لا تبلغ الزراية بعقول الناس مبلغها حتى تكون مؤشرا دالا على استحكام الفساد واستشراء الاستبداد، لأن شأن الفساد أن يشن الحرب على التنوير والعقل باعتبار أن أعلى مطالبهما تحرير الإنسان من سلطان الجهل الذي يصنع الخوف في النفوس فتخلد إلى الأرض، ولأجل ذلك كان الجهل ملازما لسياق الاستبداد على الدوام لا يفارقه، بل هو ماركته المسجلة وطعامه وشرابه الذي يعتاش عليه.
والزراية بالعقول كما هي آية على ما ذكرناه من السقوط الفكري والسياسي في أنظمة الاستبداد، فإن أخطر ظهور له يكمن في فساد وظيفة الدين، حين يستحيل هذا الأخير من أداة للتحرير إلى مادة للدجل والتخدير والتبرير، إذ لا يمكن أن يتصور في منطق العقل السليم كيف تحولت المساجد إلى وظيفة المتاجرة بالدين والاصطفاف إلى جانب المنتفعين من الدفاع عن الدستور الممنوح، أبواقا للسياسة المخزنية النعمية تبشر بدخول الجنة من يطيع أمير المؤمنين ويصوت بنعم للدستور لأن طاعته من طاعة رب العالمين، وتنذر المعتزلين والمخالفين والمقاطعين بدخول نار الجحيم، وبئس المصير؟؟؟
خطورة هذا النوع من الخطاب السطحي الذي يزري بالعقول لا تنحصر في كونه يستغل الدين بمعناه السلبي التخديري ويركبه للتعليب الفكري، بل تتعدى ذلك إلى ضرب من إضفاء القداسة والتأليه على موقف سياسي بشري، يتحول فيه التصويت على الدستور إلى تصويت على “الحق المطلق” في نظام”شمولي مطلق” ،أو قل معي ما يريده الله ويوجبه، وكأن الله صار طرفا في لعبة السياسة بالاقتضاء، وهو أمر بالغ الخطورة من عباءته يخرج التكفير للمخالفين والمختلفين حين تغيب الحكمة عن حشود ضعاف العقول من الانتهازيين والوصوليين خدمة الغرف.
إن الزراية بعقول الناس هي كما ذكرنا صناعة لنظام الاستبداد، وحين نتحدث عن نظام فإننا نعني أنها لا تنحصر في فرد، وإنما يسهم فيها كل عناصره من السقطة في الدين والثقافة والإعلام والسياسة والفن كما سماهم لا بواسيه حين قال:”ما إن يعلن حاكم عن استبداده بالحكم إلا ويلتف حوله كل أسقاط المملكة وحثالتها، وما أعني بذلك صغار اللصوص بل أولئك الذين يدفعهم طموح حارق وبخل شديد ليصيروا هم أنفسهم طغاة مصغرين في ظل الطاغية الكبير، هكذا الشأن بين اللصوص ومشاهير القراصنة: فريق يستكشف البلد، وفريق يلاحق المسافرين، فريق يقف على مرقبة وفريق يختبئ، فريق يقتل وفريق يسلب”.
إن السقوط بما هو حالة انهيار شامل في القيم يصنعه السقطة _بجميع طبقاتهم ووظائفهم_الذين لا يأتون إلا من الأسافل مجردين وعراة من كل قيمة أخلاقية أو إنسانية، يصنعه أولئك الذين حدثنا عنهم عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد حين قال:”الحكومة المستبدة تكون طبعا مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي والفراش وكناس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقا؛ لأن الأسافل لا يهمهم جلب محبة الناس وإنما غاية مسعاهم اكتساب ثقة المستبد، وهذه الفئة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيش العاملين له ، واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان واحتاج إلى حفظ النسبة بينهم بالطريقة المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طبعا أعلاهم وظيفة وقربا. إن العقل والتاريخ يشهدان أن الوزير الأعظم هو اللئيم الأعظم في الأمة”.
أكاديمي مغربي
أبقاكم الله أخي ادريس مفكرا عقلانيا تنويريايكشف الاوعاء الزائفة ويبين لعباد الله خلفياتها المغلوطة ويحافظ بالتالي على غايات الدين السامية البعيدة كل البعد عن التوظيف الاديولوجي المغلوط .
بارك في مكتوب الدكتور مقبول الذي عودنا دائما على المتابعة الدائمة والمواكبة الواعية لما يجري في هذا الواقع المغربي الغريب الذي يأبى الجاثمون عليه إلا أن ينئوا بأنفسهم عن الفهم والاستيعاب لدروس الثورات العربية وأن يصروا على الاستخفاف بعقول الناس حتى يأتي أمر الله عليهم وهم كذلك في غيهم يعمهون,
ذو العلم يشقى في النعيم بعلمه *** و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم !
excellent article. mérci boucoup
إن العقل والتاريخ يشهدان أن ياسين الأعظم هو اللئيم الأعظم في الأمة…..
صدقت يا دكتور مقبول ورب الكعبة
والله إنك قد أصبت .فقد حول المخزن وأزلامه دين الله المقدس إلى افيون لتخدير العامة وهو ماسيجده البعض مبررا لاستحضار مقولة :….أفيون الشعوب.
في هذا "المقال" تبدو مدافعا عن العقل و التنوير و في مواقع أخرى نجدك تسب وتشنع بنيتشه و هيجل و,,,و,,,والحال أن هؤلاء كرسوا أنفسهم لخدمة العقل و كشف ألاعيب اغتياله و فضح الدسائس المراهنة على تسطيحه, أرجو صادقا أن تعلن العصيان على السرعة ما دامت الأفكار الكبرى و الأصيلة لا تولد إلا تحت وطأة الآلام المبرحة والتفكير العميق لا تحت وطأة الرهانات الضيقة و الحسابات الصغيرة, أما أن تنعت نفسك ب"أكاديمي" ففي الأمر الكثير من التسرع الغير مبرر والذي أرجو أن تتداركه قبل أن يتحول إلى نكتة تصاحبك مدى الحياة,,,