الرّاكضون نحو الموت

الرّاكضون نحو الموت
السبت 11 يناير 2014 - 13:10

لا تعجب فليس هذا عنوان فيلم جديد،وليس هو رواية من روايات كامو، أو كافكا، أوجويس، أو كورطاثار، وإنّما هو إنطباع واضح وحقيقي لما يجري، ولما تراه العين فى بلادنا عبر الطرق السيّارة منها،ونصف السيّارة، والرئيسيّة، والمعبّدة،والسواحلية، والثانويّة، والهامشيّة والمهمّشة..!.

كنّا إثنين فرحين بالإستمتاع بهذا المولود الجديد الذي ولد بعد مخاض عسير، والذي إستبشرنا به خيرا عميما عند إفتتاحه ..الطريق شبه السيّار أو الطريق الساحلي الرّابط بين مدينتي الحسيمة والناظور، المدينتان التّوأم اللتان يربطهما هذا الطريق الأفعوان الذي جمعهما بعد إنفصال ،وكأنّه حبل سرّي أعاد لهما الحياة والحيوية، والإنتعاش والرّواج من جديد لإحياء صلة الرّحم بين هاتين الحاضرتين المتقاربتين طورا، والمتباعدتين أطوارا.

كنّا نتحدّث عن الحياة، وجمال الطبيعة الخلاّبة ، والبحر المتوسّط الجميل الممتدّ على جانبنا على مدى مرمى العين تعانق لججه السّواحل الإسبانية المقابلة لنا التي نزل فيها يوما عبد الرّحمن الدّاخل هاربا فارا من بطش العبّاسييّن.كنّا نستمتع بإشراقة الشمس السّاطعة بعد أيّام ممطرة وليال مكفهرّة.

كنّا نتحدّث عن الحضارات التي ظهرت وتألّقت وسادت ثم بادت ،وعن الثقافات التي تمازجت وتجانست،وأينعت وأثمرت فى هذا الشقّ من العالم المنسيّ، نتحدّث عن الماضي العتيد، والحاضر العنيد، والمستقبل الواعد، وساقنا الحديث،وهو ذو شجون إلى المنافع والخدمات التي يجنيها إنسان العصر من هذه المخترعات العجيبة ، وبالذات من هذه الآلة التي أطلق عليها اللّغويون مع فجر إنبلاج المدنيّة الغربية، وتفتّق التقدّم التكنلوجي إسم ” السيّارة”(من الكواكب السيّارة)،هذه الآلة التي تقرّب المسافات، أو تلك التي تنوب مناب الإنسان فى المصانع،والمعامل ..إلخ.

قلت لصاحبي، هذه حقائق لا يمكن نكرانها ،ولكن هناك ويلات قد تلحق بالإنسان فى بعض الأحيان من جرّاء هذه الآلة اللعينة، بحيث أصبحت حياة الإنسان فى هذا العصر المتطوّرحياة معقّدة صعبة ،محفوفة بشتى أنواع المخاطر والأهوال التي تواجهه،والتي ينبغي عليه أن يعيشها بحذر وحيطة، لئلاّ تنزلق قدماه إلى هاوية الموت لسّحيقة فى لمح من البصر، وكأنّها الصراط الذي نتحدّث عنه قبل الممات.

وتطير من أفواهنا الكلمات حاملة معها فلسفتنا البسيطة ، والسيّارة تسير بسرعة معتدلة مخافة المجهول من أيّ إنزلاق مفاجئ خاصّة بعد الأمطار الغزيرة التي هطلت بدون إنقطاع ليلة الأمس وقبله على الرّغم من أنّ الجوّ كان صحوا رائعا…فبعد العاصفة يأتي الهدوء..!

على الجانب الأيسر منّا كنا نلمح بين الفينة والأخرى ظلالا تمرّ مرّ البرق فلا نتبيّن ما عساها أن تكون …حتى تتراءى لنا من بعيد، فندرك أنها سيارات تنهب الأرض المعبّدة نهبا،وكأنّها فى سباق مع الزّمن ، وكنّا لا نحمد عاقبة هذه السرعة الجنونية التي يفقد معها الإنسان توازن وجوده فى الحياة،وكأنّ قلوبنا كانت على علم بالغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله،فما هي إلاّ لحظة حتى رأينا حشودا من الناس مجتمعين ، ولقد إصطفّت العديد من السيارات بجوارهم ،فخيّل إلينا أوّل الأمر أنّ هناك سوقا، أوسمكا، أو سلعة أو بضاعة معروضة للبيع أو ما شابه ذلك، وتباطأنا قليلا فى سيرنا حتى وصلنا إلى عين المكان ، فإذا بمجزرة رهيبة كان ضحاياها أناس آدميون، هنا شلو وهنالك آخر ، وبجانب شجرة ضخمة نصف سيّارة ، وبعيدا عنها قليلا النّصف الآخر ، وجثث الضحايا المساكين مجندلة طريحة على الأرض بلا حراك،ولقد إنشطرت السيارة شطرين ،وكأنّ منشارا حديديّا ضخما مرّ بمنتصفها ،وإنفطرت قلوبنا للمنظر الفظيع ، وإصفرّت معها وجوهنا.

وعندما توقفنا لنتفقّد الأمر، ونسأل إذا ما كان فى إمكاننا تقديم أي خدمة،أو مساعدة ،وبينما كان رجال الدرك والإنقاذ يقومون بواجبهم من إنتشال الضحايا وتقديم الإسعافات الأوّلية للمصابين ، إنتهت إلينا التعاليق التي كانت تنثال وتترى بين الناس الذين تجمهروا حول مكان الحادث والتي كانت تخرج من أفواههم كالشّرر فى عصبيّة وتشنّج : إنها السرعة المفرطة ولا شكّ ، وقال آخر : لقد رأيت ذات السيارة تتجاوزني بسرعة جنونية ، وقال آخر: لا إنها الطريق التي تمّ إنجازها بسرعة فائقة ،مع نقص وخصاص فى بعض الآليات، والمعايير الضرورية اللازمة من وضع إشارات تنبيهيّة ، وعلامات الخطر، والمطبّات ،والأشغال وتساقط الأحجار، أوتثبيت صوى أو صوّات المسافات …إلخ ، وقال رابع : ألم تر كيف أنّ الطريق ضيّقة ويتوسّطها خطّ أبيض يحظر التجاوز نظرا لكثرة المنعطفات، والمنعرجات،والإلتواءات التي لا تنتهي، ويكاد هذا الخطّ أن يظلّ متّصلا بدون إنقطاع لمسافات بعيدة..عدنا إلى سيارتنا وفرائصنا ترتعش، وأسناننا تصطكّ من هول ما رأيناه،وعندما إنطلقت بنا السيارة من جديد بحذر شديد وببطء أقلّ من السابق،قلت لصاحبي لم يكن هذا إلّا نتيجة السّرعة المفرطة، والتهوّر الجنوني اللّامسؤول، وإلّا لما حدث ما حدث، وظلّت صورة الضحايا عالقة بأعيننا، وتابعنا المسير،وتأكّد لنا فعلا إستكمالا لحديثنا السابق أنّ الإنسان المعاصر يعيش على حافة الموت،على مختلف الواجهات، وبين ثانية وأخرى يكون قد إنتقل إلى دار البقاء..!

وبعد أن بعدنا عن مكان الحادث، وأصبحنا على مشارف حاضرة أجدير، وطفقت مدينة الحسيمة تتراءى لنا من بعيد، وبعد صمت قصير، إستأنفت الحديث من جديد فقلت لصاحبي: قطعا هناك من سيقول أنّ ذلك من صنع القدر، فإذا إنقضّ فلا مردّ له..! إلاّ أنّ صديقي أردف قائلا على الفور: ولكن ينبغي ألاّ ننسى فى الوقت ذاته أنّ الله تعالى يأمرنا بأن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، خاصّة وأنّنا نعرف مسبّقا أنّ فى السّرعة المفرطة ” تهلكة ” محقّقة لنا، وخطرا محدّقا بنا لا محالة.

فمهلا يا سادة .. ويا سيّدات مهلا ..فى سياقتكم (نّ) حتى تقوا وتحفظوا أنفسكم،ومن معكم ، وتذكّروا دائما أنّ كلّ من ركب ” سيّارة” منكم (نّ) فقد وضع قدما فى الدّنيا، وأخرى فى الآخرة ..فلا تركضوا بعد اليوم نحو الموت..!.

*عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم التي يوجد مقرّها بكولومبيا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • quemado
    السبت 11 يناير 2014 - 17:28

    أتفق مع صاحب التعليق رقم 1 على جمالية الموضوع من حيث وصف الرحلة وظروفها والجمل والمفردات الدقيقة المستعملة لوصف الحادثة وتوصيف المشهد المريع وكأننا خرجنا من حرب ضروس للتو… لغة مشبعة بأدوات وصف غاية قي الدقة وكأنك أمام مشهد مصور من طرف كاميرامان محترف في حين انك أمام كاتب وقاص ومترجم محترف لللغة منذ نشأته. واقول لصاحب التعليق أن نقطة الانطلاق حددت ضمنيا من خلال سرد الأحداث من الناضور باتجاه الحسيمة وحضيرة أجدير على مقربة من الحسيمة ب8 كيلومترات. أما صلب الموضوع فهو هذا التسرع (وليس السرعة) الذي اصاب بلدنا(أكثر من 4000قتيل كل سنة) التسرع في كل شيء وكأن العالم سيهرب منا في رمشة عين… الكل يريد الوصول بسرعة حتى في الدراسة والعمل وأسهل الطرق عند الكثير هو الغش في الامتحانات في العمل في الادارة والبحث السريع عن الاغتناء المؤذي لصاحبه وللناس ولبلده ومجتمعه… الطريق هي الطريق لاتقتل لكن ما يقتل هو التصرف المتهور لمستعملي الطريق. وما يقع في الطرق والشوارع من مشاحنات وتوترات بين السائقين تنم فعلا عن اندحار مقيت للأخلاق ليس الا. انه موضوع للذكرى لعلها تنفع المتهورين فقط (لكن) ما أكثرهم .

  • ابناء مدينة الحسيمة ونواحيها
    السبت 11 يناير 2014 - 20:34

    رحلة للاسف انتهت بالموت الله يرحمهم فعلا اخي محمد الخطابي كل من ركب السيارة فقد وضع قدما فى الدنيا واخرى فى الاخرة لكن العيب ليس في السائق فقط بل العيب في الطرقات ايظا خصوصا الطريق الرابط بين الحسيمة وباقي المدن وانا هنا لا ابرر السرعة المفرطة فا في التأني السلامة وفي العجلة الندامة تحياتي لك وللاخ السيد محمد اليخلوفي

  • marrueccos
    الأحد 12 يناير 2014 - 15:50

    لا تخشى على السائقين من الطريق وإخش على الطريق من السائقين !!!!! فلطالما ذهبت الجغرافيا ضحية تهور السائقين !!! فالمنعرجات الشرقية الحادة لا نحسن التعامل معها لكثرة التداول حولها !!! على كل سائق أن يزن المنعرجات بميزان من ذهب كي لا يخطئها !!!!! فهي جزء من الطريق وليست كل الطريق !!!!!!!!

صوت وصورة
العسري يعلّق على تعيين المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 05:35

العسري يعلّق على تعيين المنصوري

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري