلطات والتوزيع العادل للثروة.

ومن شأن القيام بهذه المهام الإصلاحية الجوهرية خلق ثقافة جديدة مؤطرة لتيار مجتمعي أغلبي مختلف تماما عن التيار الغالب في الظروف الراهنة، والذي هو تيار مضاد للتغيير والإصلاح، وهذا ما يمكن تسميته بـ”الثورة الثقافية” التي ظلت إلى اليوم مؤجلة، تاركة المجال لانتفاضات سياسية واجتماعية شكلية لا تؤدي إلا إلى مزيد من التدهور والتراجع.

ويعني هذا أن زعزعة الاستقرار الموجود وأسس الدولة بدون تأهيل المجتمع وخلق نسبة من الوعي الديمقراطي لدى الأغلبية، مع وجود نخب وطنية فاعلة ومؤثرة، إنما يؤدي حتما إلى هدم دون بناء أي بديل حقيقي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • amaghrabi
    الجمعة 5 يناير 2024 - 17:54

    اعتقد ان الخلط بين الثقافي والسياسي وبين الديني والسياسي هي المعضلة التي تكرس ثقافة الشك وثقافة الصراع بين التقليدي والمعاصر او الحداثي مما يجعل الشعوب العربية الإسلامية تدور في مكانها متجبثة بتراث ماضوي اكل عليه الدهر وشرب

  • KITAB
    الجمعة 5 يناير 2024 - 18:43

    الثقافة كرافعة لكل تنمية وتقدم ، هي آخر شيء يمكن العثور عليه في البلدان العربية ، أو بمعنى آخر أن الفكر الشعبوي ما زال سيد الواقع ، وعنه تصد كل مواقفنا السياسية وحتى الاقتصادية ، هذا واقع أليم كشفت عنه بالواضح “ثورات الربيع العربي” والتي تحولت في أعقابها ، كما أشار إليه الأستاذ ، إلى خريف ونكوص ، لأسباب عديدة ، يأتي في مقدمتها النضج السياسي ، عموماً وتشرب القيم الديمقراطية ،بوجه خاص ، لذلك جاء حراك هذه الثورات بدافع اغتصاب السلطة والتحكم ، لذلك انتهى حراكها بالتشرذم وظهور التنظيمات والجماعات المتطرفة لتحتل المشهد السياسي ، لكل منها قناعته الخاصة ، فسقطت بلدانهم في أتون النزاعات الشعبية المسلحة ، وما زالت تعاني منها حتى اليوم ، وفي هذا السياق يمكن تقديم تجربة تركيا كمقياس بين شعب متمرس بالقيم الديمقراطية والوحدوية وآخر متشبع بالفكر الشعبي الخرافي وقيم التفرقة والتشرذم ، لذلك لاحظنا أن الانقلاب العسكري في تركيا لم يعمر سوى بضع ساعات لوجود بنيات مؤسساتية صلبة وشعبي تحكمه وحدة المصير ، بينما غياب أو شبه غياب رمز سياسي في البدان العربية ، يعني الفوضى والنزوع إلى الاصطدام ومحاولة انتزاع السل

  • إبراهيم بومسهولي
    السبت 6 يناير 2024 - 09:38

    هناك مشكل في المقال، يشبه ما وصفه أرسطو بال aporie أي إشكال منطقي لا حل له! فمن جهة، هناك الرغبة في تغيير سياسي يطال الأنظمة القائمة وإستبدالها بأخرى ديمقراطية تماما. ومن جهة ثانية، فهذه الأنظمة مطلوب منها أن تشرف هي نفسها على الثورة الثقافية التي ستطيح بها فيما بعد!
    وهذا ناتج تن كون المثقف الآن أصبح عاجزا عن القيام هو نفسه وضدا على النظام القائم وثقافته العثيقة بما أسماه غرامشي بالهيمنة الثقافية.

  • WARAZAZAT
    الخميس 11 يناير 2024 - 18:50

    الحل الوحيد هو ثورة حضارية جذرية…..على غرار ما فعلته اليابان اواخر القرن 19 و بعدها باقي دول شرق اسيا…و إلا فان هو الفناء الحتمي.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام