الحاقدون في الأرض

الحاقدون في الأرض
السبت 7 مارس 2026 - 23:48

“ليس الحقد سوى قلب للرؤية التثمينية، فأخلاق العبيد تحتاج دائماً إلى عالم معاكس، وخارجي لكي تظهر” نيتشه

الحقد لم يكن أبدا فعلا، بل مجرد رد فعل سلبي تجاه ما يعتقده الحاقد إيجابيا.. هو قوة سالبة لإدراك الموجب؛ لذلك ينتهي من يحقد في العدمية؛ حيث يفضل أن يحيا في عالم خيالي غير هذا الذي نحياه ليستفرغ فيه فشله، ويصطنع منه الشماعات التي يعلق عليها خيباته.

ليس ممجدا لقيم الحقد من حاسد إذا حسد، ولا حسد إلا ويؤول إلى حقد. الحاسد والحاقد لا جدوى من استرضائهما؛ فقد قال معاوية: (كلُّ الناس أقدرُ على رِضاه، إلا حاسدَ نعمةٍ، فإنه لا يُرضيه إلا زوالُها). الحسد والحقد فيروسات قابلة للعدوى والانتقال السريع بين رهط الفاشلين والمحبطين؛ لأنه لولا الفشل لما كان حسد، ولولا الشعور بالعدم لما تولد حقد.

كثيرون هم حساد هذا الوطن، والأكثر منهم الحاقدون عليه؛ وسواء هذه القلة في الداخل أو تلك التي تتماهى معها في الخارج؛ فالمنطلق واحد: العجز عن إبداء الإعجاب، المكابرة والتعامي.

مناسبة القول؛ دعوة العدميين للتظاهر في الشارع العام نصرة لنظام الملالي.

نتصور أن الدافع وراء أية تظاهرات هو برغماتي بالأساس؛ تحركه المصلحة وتحقيق المنفعة. (ليس كل امرئ مالك نفسه) بتعبير بن خلدون، فالمواطن جزء جماعة قومية؛ ولأنه لا تظاهرات لنصرة طرف خارجي إلا ضمن مصلحة الجماعة القومية؛ فالمفروض أن الدافع لن يتعارض مع مصلحة الوطن؛ فأي برغماتية قد تدفع بالتظاهر مع نظام معادي لوحدة واستقرار البلاد؟ ما المصلحة العامة التي يجنيها المواطن المغربي من إدانة حليف ومناصرة عدو؟

يدعون بالباطل: واجب شرعي ضد كل ضحايا الحروب ونصرة للأخ المسلم؟ هذا كلام مردود؛ لأن من يسعون للتظاهر عنوة وضد المصلحة العامة لصالح نظام الخامنائي؛ لم يحركوا ساكنا للتضامن مع الآلاف من الأبرياء الذين شردوا وقتلوا في سوريا ولبنان واليمن بسلاح وميليشيات الملالي. لم نسمع أن أحدا منهم أدان احتلال طهران لبلدان عربية؛ وتدخلها السافر في شؤونها الداخلية وزعزعة استقرارها، ولا صرخ مستنكرا قصفهم الغاشم لعواصم الخليج بلا رحمة.

أدانت الدولة المغربية تدخلات طهران في قضية الوحدة الوطنية؛ فماذا فعل العدميون..؟

بادروا لتكذيب الدولة بكل صفاقة.

اليأس يولد الصفاقة والفشل لا ينجب سوى الوقاحة؛ ولأن المشروع الإسلاموي انتهى إلى فشل والتقدمي إلى يأس وإحباط؛ فالغاية من التئامهما اليوم حول مأدبة الشر المسمى في قاموسهم: ممانعة.. ليس إلا محاولة لتحطيم الدولة؛ حتى تخسر الديموقراطية عندنا أكثر من الاستبداد، والازدهار أكثر من الانحطاط، والتقدم أكثر من التخلف.

عجائز الفرح وأصحاب الأحلام الموءودة الذين يتساقطون تباعا لا يجتمعون في كل مناسبة إلا ليلعنوا حظهم الأعمى، وينعوا القطار الذي خلفهم وراءه في محطات سقطت عن الخرائط. هي تركيبة هجينة لا توحدها عقيدة ولا إيديولوجيا ولا مصلحة جماعية؛ فلا هم من عقيدة المرشد الشيعي، ولا هم توافقوا على عقيدة حسن البنا أو ماركسية لينين؛ ولكن الرابط بينهم أعمق وأقوى من كل ذلك؛ إنه الحقد وليد الفشل.. كلهم (إسلاميون وشيوعيون وفوضويون) عناوين للأفول ومشاريع أجهضها قانون التطور. يجتمعون اليوم مرغمين وذلك بعد فرقة طويلة وتاريخ ملطخ بالصراع والدم؛ فقط ليذبوا الفشل الفردي في فشل جمعي؛ لأنهم وهم يصطفون جنب بعضهم البعض في الشارع العام؛ صادحين بشعارات عفا عنها الزمن يشعرون براحة نفسية كبيرة؛ فالكل في المظاهرات سقط من الزمن، ومن ثم لن يخجل أي منهم في النظر إلى مرآة نفسه؛ على الأقل فهو ليس الوحيد الذي يجتر مرارات الانكسار..

سئل أحد صناع هذا الهرج عن رأيه في دسائس نظام الملالي وتآمرهم على الوحدة الوطنية للبلاد وهو بالمناسبة دكتور في لا شيء ويتحدث في كل شيء؛ فأجاب على التو بأن الدولة لم تقدم دليلا يثبت هذا الادعاء؛ ويا لسخرية القدر، إذ بعدها مباشرة ستكشف المخابرات الفرنسية عن وثيقة دامغة؛ عبارة عن برقية صادرة من السفارة الفرنسية في طهران بتاريخ: يناير 1984، والتي أكدت بالدليل القاطع ارتماء البوليزاريو برعاية جزائرية في أحضان المشروع الخميني الهادف لتصدير الثورة وزعزعة استقرار البلاد من خلال استغلال النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وذلك منذ الأيام الأولى لاستيلاء الخميني على ثورة الإيرانيين.

ملحوظة: التاريخ (يناير 1984) له دلالاته، وشرح الواضحات من المفضحات

ختاما، نستعير قولة تيسلا Tesla ونقول: لو كان لنا أن نحول كل هذا الحقد الموجه ضدنا إلى طاقة لأنرنا العالم بكامله. ومع ذلك سنردد وراء صاحب الجلالة نصره الله وأيده: (اللهم كثر حسادنا).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • عبدالغني المضيق
    الإثنين 9 مارس 2026 - 12:06

    مقال جميل فيه جرأة كبيرة يضع الكل في سلة واحدة وهذا يتطلب تدقيق أكثر ورؤية سياسية تراعي السياقات .لكن أحترم فيك سي يوسف الرغبة في النقاش والتواصل بهذا العمق الذي يستشرف المستقبل، وتفانيك في الدفاع عن الوطن وهذا يحسب لك.
    لذلك تفاعلي معك سيكون من خلال التوضيحات التالية :
    1.الانتصار لايران هو انحراف سياسي ومبدئي وأخلاقي، لأنه انتصار لمعركة طرفاها مشروعين توسعين. فالمشروع الصهيوني والأمريكي والامبريالي والفارسي هي مشاريع توسعية بامتياز ومشاريع بنيت على صراعات واقتتالات وتنحيات وحروب…ولك في سجل الدولة الصفوية تاريخ حافل ..
    2.القول بان ايران تقف في وجه الغطرسة الأمريكية والصهيونية فيه كثير من المغالطات، سجل المفاوضات والاتفاقات السرية والعلنية عريض وفاضح ، التحالف مع الصين وروسيا، كمشروعين توسعيين،
    3. ماذا فعلت ايران في المنطقة ، في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن، اذرع وميليشيات وطوائف وعصابات ودمار وصراعات وتشتيت أوصال الدول..وإعطاء شرعية لاستبدادية ديني وعقائدي مقيت. إنها الكارثة التي تهددنا على لسان صلاح عيسى.

  • موكاعي
    الأربعاء 11 مارس 2026 - 16:52

    معاوية والأمويون عموما ليسوا مثلا ينبغي الاقتداء أو الاستشهاد به لانهم شوهوا صوررة الإسلام بسبب ماارتكبوه من مجازر وجرائم فظيعة- لما اغتصبوا الخلافة – سواء في شبه الجزيرة العربية أوفي شمال إفريقيا حيث تحولت الفتوحات في عهدهم إلى غزوات وإذلال وسبي.

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل

صوت وصورة
طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:28 4

طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 2

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 3

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل